اثنتان وثلاثون سنة في الظلّ: تفصيل ما بين الثامنة والأربعين
السنوات التي لا يعرفها كثيرٌ ممن يقرأ السيرة
أطول مرحلة في حياته ﷺ وأقلّها ذكرًا: اثنتان وثلاثون سنة بين موت جدّه ونزول الوحي. لم تكن سنوات فراغ؛ كانت مدرسةً كاملة صنع الله فيها الرجل قبل أن يُنزل عليه الرسالة. وهذه تفاصيلها كما نقلها أهل السير.
١٢ سنة
رحلة الشام الأولى: ماذا رأى الغلام؟
خرج مع عمّه أبي طالب في قافلة تجارة إلى الشام. وكان أبو طالب قد عزم على تركه لصغره، فتعلّق به الغلام حتى رقّ له فقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا. فرأى في تلك الرحلة — وهو ابن اثنتي عشرة — بلاد الشام: مدنًا وحضارةً وكنائس ونصارى وأسواقًا، وسمع لغاتٍ ورأى أنماط عيشٍ غير عيش مكة. ورأى في الطريق آثار الأمم البائدة: ديار ثمود بالحِجر، وأرض مدين.
وفي بُصرى كانت قصة الراهب بَحيرى الذي حذّر عمّه عليه من اليهود وأمره أن يرجع به. — فقد رأى العالم خارج مكة وهو غلام، وعرف أن للدنيا اتساعًا وراء الوادي غير ذي الزرع.
رواه الترمذي بنحوه، وسيرة ابن هشام — وفي بعض تفاصيله كلامٌ لأهل العلم
١٥ – ٢٠ سنة
أسواق العرب: عُكاظ ومَجَنّة وذو المَجاز
كانت العرب تجتمع كل عام في مواسم أسواقها: عُكاظ ثم مَجَنّة ثم ذو المَجاز، ثم يذهبون إلى الحج. وكانت هذه الأسواق أعظم من مجرّد بيع: فيها المفاخرة بالأنساب، والمنافرة بين السادة، وتُنشد فيها القصائد فتُرفع قبائل وتُوضع أخرى، ويجتمع فيها الشعراء والخطباء والكهّان والأحبار.
وقد حضرها ﷺ شابًّا فرأى العرب كلها في مكانٍ واحد: قوّتهم وضعفهم، وعصبيتهم وكرمهم، ولغاتهم ولهجاتهم. وسمع خطباءهم — ومنهم قُسّ بن ساعدة الإيادي يخطب على جملٍ أورق يدعو إلى التوحيد والاستعداد للموت، فذكره ﷺ بعد النبوة وقال: «رحم الله قُسًّا، إني لأرجو أن يُبعث يوم القيامة أمةً وحده».
ثم عاد إلى هذه الأسواق نفسها بعد النبوة — لكن داعيًا لا متفرّجًا — يعرض نفسه على القبائل في منازلها بمِنى وعكاظ. فما كان يراه شابًّا صار ميدان عمله رسولًا.
كتب السير؛ وخبر قسّ رواه البزار والبيهقي بأسانيد ضعيفة جدًا، وحكم بعضهم عليه بالوضع، فلا يُجزم به
٢٥ سنة
رحلة الشام الثانية: تفاصيل رحلة خديجة
كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرفٍ ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيءٍ تجعله لهم. فلما بلغها عنه صدقُ حديثه وعظيم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار. فقبل وخرج ومعه غلامها مَيسرة.
فلما قدما الشام نزل في ظلّ شجرةٍ قريبًا من صومعة راهب يقال له نَسطورا، فقال الراهب لميسرة: من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال: رجلٌ من قريش من أهل الحرم. فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبيّ. ثم باع سلعته واشترى ما أراد، ورجعا وقد ربح ربحًا لم تربح مثله قط.
فلما قدِم أخبر ميسرةُ خديجةَ بما رأى من أمانته وحسن معاملته وما سمع من الراهب. فبعثت إليه — وقيل أرسلت صديقتها نفيسة بنت مُنية تعرّض له — فقالت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به. قالت: فإن كُفيتَ ذلك ودُعيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، أتُجيب؟ قال: فمن هي؟ قالت: خديجة. قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: عليّ.
فخطبها إلى عمّها، وتُروى لـأبي طالب في نكاحه خطبةٌ مشهورة في كتب الأدب — لا يثبت إسنادها — قال فيها: إن محمدًا هذا ممن لا يوزن برجلٍ من قريش إلا رجح به، ولا يُقاس بأحدٍ منهم إلا عظُم عنه، ولا عِدل له في الخلق... وإن كان في المال قُلّ، فإن المال ظلٌّ زائل وأمرٌ حائل وعاريّة مستردّة. وأصدقها — على ما ذكر أهل السير — عشرين بَكرة. وكان عمره خمسًا وعشرين وعمرها أربعين.
سيرة ابن هشام، والطبقات لابن سعد
٢٥ – ٤٠ سنة
خمس عشرة سنة في بيت خديجة: أولاده وبناته
عاش ﷺ في بيت خديجة خمس عشرة سنة قبل النبوة، وُلد له فيها كل أولاده إلا إبراهيم. وأشهر ما ذكر أهل السير في ترتيبهم: القاسم — وبه كان يُكنّى «أبا القاسم» — ثم البنات: زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة، ثم عبد الله الملقّب بالطيّب والطاهر لأنه وُلد بعد النبوة.
ومات القاسم صغيرًا وهو يرضع، فذاق مرارة دفن ولده وهو شابّ. وزُوّجت زينب قبل البعثة من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع — وكان من رجال مكة المعدودين أمانةً وتجارة. وزُوّجت رقية وأم كلثوم من عتبة وعُتيبة ابنَي أبي لهب.
فلما جاءت النبوة ونزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قال أبو لهب لابنيه: رأسي من رأسكما حرامٌ إن لم تطلّقا ابنتَي محمد، ففارقاهما قبل الدخول — فردّ الله عليه: زوّجهما الله بعدُ من عثمان بن عفان، واحدةً بعد أخرى، فصار «ذا النورين».
وفي هذا البيت أيضًا نشأ عليّ وزيد بن حارثة، وكانت خديجة تنفق مالها بين يديه، وكان ينفق منه على الفقراء والأرامل حتى قبل أن يُؤمر بشيء — وهي الشمائل التي عدّدتها عليه ليلة الوحي: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق».
الطبقات لابن سعد، وسيرة ابن هشام، وحديث بدء الوحي في الصحيحين
٣٥ سنة
بناء الكعبة: تفاصيل لا تُذكر كثيرًا
تصدّعت الكعبة من سيلٍ أصابها وكانت رَضْمًا فوق القامة بلا سقف، فسُرقت كنوزها مرة. فأجمعت قريش على هدمها وإعادة بنائها، وهابوا الهدم حتى بدأ الوليد بن المغيرة بيده وقال: اللهم لم نُرد إلا الخير. فلما لم يصبه شيء تابعوه.
وشرطوا شرطًا: ألّا يدخل في بنائها إلا طيّبٌ من كسبهم، فلا يدخل فيها مهرُ بغيّ ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد. فقصر بهم المال فتركوا جانبًا من البيت خارجه، وهو الحِجْر — وقال ﷺ بعدُ لعائشة: «لولا حداثةُ قومك بالكفر لنقضتُ الكعبة فجعلتها على أساس إبراهيم» — رواه البخاري، وفي رواية مسلم: «لأدخلتُ فيه ما أُخرج منه».
وقد ساق الله إليهم مادة البناء: انكسرت سفينة روميّة بجدّة فأخذوا خشبها، وكان بمكة رجلٌ رومي نجّار اسمه باقوم فهيّأه لهم. وكانت في بئر الكعبة حيّة تخرج فتتشرّق كل يوم فتُرعبهم، فبينما هم كذلك إذ بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فقالوا: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا.
ثم كان اختلافهم في وضع الحجر الأسود حتى تحالفوا وأعدّوا للقتال أربع ليالٍ أو خمسًا، ثم اتفقوا على تحكيم أول داخل، فكان هو ﷺ فقالوا: «هذا الأمين، رضينا». فوضعه في ثوبٍ وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف، ثم رفعه بيده فوضعه.
صحيح البخاري ومسلم في الحِجر، وسيرة ابن هشام في التفاصيل
في زمانه
الحنفاء الأربعة: من كان يبحث عن الحق قبله؟
اجتمعت قريش عند صنمٍ لهم في عيدٍ يعظّمونه، فانحاز أربعةٌ منهم بعضهم إلى بعض سرًّا وقال بعضهم لبعض: «تعلّموا والله ما قومكم على شيء؛ لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم. ما حجَرٌ نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضرّ ولا ينفع؟ يا قوم، التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء». فتفرّقوا في البلاد يطلبون الحنيفية دين إبراهيم. وهم:
◂ ورقة بن نوفل — تنصّر وقرأ الكتب، ثم أدرك أول الوحي فصدّقه ومات.
◂ زيد بن عمرو بن نُفيل — لم يدخل في يهودية ولا نصرانية، واعتزل الأوثان والميتة والدم، وكان يقول: اللهم لو أني أعلم أحبّ الوجوه إليك لعبدتك به، ويُنكر وأد البنات ويشتري البنت ليُحييها. مات قبل البعثة، فقال ﷺ: «يُبعث يوم القيامة أمةً وحده».
◂ عثمان بن الحويرث — ذهب إلى قيصر فتنصّر وحسنت منزلته.
◂ عبيد الله بن جحش — أسلم ثم هاجر إلى الحبشة ثم تنصّر هناك ومات نصرانيًّا، فتزوّج النبيُّ ﷺ زوجَه أم حبيبة بعده.
فهؤلاء دليلٌ على أن النفوس كانت متعطّشة، وأن الفطرة كانت تنكر ما عليه القوم — فلم تكن الرسالة اقتحامًا لمجتمعٍ راضٍ، بل جوابًا لسؤالٍ قائم. ومع ذلك: منهم من ثبت ومنهم من انحرف، فالبحث وحده لا يكفي بلا هداية.
سيرة ابن هشام، وقصة زيد في صحيح البخاري
صفة حياته
كيف كان يعيش يومه قبل النبوة؟
◂ أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ — ولذلك لم يستطع أحدٌ أن يدّعي أنه نقل عن كتابٍ قرأه.
◂ لم يجالس كاهنًا ولا شاعرًا ولا حضر مجالس الخمر والميسر، ولم يُنقل عنه بيتُ شعرٍ واحد أنشأه.
◂ لم يسجد لصنم قط، ولا أكل مما ذُبح على النُّصُب، وكان يكره الأصنام كراهةً شديدة حتى إنه كان يُكره أن يُحلف باللات والعزّى.
◂ كان يعمل بيده: رعى الغنم، وتاجر، وشارك، ولم يكن يتّكل على مال زوجته وإن كانت غنية.
◂ كان مرجعًا في الخصومات قبل أن يكون نبيًّا: حكّموه في الحجر الأسود، وأودعوه أماناتهم، ولُقّب الأمين بإجماعهم.
◂ ثم تغيّر في الأربعين: حُبّب إليه الخلاء، وبدأت الرؤيا الصادقة تأتيه ستة أشهر، وصار يسمع سلام الحجر والشجر: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت فلا يرى أحدًا. حتى جاءه الحق في غار حراء.
[العنكبوت: 48]، وصحيح مسلم، وسيرة ابن هشام
لماذا أربعون سنة قبل الرسالة؟ لأن الله أراد أن يشهد له قومه بأربعين سنة من الصدق قبل أن يدّعي شيئًا. قال تعالى على لسانه: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — أي: عشتُ بينكم عمرًا كاملًا تعرفونني فيه، فكيف تتّهمونني اليوم؟ ولذلك كان أعجز ما وقفت أمامه قريش: ماضيه هو.