السيرة النبوية

سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين — من المولد إلى الوفاة

محمد ﷺ

ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾

[الأنبياء: 107]

٦٣ سنةعمره الشريف ﷺ
٢٣ سنةمدة النبوة والرسالة
١٣ سنةالدعوة في مكة
١٠ سنواتالدولة في المدينة
ابدأ رحلة السيرة
لماذا ندرس سيرته؟

أعظم قصة في تاريخ البشرية

هذه سيرة رجلٍ واحدٍ غيَّر وجه التاريخ في ثلاثٍ وعشرين سنة: يتيمٌ نشأ في مكة، ورعى الغنم، وعمل بالتجارة، ثم حمل رسالة السماء إلى الأرض، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده.

وقد حُفظت سيرته ﷺ حفظًا لم يُحفظ مثله لبشرٍ قبله: نقلها أصحابه الذين عاشوا معه بأسانيد متصلة، ودوّنها المحدّثون والمؤرخون، حتى عُرف عنه ما هو أدق من أخبار الملوك: كيف كان يأكل، وكيف ينام، وكيف يعامل خادمه، وماذا قال حين مات ابنه.

ودراسة سيرته ليست ترفًا ثقافيًا؛ فهي الطريق العملي لفهم القرآن، ومحبته ﷺ، والاقتداء به في كل شؤون الحياة: في العبادة والأخلاق، والبيت والعمل، والسلم والحرب.

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

[الأحزاب: 21]

سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلقه ﷺ فقالت: «كان خُلُقُهُ القرآن»

رواه مسلم

منهج هذا الموقع: اعتمدنا المشهور عند أهل السير، وعزَونا الأحاديث إلى مصادرها، وتجنّبنا الروايات الشديدة الضعف والقصص التي لا أصل لها. وما اختُلف فيه من التواريخ نبّهنا عليه في موضعه.
رحلة العمر

من عام الفيل إلى الرفيق الأعلى

مسار زمني متصل يروي حياته ﷺ مرحلةً مرحلة، بقصصها ومواقفها كما نقلها أصحابه، بالتواريخ الهجرية والميلادية على المشهور عند أهل السير.

قبل الميلادما قبل 571م

العالم قبل البعثة: ليلٌ طويل

حال الدنيا حين وُلد ﷺ

لا تُفهم عظمة ما صنعه ﷺ إلا إذا عرفتَ الأرض التي نزل عليها. قال ﷺ: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» — رواه مسلم. كانت الدنيا يومئذ بين إمبراطوريتين متحاربتين وشعوبٍ مستعبَدة:

فارس

مجوسٌ يعبدون النار، وطبقيةٌ صارمة، وأباح ملوكها في بعض العصور نكاح المحارم. وقد أنهكتها الحروب مع الروم.

الروم

نصرانيةٌ حُرّفت وغلبت عليها السياسة، وجدالٌ لا ينتهي في طبيعة المسيح، وضرائب تسحق الفلاحين في الشام ومصر.

الهند

نظام طبقات جامد، ومنبوذون خارج الإنسانية، وعبادة أوثانٍ لا تُحصى.

جزيرة العرب

قبائل متناحرة بلا دولة، وثأرٌ يتوارث، وأصنامٌ حول الكعبة، ووأدٌ للبنات، ورِبًا يأكل الضعيف، وخمرٌ وميسر.

مكة والكعبة: بيتٌ بناه إبراهيم فامتلأ أصنامًا

كانت الكعبة التي بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام على التوحيد قد صارت مطافًا لثلاثمئة وستين صنمًا، وبقيت من دين إبراهيم رسومٌ يعظّمونها بلا فهم: الحج، والطواف، وتعظيم الأشهر الحرم، وقِرى الضيف. وكان أول من غيّر دين إبراهيم وأدخل الأصنام إلى العرب عمرو بن لُحيّ الخزاعي، جاء بـ«هُبَل» من الشام فنصبه على الكعبة.

وكانت قريش سدنة البيت وأهل الحرم، لها شرفٌ في العرب ومنازل موزّعة: السقاية والرفادة والسدانة واللواء والندوة. وكانت لهم رحلتان: رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام — كما في سورة قريش — فكانوا تجارًا يعرفون الطرق والملوك، فهيّأهم الله لحمل رسالةٍ تحتاج إلى قومٍ يجوبون الأرض.

صحيح البخاري في ذكر عمرو بن لحي، وكتب السير

ما كان يُحمد في العرب

لم يكن في الجاهلية شرٌّ محض؛ فقد كان فيهم خصالٌ أقرّها الإسلام وبنى عليها: الكرم حتى ينحر الرجل آخر ناقة له لضيف، والوفاء بالعهد حتى يُقتل الرجل دون جاره، والشجاعة والأنَفة، والصدق في القول، وقوة الحفظ والذاكرة، وفصاحة اللسان التي بلغت الذروة — فجاء القرآن بلغتهم يتحدّاهم في أخصّ ما يحسنون. وكان فيهم حنفاء رفضوا عبادة الأصنام وبقوا على بقايا دين إبراهيم، منهم زيد بن عمرو بن نُفيل الذي كان يقول: اللهم لو أني أعلم أحبّ الوجوه إليك لعبدتك به، ومات قبل البعثة، وقال عنه ﷺ: «يُبعث يوم القيامة أمةً وحده».

قصة زيد بن عمرو في صحيح البخاري، وحديث «يُبعث أمة وحده» رواه النسائي في الكبرى وأحمد بإسناد حسن
لماذا في العرب؟ اختار الله لرسالته الخاتمة قومًا أُميّين لا كتاب لهم يُحرّفونه، بلغةٍ واسعة دقيقة تحتمل التشريع، في موضعٍ متوسط بين إمبراطوريتين ولم يخضع لأيهما، وعند البيت الذي تحجّ إليه العرب كلها. ولذلك لما جاء الإسلام انطلقوا به إلى المشرق والمغرب في جيلٍ واحد.
عام الفيل~571م

النسب الشريف والمولد المبارك

مكة المكرمة — عام الفيل

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كِلاب، من بني هاشم، من قبيلة قريش، وينتهي نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. قال ﷺ: «إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كِنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» — رواه مسلم. فهو أشرف الناس نسبًا، لم تصبه سفاحُ الجاهلية في آبائه.

أمه آمنة بنت وهب الزهرية، سيدة نساء قريش نسبًا. وأبوه عبد الله أحبُّ أبناء عبد المطلب إليه، خرج تاجرًا إلى الشام فمرض في طريق العودة، فمات ودُفن في المدينة وعمره نحو خمسٍ وعشرين سنة، وابنه حملٌ في بطن أمه على المشهور. فوُلد ﷺ يتيمًا، ولم يرَ وجه أبيه قط.

ذَبيحُ الله الثاني: كيف نجا أبوه من الذبح

كان عبد المطلب قد نذر إن رُزق عشرة من الولد يبلغون معه أن ينحر أحدهم لله عند الكعبة. فلما تمّوا عشرة أقرع بينهم، فوقعت القرعة على أحبّهم إليه: عبد الله. فأخذه ليذبحه، فمنعته قريش وأشارت عليه أن يفدِيَه، فضرب القِداح بينه وبين الإبل، فما زال يزيد في الإبل عشرًا عشرًا حتى بلغت مئة فوقعت القرعة عليها، فنُحرت وسلِم عبد الله. ولهذا اشتهر على الألسنة قوله: «أنا ابن الذبيحين» — وهو حديث لا يثبت إسناده (قال الذهبي: سنده واهٍ)، لكن معناه صحيح؛ إذ الذبيح إسماعيل عليه السلام، وعبد الله فُدي بمئة من الإبل.

سيرة ابن هشام — وهي من مشهور أخبار السير

وُلد ﷺ في مكة المكرمة في عام الفيل — وهو العام الذي جاء فيه أبرهة الحبشي بجيشه وفيله ليهدم الكعبة، فأرسل الله عليه طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل فجعلهم كعصفٍ مأكول، وقصته في سورة الفيل — الموافق نحو سنة 571م. وكان مولده يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، وقيل في الثاني عشر منه وهو المشهور.

ولمّا وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشّره، فجاء مستبشرًا وأدخله الكعبة ودعا الله وشكره، ثم سمّاه «محمدًا» — وهو اسم لم يكن مألوفًا في العرب — فقيل له: ما حملك على هذا؟ قال: أردت أن يُحمَد في السماء والأرض. وختنه يوم سابعه وعقّ عنه.

تنبيه: تحديد يوم ١٢ ربيع الأول هو المشهور عند أهل السير، وخالف فيه بعض المحققين فرجّحوا ٩ ربيع الأول. أما كونه وُلد يوم الاثنين فثابت بقوله ﷺ حين سُئل عن صوم الاثنين: «ذاك يومٌ وُلدتُ فيه، ويومٌ بُعثتُ — أو أُنزل عليّ — فيه» — رواه مسلم.
يتيمٌ قبل الولادة

توفي أبوه عبد الله وهو حملٌ في بطن أمه، فتولّى الله كفالته: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾.

عام الفيل

حادثة إهلاك أبرهة كانت إرهاصًا بين يدي مولده، وحفظًا للبيت الذي سيُطهّره من الأصنام.

اسمٌ لم تعرفه العرب

«محمد» اختاره جده رجاء أن يُحمَد في السماء والأرض، وقد كان.

٠ – ٨ سنوات571–579م

الطفولة: يتيمٌ في كفالة الله

بادية بني سعد ثم مكة

أرضعته أولًا أمُّه أيامًا، ثم ثويبة مولاة أبي لهب — ويُروى أنه أعتقها فرحًا بمولده، وقيل بل أعتقها بعد الهجرة — ثم استُرضع في بادية بني سعد بن بكر على عادة أشراف قريش، طلبًا لصحة الأبدان وفصاحة الألسن.

حليمة السعدية: اليتيم الذي لم يُرِده أحد

خرجت نساء بني سعد يلتمسن الرُّضَعاء في سنةٍ شهباء مُجدبة، وفيهنّ حليمة بنت أبي ذؤيب على أتانٍ هزيلة وناقةٍ لا تُبِضّ بقطرة لبن، ومعها صبيها يبكي من الجوع فما ينامون ليلهم. فلم تبقَ امرأة إلا عُرض عليها محمد ﷺ فتأباه لأنه يتيم — يرجون عطاء الأب، وما عسى أن تصنع الأم؟ فلما لم تجد حليمة غيره قالت لزوجها: والله لآخذنّ ذلك اليتيم، لا أرجع من بين صواحبي بغير رضيع.

قالت: فوالله ما هو إلا أن أخذته ووضعته في حِجري حتى أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى رَوِيَ وشرب أخوه حتى روي، وقام زوجي إلى ناقتنا فإذا هي حافل، فحلب وشربنا حتى انتهينا رِيًّا، وبتنا بخير ليلة. ثم خرجوا فإذا أتانها تسبق الركب حتى قال النسوة: ويحكِ يا ابنة أبي ذؤيب، أهذه أتانك التي خرجتِ عليها؟! ثم رجعوا إلى ديارهم، فكانت غنمها تروح شِباعًا حُفَّلًا بالبنِ وغنم الناس جِياع، حتى قال قومها لرعاتهم: اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب. فأقام ﷺ عندها نحو أربع سنين، والبركة تتنزّل على بيتها.

سيرة ابن هشام — مشهور عند أهل السير

شَقُّ الصدر: قلبٌ يُغسل بماء زمزم

بينما هو ﷺ يلعب مع الغلمان في بادية بني سعد أتاه جبريل عليه السلام، فأخذه فصرعه، فشقّ عن صدره، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً وقال: هذا حظّ الشيطان منك. ثم غسله في طَستٍ من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه وأعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى حليمة يقولون: إن محمدًا قد قُتل! فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المِخيط في صدره. فخافت حليمة عليه من أمرٍ يصيبه، فردّته إلى أمه.

رواه مسلم — من حديث أنس بن مالك

وفي السادسة من عمره خرجت به أمه آمنة إلى المدينة تزور أخواله من بني عدي بن النجار وتزور قبر أبيه، ومعهما أم أيمن حاضنته. فلما رجعت توفيت بـالأبواء بين مكة والمدينة، فدفنتها أم أيمن هناك، وعاد الغلام يتيم الأب والأم.

فكفله جده عبد المطلب سيد قريش، وأحبّه حبًا شديدًا؛ كان يُفرَش له فراشٌ في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فيأتي محمد ﷺ فيجلس عليه، فيدفعه أعمامه فيقول عبد المطلب: «دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا»، ويمسح ظهره ويسرّه ما يراه يصنع. ثم توفي عبد المطلب وللنبي ﷺ ثمانُ سنين، فأوصى بكفالته إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه لأبيه وأمه، فضمّه إلى ولده وقدّمه عليهم، وظل يحوطه وينصره أربعين سنة.

مرضعاته الأُوَل: ثويبة قبل حليمة

أرضعته أمّه آمنة أيامًا، ثم أرضعته ثُويبة مولاة أبي لهب — وكان أبو لهب قد أعتقها فرحًا حين بشّرته بمولد ابن أخيه. فصار ﷺ أخًا من الرضاعة لـحمزة بن عبد المطلب ولـأبي سلمة بن عبد الأسد؛ إذ أرضعتهما ثويبة أيضًا. ولذلك لما خُطبت إليه ابنة حمزة بعد النبوة قال: «إنها لا تحلّ لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة».

وظلّ ﷺ يبرّ ثويبة ويصلها ويبعث إليها بالكسوة والصلة حتى ماتت بعد خيبر — يبرّ امرأةً أرضعته أيامًا قبل خمسين سنة، وهي مولاة أشدّ أعدائه.

صحيح البخاري ومسلم، والطبقات لابن سعد

إخوته من الرضاعة — وقصة الشَّيماء بعد نحو ستين سنة

كان له في بني سعد إخوةٌ من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأُنيسة، وحُذافة — المشهورة بـالشَّيماء — وكانت تحضنه مع أمها وترقّصه وهي صبيّة، وتنشد له وهي تُهدهده.

فلما كان يوم حنين — وقد صار ﷺ سيّد العرب وعمره نحو إحدى وستين سنة — وقعت الشيماء في السبي مع هوازن، فقالت لمن أسرها: إني أخت صاحبكم من الرضاعة! فلم يصدّقوها حتى أتوا بها إليه. فقالت: يا رسول الله، أنا أختك من الرضاعة. قال: «وما علامة ذلك؟» فأرته عضّةً عضّها في ظهرها وهي تحمله وهو صغير. فعرفها ﷺ، فبسط لها رداءه فأجلسها عليه، ودمعت عيناه، وخيّرها: إن أحبّت أقامت عنده مكرّمة محبّبة، وإن أحبّت رجعت إلى قومها ممتّعة. فاختارت قومها، فأعطاها ومتّعها.

وحين قدمت عليه حليمة نفسها بعد سنين بسط لها رداءه وقال: «أمّي، أمّي» — وكذلك فعل مع زوجها.

الطبقات لابن سعد، ودلائل النبوة للبيهقي

رحلة الأبواء: آخر أيامه مع أمّه

خرجت به آمنة وهو ابن ست سنين إلى المدينة (يثرب) تزور أخواله من بني عديّ بن النجار — وكان جدّه عبد المطلب أمُّه منهم — ولتزور قبر أبيه عبد الله الذي مات فيها ودُفن. ومعهما حاضنته أم أيمن. فأقاموا شهرًا. قال ﷺ بعد الهجرة وهو ينظر إلى دارٍ بالمدينة: «هاهنا نزلتُ مع أمي... وأحسنتُ العَوم في بئر بني عدي بن النجار».

ثم رجعت به، فلما بلغوا الأبواء — قريةً بين مكة والمدينة — مرضت آمنة وماتت هناك، فدفنتها أم أيمن، ورجع الغلام مع الحاضنة إلى مكة وقد فقد أباه قبل أن يراه وأمَّه وهو ابن ست.

ولم ينسها ﷺ: زار قبرها بعد أكثر من خمسين سنة في طريقه إلى مكة، فبكى وأبكى من حوله، وقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأُذن لي، فزوروا القبور فإنها تُذكّر الموت».

صحيح مسلم، وسيرة ابن هشام

عبد المطلب: سيّد مكة وحافر زمزم

كان عبد المطلب بن هاشم سيّد قريش غير منازع، وإليه السقاية والرفادة: سقاية الحاج وإطعامه، وكان يُطعم في الغلاء حتى الطير والوحش في رؤوس الجبال فسُمّي «مُطعم طير السماء». وهو الذي أُري في المنام موضع بئر زمزم — وكانت قد اندفنت منذ عهد جُرهم — فحفرها هو وابنه الوحيد يومئذٍ الحارث، فنازعته قريش فيها ثم أذعنوا.

وهو الذي وقف أمام أبرهة حين جاء بالفيل، فسأله أبرهة عن حاجته فطلب إبله التي أخذها جنده، فقال أبرهة متعجّبًا: كنتُ أُعظّمك حين رأيتك، ثم سقطتَ من عيني: أتكلّمني في مئتي بعير وأترك بيتًا هو دينك ودين آبائك؟! فقال عبد المطلب كلمته المشهورة: «أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه».

وكان يُفرَش له فراشٌ في ظلّ الكعبة لا يجلس عليه أحدٌ من بنيه إجلالًا، فيأتي محمد ﷺ وهو غلام فيجلس عليه، فيدفعه أعمامه فيقول عبد المطلب: «دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا»، ثم يُجلسه معه ويمسح ظهره. وكان يقول: إن لابني هذا لشأنًا عظيمًا. ثم مات وللنبي ﷺ ثمانُ سنين، فشهده وهو يُدفن وبكى.

سيرة ابن هشام، والطبقات

أبو طالب: فقرٌ وبركة

لم يكن أبو طالب ذا مال؛ كان كثير العيال قليل ذات اليد، ومع ذلك ضمّه إليه وقدّمه على ولده. كان يخصّه بالطعام: إذا أكل عياله جميعًا لم يشبعوا، وإذا أكل معهم شبعوا وفضل عنهم — فكان أبو طالب يقول: لا تأكلوا حتى يحضر ابني. وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه.

وفي هذا البيت الفقير رعى ﷺ الغنم لأهل مكة على قراريط ليعين عمّه، وخرج معه في التجارة إلى الشام وهو ابن نحو اثنتي عشرة سنة. — يتيمٌ في بيت فقير يعمل بيده منذ الصغر: هذه هي التربية التي أعدّه الله بها لحمل أثقل رسالة.

سيرة ابن هشام، وصحيح البخاري في رعي الغنم

كيف حُفظ من الجاهلية وهو غلام؟

عاش ﷺ في مجتمعٍ يعبد الأصنام ويشرب الخمر ويقامر ويطوف بالبيت عريانًا، ولم يمسّه من ذلك شيء. قال ﷺ عن نفسه: «ما همَمتُ بشيءٍ مما كان أهل الجاهلية يهمّون به إلا مرتين، كلتاهما عصمني الله منهما» — أراد أن يحضر عرسًا فيه لهو وغناء فألقى الله عليه النوم حتى أيقظته الشمس، ثم أراد الثانية فكان مثلها، ثم ما هممتُ بسوءٍ مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله برسالته.

ومن ذلك حادثة بناء قريش الكعبة — وهو ابن خمس وثلاثين، كما في الصحيحين، وذكر ابن إسحاق أنها كانت وهو غلام —: كانوا ينقلون الحجارة فجعل عمّه العباس يضع إزاره على عاتقه من ثقل الحجر ودعاه إلى مثله، فسقط مغشيًّا عليه وشخص بصره إلى السماء، فلما أفاق قال: «إزاري إزاري» فشُدّ عليه. قال: فما رُئيت له عورةٌ بعد ذلك.

مسند أحمد والحاكم، وحديث الإزار في الصحيحين
حليمة السعدية

مرضعته في البادية؛ نشأ فصيح اللسان صحيح الجسم، ويُروى بإسناد ضعيف أنه قال: «أنا أعربكم، أنا من قريش، ونشأت في بني سعد» — ومعناه صحيح وإن لم يثبت لفظه.

أم أيمن

حاضنته وموروثته عن أبيه، ويُروى أنه كان يقول عنها: «أم أيمن أمي بعد أمي» (ابن سعد)، وزوّجها زيد بن حارثة.

ثلاث فقدات

فقد أباه قبل ولادته، وأمه في السادسة، وجده في الثامنة — فربّاه الله على الصبر منذ الصغر.

٨ – ٤٠ سنة579–610م

الشباب قبل البعثة: الصادق الأمين

مكة — اثنتان وثلاثون سنة قبل الوحي

نشأ ﷺ في مكة نشأةً طاهرة، عصمه الله من أرجاس الجاهلية وهو بين ظهرانيهم: فما سجد لصنمٍ قط، ولا أكل مما ذُبح على النُّصُب، ولا شرب خمرًا، ولا حضر لهوهم. حاول مرتين في صباه أن يحضر عرسًا فيه غناء، فألقى الله عليه النوم حتى أصبح، ثم عصمه بعد ذلك.

رحلة الشام وبَحِيرَى الراهب

لمّا بلغ ﷺ نحو الثانية عشرة خرج به عمه أبو طالب في رحلة تجارة إلى الشام. فلما نزل الركب بُصرى مرّوا بصومعة راهبٍ يقال له بَحيرى، وكان عالمًا بكتب النصارى، فنظر إليه ورأى فيه علامات النبوة التي يجدها في كتابه، وأن الغمامة تظلّله وأن الشجرة مالت بأفيائها عليه. فصنع لهم طعامًا ودعاهم، ثم سأل أبا طالب عنه فقال: ابني. قال: ما هذا بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًّا. فقال: هو ابن أخي. فقال: ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فإنه كائنٌ له شأن عظيم. فأسرع به عمه راجعًا إلى مكة.

رواه الترمذي بنحوه — وفي بعض تفاصيله كلامٌ لأهل العلم، وأصل القصة مشهور في السير

ورعى ﷺ الغنم لأهل مكة على قراريط، وقال بعد النبوة: «ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم»، قال أصحابه: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» — رواه البخاري. وفي رعي الغنم تدريبٌ على الصبر والحلم والرفق بالضعيف وسياسة ما لا ينطق، وهي مقدمة رعاية الأمم.

حِلف الفُضول: ميثاق نصرة المظلوم

باع رجلٌ من زَبيد سلعةً للعاص بن وائل السهمي فمطله حقّه، فاستنصر بأشراف قريش فلم ينصروه، فصعد جبل أبي قبيس ونادى بأبياتٍ يستصرخ فيها بني فِهر. فتداعت قبائل من قريش إلى دار عبد الله بن جدعان وتحالفوا: ألّا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أو من غيرهم إلا قاموا معه حتى تُردَّ إليه مظلمته. وشهده رسول الله ﷺ وهو شاب، وقال بعد أن أكرمه الله بالنبوة: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفًا ما أُحبّ أن لي به حُمْر النَّعَم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت» — فدلّ على أن الإسلام يُقرّ كل عدلٍ وخير في الجاهلية.

رواه أحمد والبيهقي — وأصله في السير

التجارة في مال خديجة ثم الزواج المبارك

كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه. فلما بلغها عن محمد ﷺ صدق حديثه وعِظَم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه أن يخرج في مالها إلى الشام، وأرسلت معه غلامها مَيسرة. فربحت تجارتها ربحًا لم تربح مثله، وأخبرها ميسرة بما رأى من أمانته وحسن معاملته، فوقع في نفسها.

فعرضت عليه نفسها، فتزوجها ﷺ وعمره خمسٌ وعشرون سنة وهي أربعون، وزوّجه إياها عمها عمرو بن أسد. فكانت أول من آمن به، وواسته بنفسها ومالها، ولم يتزوج عليها أحدًا حتى ماتت، وأنجب منها كل أولاده إلا إبراهيم. قال ﷺ بعد وفاتها بسنين: «إني رُزقت حبَّها».

السير — وأصل فضلها في الصحيحين

الحجر الأسود: حكمةٌ حقنت الدماء

لمّا بلغ ﷺ خمسًا وثلاثين سنة، تصدّعت الكعبة من سيلٍ أصابها فأجمعت قريش على هدمها وإعادة بنائها، ولم يُدخلوا في بنائها إلا طيّبًا من أموالهم — فقصر بهم المال فتركوا جزءًا من البيت خارجًا، وهو الحِجْر. فلما بلغوا موضع الحجر الأسود اختلفوا: كل قبيلة تريد شرف رفعه، حتى تحالفوا وأعدّوا للقتال، وبقوا على ذلك أربع ليالٍ أو خمسًا.

ثم اتفقوا أن يُحكّموا أول داخلٍ عليهم من باب المسجد، فكان الداخل رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد. فلما أخبروه الخبر دعا بثوبٍ فبسطه ووضع الحجر في وسطه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعًا. ففعلوا، حتى إذا بلغوا موضعه أخذه بيده الشريفة فوضعه، ثم بُني عليه. فحقن الله بحكمته دماء قريش.

سيرة ابن هشام — مشهور

حرب الفِجار: أول ما شهد من أيام العرب

وقعت حرب الفِجار بين قريش وكنانة من جهة وقيس عيلان من جهة، وسُمّيت بذلك لأنها كانت في الأشهر الحُرم فاستُفجرت فيها الحرمة. حضرها ﷺ مع أعمامه وهو ابن نحو خمس عشرة أو عشرين سنة، فكان عمله فيها أن يَنبُل على أعمامه — أي يجمع النبل ويناولهم — قال: «كنت أُنبِّل على أعمامي». ولم يُنقل أنه قتل فيها أحدًا.

وقد تركت هذه الحرب في نفسه أثرًا؛ فبعدها مباشرةً كان حلف الفضول الذي شهده وأثنى عليه بعد النبوة، وكأن الجاهلية نفسها بدأت تبحث عن نظامٍ يوقف الفوضى.

سيرة ابن هشام، وسنن أبي داود

راعي غنمٍ ثم تاجرٌ أمين

رعى ﷺ الغنم لأهل مكة على قراريط — أجرٍ زهيد — بـأجياد قرب مكة. وقال بعد النبوة: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم»، قالوا: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة». وفي رعي الغنم تدريبٌ على الصبر، والرفق بالضعيف، وسياسة ما لا ينطق، ومراقبة القطيع المتفرّق — وهي مقدّمة رعاية الأمم.

ثم اشتغل بالتجارة؛ خرج مع عمّه إلى الشام صغيرًا، ثم خرج في مال خديجة وهو ابن خمس وعشرين. وشاركه في التجارة السائب بن أبي السائب، فلما جاءه بعد الفتح قال ﷺ: «مرحبًا بأخي وشريكي، كان لا يُداري ولا يُماري» — شهادةُ شريكٍ في المال، وهي أصدق الشهادات.

ويُروى من أخباره في السوق قبل البعثة — بإسناد فيه ضعف، رواه أبو داود —: باعه رجلٌ سلعةً فبقيت له بقيّة، فواعده أن ينتظره في مكانه، فنسي الرجل ثم ذكر بعد ثلاث، فجاء فوجده في مكانه! فما زاد على أن قال: «يا فتى، لقد شققتَ عليّ؛ أنا هاهنا منذ ثلاث» — لم يغضب ولم يُعنّف.

صحيح البخاري، وسنن أبي داود، والطبقات

حياته مع خديجة وأولاده قبل النبوة

عاش ﷺ مع خديجة خمس عشرة سنة قبل النبوة ونحو عشر سنين بعدها — خمسًا وعشرين سنة — فكانت له سكنًا. ووُلد له منها: القاسم — وبه كان يُكنّى — وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله. ومات القاسم وعبد الله صغيرين بمكة، فذاق مرارة دفن الأبناء وهو شاب.

وفي هذا البيت نشأ عليّ بن أبي طالب بعد أن ضمّه ﷺ في سنة القحط تخفيفًا عن عمه، ونشأ زيد بن حارثة الذي أُهدي إليه فأعتقه. وقصة زيد من أعجب ما وقع: جاء أبوه وعمّه يفديانه بالمال، فخيّره ﷺ فقال زيد: «ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم». فبكى أبوه ورجع، وأخرجه ﷺ إلى الحِجْر فقال: اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه — فكان يُدعى «زيد بن محمد» حتى أبطل الإسلام التبنّي.

الطبقات لابن سعد، وسنن الترمذي

التحنّث في حراء: ماذا كان يفعل؟

لمّا قارب الأربعين تغيّر حاله: حُبِّب إليه الخلاء، فصار يخرج إلى غار حراء في جبل النور — وهو صعود شاقّ في جبلٍ وعر — فيمكث الليالي ذوات العدد يتعبّد. وكان يأخذ معه الزاد، فإذا نفد رجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها.

و«التحنّث» عند العرب: التعبّد وترك الحِنث — أي الإثم. ولم يكن عنده كتابٌ يقرؤه ولا شريعةٌ يعمل بها؛ إنما كان تفكّرًا في خالق هذا الكون وانقطاعًا عن ضجيج قومهم وأصنامهم. ومن الغار كان يرى الكعبة وقد أحاطت بها الأصنام، فيزداد وحشةً مما عليه قومه.

وقبل ذلك بستة أشهر بدأت الرؤيا الصادقة: لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وكان بمكة حجرٌ يسلّم عليه قبل أن يُبعث؛ قال ﷺ: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن» — رواه مسلم. وذكر ابن إسحاق أنه كان لا يمرّ بحجرٍ ولا شجر إلا سلّم عليه فيلتفت فلا يرى أحدًا. حتى جاءه الحق وهو في الغار.

متفق عليه، وحديث تسليم الحجر في صحيح مسلم

ماذا كانوا يقولون عنه قبل أن يدّعي شيئًا؟

◂ لقّبوه «الأمين» بالإجماع، حتى إنهم — وهم يريدون قتله ليلة الهجرة — كانوا قد أودعوا عنده أموالهم، فما خرج حتى أمر عليًّا أن يردّها إليهم.

◂ ولما رضوه حكمًا في الحجر الأسود صاحوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد — قبل النبوة بخمس سنين.

◂ ويوم صعد الصفا قال لهم: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلا صدقًا — قالها المشركون في اللحظة التي ردّوا فيها دعوته.

◂ وقال النضر بن الحارث لقريش وهو من أشدّ خصومه: يا معشر قريش، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثًا وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر! لا والله ما هو بساحر.

◂ وشهد به أبو سفيان أمام هرقل وهو على شركه: لم نجرّب عليه كذبًا، ولا يغدر.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
الصادق الأمين

لقبٌ أطلقته عليه قريش كلها قبل النبوة، حتى إن مبغضيه بعد البعثة ظلّوا يستودعونه أماناتهم.

حرب الفِجار

شهدها وهو دون العشرين مع أعمامه، وكان ينبل عليهم — أي يناولهم النبل — ولم يُعرف عنه أنه قتل أحدًا.

زيد بن حارثة

أُهدي إليه فأعتقه وتبنّاه، فلما خُيّر بين أبيه وبين النبي ﷺ اختار النبي، فسُمّي «زيد بن محمد» حتى أبطل الإسلام التبنّي.

التحنّث في حراء

قبيل الأربعين حُبِّب إليه الخلاء، فكان يتعبّد في غار حراء الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله.

٨ – ٤٠579–610م

اثنتان وثلاثون سنة في الظلّ: تفصيل ما بين الثامنة والأربعين

السنوات التي لا يعرفها كثيرٌ ممن يقرأ السيرة

أطول مرحلة في حياته ﷺ وأقلّها ذكرًا: اثنتان وثلاثون سنة بين موت جدّه ونزول الوحي. لم تكن سنوات فراغ؛ كانت مدرسةً كاملة صنع الله فيها الرجل قبل أن يُنزل عليه الرسالة. وهذه تفاصيلها كما نقلها أهل السير.

رحلة الشام الأولى: ماذا رأى الغلام؟

خرج مع عمّه أبي طالب في قافلة تجارة إلى الشام. وكان أبو طالب قد عزم على تركه لصغره، فتعلّق به الغلام حتى رقّ له فقال: والله لأخرجنّ به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا. فرأى في تلك الرحلة — وهو ابن اثنتي عشرة — بلاد الشام: مدنًا وحضارةً وكنائس ونصارى وأسواقًا، وسمع لغاتٍ ورأى أنماط عيشٍ غير عيش مكة. ورأى في الطريق آثار الأمم البائدة: ديار ثمود بالحِجر، وأرض مدين.

وفي بُصرى كانت قصة الراهب بَحيرى الذي حذّر عمّه عليه من اليهود وأمره أن يرجع به. — فقد رأى العالم خارج مكة وهو غلام، وعرف أن للدنيا اتساعًا وراء الوادي غير ذي الزرع.

رواه الترمذي بنحوه، وسيرة ابن هشام — وفي بعض تفاصيله كلامٌ لأهل العلم

أسواق العرب: عُكاظ ومَجَنّة وذو المَجاز

كانت العرب تجتمع كل عام في مواسم أسواقها: عُكاظ ثم مَجَنّة ثم ذو المَجاز، ثم يذهبون إلى الحج. وكانت هذه الأسواق أعظم من مجرّد بيع: فيها المفاخرة بالأنساب، والمنافرة بين السادة، وتُنشد فيها القصائد فتُرفع قبائل وتُوضع أخرى، ويجتمع فيها الشعراء والخطباء والكهّان والأحبار.

وقد حضرها ﷺ شابًّا فرأى العرب كلها في مكانٍ واحد: قوّتهم وضعفهم، وعصبيتهم وكرمهم، ولغاتهم ولهجاتهم. وسمع خطباءهم — ومنهم قُسّ بن ساعدة الإيادي يخطب على جملٍ أورق يدعو إلى التوحيد والاستعداد للموت، فذكره ﷺ بعد النبوة وقال: «رحم الله قُسًّا، إني لأرجو أن يُبعث يوم القيامة أمةً وحده».

ثم عاد إلى هذه الأسواق نفسها بعد النبوة — لكن داعيًا لا متفرّجًا — يعرض نفسه على القبائل في منازلها بمِنى وعكاظ. فما كان يراه شابًّا صار ميدان عمله رسولًا.

كتب السير؛ وخبر قسّ رواه البزار والبيهقي بأسانيد ضعيفة جدًا، وحكم بعضهم عليه بالوضع، فلا يُجزم به

رحلة الشام الثانية: تفاصيل رحلة خديجة

كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرفٍ ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيءٍ تجعله لهم. فلما بلغها عنه صدقُ حديثه وعظيم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار. فقبل وخرج ومعه غلامها مَيسرة.

فلما قدما الشام نزل في ظلّ شجرةٍ قريبًا من صومعة راهب يقال له نَسطورا، فقال الراهب لميسرة: من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال: رجلٌ من قريش من أهل الحرم. فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبيّ. ثم باع سلعته واشترى ما أراد، ورجعا وقد ربح ربحًا لم تربح مثله قط.

فلما قدِم أخبر ميسرةُ خديجةَ بما رأى من أمانته وحسن معاملته وما سمع من الراهب. فبعثت إليه — وقيل أرسلت صديقتها نفيسة بنت مُنية تعرّض له — فقالت: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟ قال: ما بيدي ما أتزوج به. قالت: فإن كُفيتَ ذلك ودُعيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، أتُجيب؟ قال: فمن هي؟ قالت: خديجة. قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: عليّ.

فخطبها إلى عمّها، وتُروى لـأبي طالب في نكاحه خطبةٌ مشهورة في كتب الأدب — لا يثبت إسنادها — قال فيها: إن محمدًا هذا ممن لا يوزن برجلٍ من قريش إلا رجح به، ولا يُقاس بأحدٍ منهم إلا عظُم عنه، ولا عِدل له في الخلق... وإن كان في المال قُلّ، فإن المال ظلٌّ زائل وأمرٌ حائل وعاريّة مستردّة. وأصدقها — على ما ذكر أهل السير — عشرين بَكرة. وكان عمره خمسًا وعشرين وعمرها أربعين.

سيرة ابن هشام، والطبقات لابن سعد

خمس عشرة سنة في بيت خديجة: أولاده وبناته

عاش ﷺ في بيت خديجة خمس عشرة سنة قبل النبوة، وُلد له فيها كل أولاده إلا إبراهيم. وأشهر ما ذكر أهل السير في ترتيبهم: القاسم — وبه كان يُكنّى «أبا القاسم» — ثم البنات: زينب ثم رقية ثم أم كلثوم ثم فاطمة، ثم عبد الله الملقّب بالطيّب والطاهر لأنه وُلد بعد النبوة.

ومات القاسم صغيرًا وهو يرضع، فذاق مرارة دفن ولده وهو شابّ. وزُوّجت زينب قبل البعثة من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع — وكان من رجال مكة المعدودين أمانةً وتجارة. وزُوّجت رقية وأم كلثوم من عتبة وعُتيبة ابنَي أبي لهب.

فلما جاءت النبوة ونزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قال أبو لهب لابنيه: رأسي من رأسكما حرامٌ إن لم تطلّقا ابنتَي محمد، ففارقاهما قبل الدخول — فردّ الله عليه: زوّجهما الله بعدُ من عثمان بن عفان، واحدةً بعد أخرى، فصار «ذا النورين».

وفي هذا البيت أيضًا نشأ عليّ وزيد بن حارثة، وكانت خديجة تنفق مالها بين يديه، وكان ينفق منه على الفقراء والأرامل حتى قبل أن يُؤمر بشيء — وهي الشمائل التي عدّدتها عليه ليلة الوحي: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق».

الطبقات لابن سعد، وسيرة ابن هشام، وحديث بدء الوحي في الصحيحين

بناء الكعبة: تفاصيل لا تُذكر كثيرًا

تصدّعت الكعبة من سيلٍ أصابها وكانت رَضْمًا فوق القامة بلا سقف، فسُرقت كنوزها مرة. فأجمعت قريش على هدمها وإعادة بنائها، وهابوا الهدم حتى بدأ الوليد بن المغيرة بيده وقال: اللهم لم نُرد إلا الخير. فلما لم يصبه شيء تابعوه.

وشرطوا شرطًا: ألّا يدخل في بنائها إلا طيّبٌ من كسبهم، فلا يدخل فيها مهرُ بغيّ ولا بيع ربًا ولا مظلمة أحد. فقصر بهم المال فتركوا جانبًا من البيت خارجه، وهو الحِجْر — وقال ﷺ بعدُ لعائشة: «لولا حداثةُ قومك بالكفر لنقضتُ الكعبة فجعلتها على أساس إبراهيم» — رواه البخاري، وفي رواية مسلم: «لأدخلتُ فيه ما أُخرج منه».

وقد ساق الله إليهم مادة البناء: انكسرت سفينة روميّة بجدّة فأخذوا خشبها، وكان بمكة رجلٌ رومي نجّار اسمه باقوم فهيّأه لهم. وكانت في بئر الكعبة حيّة تخرج فتتشرّق كل يوم فتُرعبهم، فبينما هم كذلك إذ بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فقالوا: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا.

ثم كان اختلافهم في وضع الحجر الأسود حتى تحالفوا وأعدّوا للقتال أربع ليالٍ أو خمسًا، ثم اتفقوا على تحكيم أول داخل، فكان هو ﷺ فقالوا: «هذا الأمين، رضينا». فوضعه في ثوبٍ وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف، ثم رفعه بيده فوضعه.

صحيح البخاري ومسلم في الحِجر، وسيرة ابن هشام في التفاصيل

الحنفاء الأربعة: من كان يبحث عن الحق قبله؟

اجتمعت قريش عند صنمٍ لهم في عيدٍ يعظّمونه، فانحاز أربعةٌ منهم بعضهم إلى بعض سرًّا وقال بعضهم لبعض: «تعلّموا والله ما قومكم على شيء؛ لقد أخطؤوا دين أبيهم إبراهيم. ما حجَرٌ نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضرّ ولا ينفع؟ يا قوم، التمسوا لأنفسكم؛ فإنكم والله ما أنتم على شيء». فتفرّقوا في البلاد يطلبون الحنيفية دين إبراهيم. وهم:

◂ ورقة بن نوفل — تنصّر وقرأ الكتب، ثم أدرك أول الوحي فصدّقه ومات.

◂ زيد بن عمرو بن نُفيل — لم يدخل في يهودية ولا نصرانية، واعتزل الأوثان والميتة والدم، وكان يقول: اللهم لو أني أعلم أحبّ الوجوه إليك لعبدتك به، ويُنكر وأد البنات ويشتري البنت ليُحييها. مات قبل البعثة، فقال ﷺ: «يُبعث يوم القيامة أمةً وحده».

◂ عثمان بن الحويرث — ذهب إلى قيصر فتنصّر وحسنت منزلته.

◂ عبيد الله بن جحش — أسلم ثم هاجر إلى الحبشة ثم تنصّر هناك ومات نصرانيًّا، فتزوّج النبيُّ ﷺ زوجَه أم حبيبة بعده.

فهؤلاء دليلٌ على أن النفوس كانت متعطّشة، وأن الفطرة كانت تنكر ما عليه القوم — فلم تكن الرسالة اقتحامًا لمجتمعٍ راضٍ، بل جوابًا لسؤالٍ قائم. ومع ذلك: منهم من ثبت ومنهم من انحرف، فالبحث وحده لا يكفي بلا هداية.

سيرة ابن هشام، وقصة زيد في صحيح البخاري

كيف كان يعيش يومه قبل النبوة؟

◂ أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ — ولذلك لم يستطع أحدٌ أن يدّعي أنه نقل عن كتابٍ قرأه.

◂ لم يجالس كاهنًا ولا شاعرًا ولا حضر مجالس الخمر والميسر، ولم يُنقل عنه بيتُ شعرٍ واحد أنشأه.

◂ لم يسجد لصنم قط، ولا أكل مما ذُبح على النُّصُب، وكان يكره الأصنام كراهةً شديدة حتى إنه كان يُكره أن يُحلف باللات والعزّى.

◂ كان يعمل بيده: رعى الغنم، وتاجر، وشارك، ولم يكن يتّكل على مال زوجته وإن كانت غنية.

◂ كان مرجعًا في الخصومات قبل أن يكون نبيًّا: حكّموه في الحجر الأسود، وأودعوه أماناتهم، ولُقّب الأمين بإجماعهم.

◂ ثم تغيّر في الأربعين: حُبّب إليه الخلاء، وبدأت الرؤيا الصادقة تأتيه ستة أشهر، وصار يسمع سلام الحجر والشجر: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت فلا يرى أحدًا. حتى جاءه الحق في غار حراء.

[العنكبوت: 48]، وصحيح مسلم، وسيرة ابن هشام
لماذا أربعون سنة قبل الرسالة؟ لأن الله أراد أن يشهد له قومه بأربعين سنة من الصدق قبل أن يدّعي شيئًا. قال تعالى على لسانه: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ — أي: عشتُ بينكم عمرًا كاملًا تعرفونني فيه، فكيف تتّهمونني اليوم؟ ولذلك كان أعجز ما وقفت أمامه قريش: ماضيه هو.
٤٠ سنةرمضان — 610م

نزول الوحي في غار حراء: «اقرأ»

جبل النور — رمضان، السنة الأولى من النبوة

لمّا قارب الأربعين بدأ ﷺ يرى الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ستة أشهر. ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بـغار حراء في جبل النور شمال شرق مكة، فيتحنّث فيه — أي يتعبّد — الليالي ذوات العدد، يتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها.

قصة نزول الوحي كما رواها ﷺ بنفسه

قال ﷺ: فجاءني المَلَك فقال: اقرأ. قلت: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطّني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾.

فرجع بها ﷺ يرجُف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: «زمّلوني زمّلوني»، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، ثم أخبرها الخبر وقال: «لقد خشيتُ على نفسي».

فقالت خديجة كلماتها الخالدة: «كلا والله، ما يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق» — استدلّت على حفظ الله له بحسن خُلقه، وهو استدلالٌ في غاية الرشد.

ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان امرأً تنصّر في الجاهلية وكتب الكتاب العبراني، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فأخبره ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى. يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومك». فقال ﷺ متعجبًا: «أَوَمُخرجيَّ هم؟» قال: «نعم، لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزَّرًا». ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي، وفَتَر الوحي.

متفق عليه — رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

[العلق: 1–5] — أول ما نزل من القرآن الكريم

فترة الوحي ثم رؤية جبريل على صورته

ثم فتَر الوحي فترةً حزن فيها ﷺ حزنًا شديدًا. قال ﷺ: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري فإذا المَلَك الذي جاءني بحراء جالسٌ على كرسي بين السماء والأرض»، فرُعِبت منه فرجعت فقلت: زمّلوني زمّلوني. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ ۝ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾. ثم تتابع الوحي وحَمِيَ بعد فترته.

ومن هذه اللحظة تغيّر شأنه: كان نبيًّا بـ«اقرأ»، وصار رسولًا بـ«يا أيها المدثر قم فأنذر» — انتقل من التلقي إلى التبليغ، ومن الغار إلى الناس.

متفق عليه
كيف كان يأتيه الوحي؟ سأله الحارث بن هشام فقال ﷺ: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيُفصَم عني وقد وعيتُ ما قال، وأحيانًا يتمثّل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول». قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقًا — رواه البخاري.
١ – ٤ نبوية610–613م

بداية الدعوة: من السرّ إلى الجهر

مكة — ثلاث سنوات سرًّا ثم الصدع بالحق

بدأ ﷺ يدعو أقرب الناس إليه وأوثقهم به. فأسلمت زوجه خديجة رضي الله عنها أول الناس، وأسلم من الصبيان علي بن أبي طالب — وكان في كفالته — ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الرجال صاحبه أبو بكر الصديق الذي ما تردّد لحظة؛ ويُروى في السير — بلا إسناد — أنه ﷺ قال: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر». والثابت في البخاري قوله ﷺ: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق».

وانطلق أبو بكر يدعو من يثق بهم من قومه، فأسلم على يديه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله — وهم من العشرة المبشرين بالجنة. واتخذ ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا مركزًا سريًّا يجتمع فيه بأصحابه يعلمهم القرآن ويزكيهم، ثلاث سنوات كاملة.

﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ — يوم الصفا

لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صعد ﷺ على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فِهر، يا بني عديّ» — لبطون قريش — حتى اجتمعوا، وجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو. فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟» قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلا صدقًا. قال: «فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد».

فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟! فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. فانظر كيف شهدوا له بالصدق في اللحظة نفسها التي كذّبوا فيها خبره — لم يكن إنكارهم عن شكٍّ في أمانته، بل عن كِبرٍ على الحق.

متفق عليه — رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس

وليمة العشيرة: كيف بدأ بأهل بيته

أمر ﷺ عليًّا أن يصنع طعامًا ويدعو بني عبد المطلب — وهم قريبٌ من أربعين رجلًا — فأكلوا وشربوا من طعامٍ يسير بارك الله فيه. فلما أراد أن يكلمهم بادره أبو لهب بالكلام فتفرّقوا. فأعاد الصنيع في اليوم التالي، ثم قام فيهم فقال: «إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الأمر؟» فأحجم القوم جميعًا، فقال عليٌّ — وهو أصغرهم، حديث السن: «أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه». (رواه أحمد والنسائي في الخصائص بإسناد ضعيف، والثابت في الصحيحين من هذا الباب حديث الصفا ونداؤه عشيرته: «لا أغني عنكم من الله شيئًا».)

رواه أحمد والنسائي والطبري — من حديث علي رضي الله عنه

«والله لو وضعوا الشمس في يميني...»

لمّا اشتد أمر الدعوة مشى أشراف قريش إلى أبي طالب مرات: مرةً يعاتبونه، ومرةً يعرضون عليه أن يأخذ فتاهم عُمارة بن الوليد — أجمل فتى في قريش وأشعرهم — ويسلّمهم ابن أخيه ليقتلوه! فقال: بئس ما تسومونني، أُعطيكم ابني تقتلونه وأُغذّي لكم ابنكم؟! هذا والله ما لا يكون أبدًا.

ثم جاءوه المرة الأخيرة فأغلظوا وقالوا: لتكفّنّه عنّا أو لننازلنّك وإياه. فعظُم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم تَطِب نفسه بإسلام ابن أخيه، فأرسل إليه فقال: يا ابن أخي، إن قومك جاءوني، فأبقِ عليّ وعلى نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن ﷺ أن عمه خاذله، فقال كلمته التي هي دستور كل داعية إلى يوم القيامة:

«يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته»

ثم استعبر ﷺ فبكى وقام. فناداه أبو طالب: أقبِل يا ابن أخي. فأقبل، فقال: «اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشيء أبدًا».

سيرة ابن هشام من مرسل يعقوب بن عتبة — وهي من أشهر أخبار السير، وإسنادها مرسل لا يثبت به الحديث، لكن معناها متواتر من سيرته ﷺ
وفي المقابل — أبو لهب: عمُّه أيضًا، وأشدُّ الناس عليه؛ كان يتبعه في المواسم يقول للناس: لا تصدقوه فإنه صابئ كذاب، ويرميه بالحجارة حتى تدمى عقباه. وامرأته أم جميل تحمل الشوك فتطرحه في طريقه. فنزلت فيهما سورةٌ تُتلى إلى يوم القيامة. فالقُرب في النسب لا ينفع مع البُعد في الدين، وأبو طالب نصره ولم يُسلم، وأبو لهب آذاه وهو عمه.
أول من أسلم

من النساء خديجة، ومن الرجال أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال.

دار الأرقم

أول مدرسة في الإسلام؛ خبّأ الله بها الدعوة ثلاث سنين حتى قويت.

عرض قريش للمساومة

عرضوا عليه المال والمُلك والنساء ليترك الدعوة، فتلا عليهم أول سورة فصّلت، فرجع عتبة بن ربيعة مبهوتًا.

وفدُ سفهاء المواسم

خصّصت قريش رجالًا يجلسون على طرق الحاج يحذّرونهم منه — فكان ذلك سببًا في انتشار خبره في العرب.

٤ – ١٠ نبوية613–619م

الأذى والابتلاء: صبر السنين

مكة — تعذيب، وهجرتان، وحصار ثلاث سنين

لمّا جهر ﷺ بعيب آلهتهم وتسفيه أحلام آبائهم، انقلب حالهم من الاستهزاء إلى الأذى: كانوا يضعون سَلا الجزور على ظهره وهو ساجد، ويلقون القاذورات على بابه، ويسمّونه ساحرًا ومجنونًا وشاعرًا وكاهنًا — وهي تهمٌ متناقضة، ما اجتمعت في رجل قط، ولو كان فيه واحدة منها لعرفوها في الأربعين سنة التي عاشها بينهم.

بلال وآل ياسر: ثمن كلمة «أحد»

بلال بن رباح الحبشي، عبدٌ لأمية بن خلف، كان يُخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في رمضاء مكة ويأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك: «أَحَدٌ... أَحَد». ثم اشتراه أبو بكر فأعتقه، فصار مؤذّن الإسلام الأول.

وآل ياسر: عمار وأبوه ياسر وأمه سُمية، كانوا يُعذَّبون في رمضاء مكة، فيمرّ بهم النبي ﷺ فيقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة». فقُتلت سُميّة طعنًا فكانت أول شهيدة في الإسلام، ومات ياسر تحت العذاب. أما عمار فأُكره حتى نال منهم بلسانه، فجاء إلى النبي ﷺ باكيًا، فقال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًّا بالإيمان. قال: «إن عادوا فعُد» — ونزلت: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.

سيرة ابن هشام، والحاكم — وقصة عمار في أسباب النزول

الهجرة إلى الحبشة: أول هجرة في الإسلام

لمّا اشتد البلاء قال ﷺ لأصحابه: «إن بأرض الحبشة مَلِكًا لا يُظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا». فخرج نحو خمسة عشر رجلًا وامرأة في الهجرة الأولى (سنة ٥ من النبوة) فيهم عثمان بن عفان ورقية بنت رسول الله ﷺ، ثم تلتها هجرة ثانية أكبر بلغت ثمانين رجلًا يرأسهم جعفر بن أبي طالب.

فأرسلت قريش عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي ليردّ المسلمين. فسألهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟ فقام جعفر خطيبًا: «أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف... حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة».

ثم تلا عليه صدرًا من سورة مريم، فبكى النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته، وقال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. ثم ردّ على قريش هداياهم وقال: اذهبا، فوالله لا أسلمهم إليكم. فأقام المسلمون عنده في أمان حتى رجعوا بعد خيبر.

مسند أحمد، وسيرة ابن هشام

إسلام حمزة ثم عمر: يومان أعزّ الله فيهما الإسلام

مرّ أبو جهل بالنبي ﷺ عند الصفا فآذاه وشتمه فلم يكلّمه، فرأت ذلك مولاةٌ لعبد الله بن جدعان. فلما أقبل حمزة بن عبد المطلب راجعًا من قنصه متوشحًا قوسه أخبرته، فغضب واحتمل الغضب فخرج يسعى حتى وجد أبا جهل في نادي قريش، فرفع القوس فضربه بها ضربةً شجّته، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟! فرُدّ عليّ ذلك إن استطعت. ثم ألقى الله في قلبه الإسلام فأسلم حقًّا، فعزّ به المسلمون.

ثم كان إسلام عمر بن الخطاب بعده بأيام، وقد كان ﷺ دعا: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب». خرج عمر متوشحًا سيفه يريد قتل النبي ﷺ، فلقيه رجل فأخبره أن أخته وزوجها قد أسلما، فرجع إليهما فضربهما، فلما رأى الدم على أخته رقّ قلبه وطلب الصحيفة التي يقرآن فيها، فاغتسل ثم قرأ صدر سورة طه فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فدُلّ على دار الأرقم، فجاء فأسلم. فقال المسلمون: الله أكبر — حتى سُمعت في مكة، وخرجوا يصلّون عند الكعبة ظاهرين لأول مرة، وكُنّي عمر بـ«الفاروق» لأن الله فرّق به بين الحق والباطل.

سيرة ابن هشام، والحديث في الترمذي وأحمد

حصار الشِّعب: ثلاث سنين من الجوع

لمّا عجزت قريش عن ثنيه ورأت انتشار الإسلام، اجتمعت وكتبت صحيفةً تعاقدت فيها على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب: لا يبيعونهم ولا يبتاعون منهم، ولا يناكحونهم ولا يزوّجونهم، ولا يجالسونهم — حتى يُسلموا إليهم رسول الله ﷺ للقتل. وعلّقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدًا.

فانحاز بنو هاشم — مؤمنُهم وكافرهم عصبيةً — إلى شِعب أبي طالب، وحُوصروا فيه ثلاث سنين حتى بلغ بهم الجهد أن سُمع أصوات صبيانهم يتضاغَون من وراء الشِّعب من الجوع، وحتى أكلوا ورق الشجر والجلود. وكان الرجل من قريش يبعث إليهم بالطعام سرًّا فيُلام على ذلك.

ثم قيّض الله رجالًا من قريش لهم أرحام فيهم — منهم هشام بن عمرو وزهير بن أبي أمية والمُطعم بن عدي — فتواعدوا على نقض الصحيفة. وأخبر النبيُّ ﷺ عمَّه أن الله سلّط الأرَضَة على صحيفتهم فأكلت كل ما فيها من جَورٍ وقطيعة، ولم تدع فيها إلا اسم الله. فخرج أبو طالب فأخبر قريشًا وقال: إن كان كاذبًا خلّينا بينكم وبينه، وإن كان صادقًا رجعتم عن قطيعتنا. فلما فتحوا الصحيفة وجدوها كما قال، فنُقض الحصار.

سيرة ابن هشام — وأصله عند البخاري في ذكر الصحيفة
١٠ نبوية619م

عام الحزن ورحلة الطائف

أشدّ سنوات حياته ﷺ

بعد الخروج من الشِّعب بقليل توفي عمه أبو طالب الذي كان جُنّته من قومه أربعين سنة. وقد حضره ﷺ عند موته يقول: «يا عمّ، قل لا إله إلا الله كلمةً أُحاجّ لك بها عند الله»، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يقولان: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فقال ﷺ: «لأستغفرنّ لك ما لم أُنهَ عنك» — فنزل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.

ثم توفيت بعده بأيام زوجه خديجة رضي الله عنها، سكنُه وموضع سرّه، التي كانت تثبّته إذا اضطرب وتصدّقه إذا كذّبه الناس. فسُمّي ذلك العام عام الحزن؛ فقَدَ فيه الناصر في الخارج والسكن في الداخل، واجترأت عليه قريش بعد أبي طالب اجتراءً لم تكن تجترئه من قبل.

رحلة الطائف: «إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي»

خرج ﷺ إلى الطائف ماشيًا ومعه زيد بن حارثة، يلتمس النصرة من ثقيف، فأقام عندهم عشرة أيام يدعوهم فما أجابه أحد. وقصد ثلاثة من سادتهم إخوة، فقال أحدهم ساخرًا: أَمَا وجد الله أحدًا أرسله غيرك؟! وقال الآخر: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا؛ إن كنت رسولًا فأنت أعظم خطرًا من أن أردّ عليك، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك.

فقام عنهم وقد يئس، وسألهم أن يكتموا أمره فلم يفعلوا، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس وصفّوا له صفّين يرمونه بالحجارة، وزيدٌ يقيه بنفسه حتى شُجّ رأسه، ودميت قدماه الشريفتان حتى امتلأ نعلاه دمًا. فلجأ إلى بستانٍ لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وجلس تحت ظل شجرة. ويُروى — بإسنادٍ فيه ضعف، وقد تناقله أهل السير — أنه رفع يديه بدعائه الذي يُقطّع القلوب:

«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس... إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تُنزل بي غضبك أو يحلّ عليّ سخطك... ولا حول ولا قوة إلا بك»

فأرسل إليه صاحبا البستان غلامهما النصراني عدّاس بقِطف عنب، فلما وضعه قال ﷺ: «بسم الله»، فتعجّب عدّاس وقال: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فسأله ﷺ من أين هو، فقال: من نينوى. فقال: «من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتّى؟» فقال: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال: «ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبي». فأكبّ عدّاس على رأسه ويديه وقدميه يقبّلها.

وفي طريق العودة ناداه جبريل ومعه مَلَك الجبال فقال: «إن شئت أن أُطبِق عليهم الأخشبين» — أي جبلي مكة. فقال ﷺ الكلمة التي تختصر رسالته كلها: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا». وقد كان: فأسلمت ثقيف بعد سنين، وصار من نسل أولئك علماءٌ وفاتحون.

حديث ملك الجبال متفق عليه (البخاري ومسلم)، وتفصيل الرحلة في سيرة ابن هشام؛ والدعاء رواه الطبراني وذكره ابن إسحاق مرسلًا وفي إسناده ضعف
ثمرة الطائف: رجع ﷺ ولم ينل نصرة أهلها، لكنه في طريق عودته نزل بـنخلة فصلّى وقرأ القرآن، فاستمع إليه نفرٌ من الجن فآمنوا ﴿وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ — وفي ذلك نزلت آيات سورة الأحقاف [29–32] على ما ذكر ابن إسحاق. فما كان يظنه خسارةً كاملة كان بابًا لدعوة عالَمٍ آخر. ثم دخل مكة في جوار المُطعم بن عدي، وهو مشرك — ولذلك قال ﷺ يوم بدر: لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم كلّمني في هؤلاء النَّتْنى لتركتهم له.
١٠–١٢ نبويةقبل الهجرة بنحو سنة

الإسراء والمعراج: تكريمٌ بعد الابتلاء

من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماوات العلا

بعد سنوات الأذى وعام الحزن، أكرم الله نبيه ﷺ بأعظم رحلة في التاريخ. أُتي بـالبُراق — دابة بيضاء دون البغل وفوق الحمار، يضع حافره عند منتهى طرفه — فركبه ومعه جبريل، حتى أتى بيت المقدس، فربط البراق بحلقة الباب، ثم دخل المسجد فصلّى بالأنبياء إمامًا — إعلانٌ بانتقال الإمامة إلى خاتم الرسل.

المعراج: خمسون صلاة صارت خمسًا

ثم عُرج به إلى السماء، فاستفتح جبريل بابًا بابًا، فيُقال: من معك؟ فيقول: محمد. فيقال: وقد أُرسل إليه؟ فيقول: نعم. فيُفتح ويقال: مرحبًا به ونعم المجيء جاء. فلقي في السماء الأولى آدم، وفي الثانية عيسى ويحيى ابنَي الخالة، وفي الثالثة يوسف الذي أُعطي شطر الحُسن، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى — فلما جاوزه بكى موسى، فقيل: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنةَ من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي. وفي السابعة إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه.

ثم رُفع إلى سِدرة المنتهى فغشيها من أمر الله ما غشي، وأُعطي ثلاثًا: الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لم يشرك بالله من أمته المُقحِمات. وفُرضت عليه خمسون صلاة في كل يوم وليلة. فلما رجع مرّ على موسى فقال: ما فُرض على أمتك؟ قال: خمسون صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. فرجع فوضع عنه عشرًا، ثم لم يزل يتردد بين ربه وموسى حتى صارت خمسًا، فقال الله: «هي خمسٌ وهي خمسون، لا يُبدَّل القول لديّ». وقال ﷺ حين قال له موسى: ارجع فاسأل التخفيف: «قد سألتُ ربي حتى استحييت منه، ولكني أرضى وأُسلّم».

متفق عليه — البخاري ومسلم من حديث أنس ومالك بن صعصعة

«إن كان قال فقد صدق»

فلما أصبح ﷺ حدّث قريشًا، فكذّبوه وصفّقوا وتعجّبوا: أنذهب إلى الشام شهرًا ونرجع شهرًا وتزعم أنك أتيتها في ليلة؟! وارتدّ ناسٌ ممن كان أسلم. فانطلق نفرٌ إلى أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس! قال: أوَقال ذلك؟ فإن كان قال فقد صدق. إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك: أصدّقه بخبر السماء غدوةً وروحة. فسُمّي يومئذ الصدّيق.

وسألوه ﷺ عن وصف بيت المقدس امتحانًا وفيهم من رآه، قال: «فكربتُ كربةً ما كربتُ مثله قط»، فرفعه الله له فجعل ينظر إليه ويصفه لهم، فما استطاعوا ردّ شيء منه. ثم أخبرهم عن عِيرٍ لهم في الطريق وموعد قدومها، فجاءت كما قال.

صحيح البخاري ومسلم، والحاكم في قصة الصديق

البُراق وليلة الرحلة: كيف بدأت؟

قال ﷺ: كنت في الحَطيم — وقيل في الحِجْر — مضطجعًا بين النائم واليقظان، إذ أتاني آتٍ فشقّ ما بين نحري إلى مَراقّ بطني، فاستخرج قلبي، ثم أُتيت بطستٍ من ذهب مملوءةٍ إيمانًا وحكمة فغُسل قلبي ثم حُشي ثم أُعيد.

ثم أُتي بـالبُراق: دابة بيضاء طويلة فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه — أي عند أقصى ما يبلغه بصره. ويُروى عند الترمذي أنه استصعب عليه أول الأمر، فقال له جبريل: أبمحمدٍ تفعل هذا؟ فما ركبك أحدٌ أكرم على الله منه. فارفضّ عرقًا وسكن. فركبه ﷺ وانطلق يضع حافره عند منتهى طرفه.

وكانت الرحلة يقظةً بالروح والجسد على قول جمهور أهل السنة — ولذلك كذّبته قريش؛ إذ لو كانت منامًا لما أنكرت، فالمنام لا يُنكَر. ويُروى عند النسائي والبيهقي — وفي ثبوته خلاف — أنه نزل في الطريق فصلّى بـطيبة (المدينة) التي إليها المهاجَر، وبـطور سيناء حيث كلّم الله موسى، وبـبيت لحم حيث وُلد عيسى — درسٌ في وحدة مسار النبوة.

صحيح البخاري ومسلم، والنسائي

إمامة الأنبياء واختيار اللبن

لمّا بلغ بيت المقدس ربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخل المسجد فصلّى ركعتين، ثم جُمع له الأنبياء فأمّهم — قال ﷺ: «ثم دخلتُ المسجد فصلّيتُ فيه ركعتين» (مسلم)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: «فحانت الصلاة فأممتُهم». وفي هذه الإمامة إعلانٌ بأن ميراث النبوة كله انتقل إليه، وأن قِبلته ستكون قِبلة الأرض.

ثم أُتي بإناءين: أحدهما لبن والآخر خمر، فنظر إليهما ثم أخذ اللبن. فقال جبريل: «الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك». وفي رواية أنه عُرض عليه ثالثٌ فيه ماء. — اختيارٌ صغير في ظاهره، عظيمٌ في دلالته: منهج هذه الأمة الفطرة والاعتدال.

صحيح البخاري ومسلم

ما رآه في الرحلة من عبرٍ ومَشاهد

رأى ﷺ في طريقه مشاهد أُريها ليبلّغها أمته، فسّرها له جبريل:

◂ قومٌ يزرعون في يومٍ ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان — قيل: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تُضاعَف لهم الحسنة بسبعمئة ضعف.

◂ قومٌ تُرضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رُضخت عادت كما كانت — هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.

◂ قومٌ لهم بطونٌ عظيمة كالبيوت لا يستطيعون التحرّك، يمرّ عليهم آل فرعون فيطؤونهم — هؤلاء آكلة الربا.

◂ قومٌ لهم أظفارٌ من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم — هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.

◂ رجلٌ جمع حزمةً من حطب لا يستطيع حملها ثم يزيد عليها — هو الرجل من أمته تكون عليه الأمانات لا يقدر على أدائها ثم يزيد.

◂ ورأى مالكًا خازن النار لا يضحك، ورأى الجنة التي فيها «ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر» كما في الحديث القدسي، ورأى الكوثر نهرًا حافّتاه قباب اللؤلؤ المجوّف، وطينه مسكٌ أذفر.

أصل الرحلة في الصحيحين. الثابت من المشاهد: أهل الغيبة ذوو الأظفار من نحاس (أبو داود، صحيح) والكوثر (البخاري)؛ أما الزارعون وحزمة الحطب ورضخ الرؤوس وآكلة الربا فمن روايات ضعيفة عند البزار والبيهقي وابن ماجه تُذكر للعبرة

ماذا قال له الأنبياء؟

في كل سماءٍ كان يستفتح جبريل فيُفتح له، ولا يلقى نبيًّا إلا رحّب به ودعا له بخير، وكلهم يقول: «مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح» إلا آدم وإبراهيم فقالا: «مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح» — لأنهما أبواه.

ورأى آدم وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، إذا نظر قِبَل يمينه ضحك وإذا نظر قِبَل شماله بكى — فقيل: هذه نَسَم بنيه، أهل اليمين أهل الجنة وأهل الشمال أهل النار. ورأى موسى رجلًا آدم طوالًا كأنه من رجال شَنُوءة، ورأى عيسى ربعةً أحمر كأنما خرج من ديماس، ورأى إبراهيم فقال: «لم أرَ رجلًا أشبه بصاحبكم» — أي بنفسه ﷺ. وأوصاه إبراهيم: «أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قِيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».

ثم رُفع إلى سدرة المنتهى — إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيُقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيُقبض منها — نبقها كقلال هَجَر، وورقها كآذان الفِيَلة، يغشاها من أمر الله ما يغشى فتتغيّر فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. ورأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَك لا يعودون إليه آخر ما عليهم. ورأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ستمئة جناح.

صحيح البخاري ومسلم

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾

[الإسراء: 1]

١١–١٣ نبوية620–622م

بيعتا العقبة: الطريق إلى يثرب

مواسم الحج — وبداية فجر الدولة

كان ﷺ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج: يأتيهم في منازلهم بعُكاظ ومجنّة وذي المجاز فيقول: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تؤووني وتنصروني حتى أُبيّن عن الله ما بعثني به» — وأبو لهب خلفه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب. فعرض نفسه على كِندة وكلب وبني حنيفة وبني عامر وغيرها، فردّوه؛ بل ساوَمه بنو عامر: أرأيت إن بايعناك ثم أظهرك الله، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» — فرفضوا. ما قبِل صفقةً على حساب الدين ولو كانت النصرة كلها.

ستة نفر من يثرب غيّروا التاريخ

عند العقبة لقي ﷺ ستة نفر من الخزرج من أهل يثرب فدعاهم، فقال بعضهم لبعض: تعلمون والله إنه النبي الذي توعّدكم به يهود، فلا يسبقُنّكم إليه. — فقد كانت يهود المدينة تقول لهم: هذا زمانُ نبيٍّ يُبعث نتّبعه فنقتلكم به قتل عادٍ وإرم. فأسلموا وقالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم — يعنون حرب بُعاث بين الأوس والخزرج — فعسى الله أن يجمعهم بك. ورجعوا يدعون في يثرب حتى لم تبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذِكرٌ لرسول الله ﷺ.

سيرة ابن هشام

بيعة العقبة الأولى — بيعة النساء

في العام التالي (السنة ١٢ من النبوة) جاء اثنا عشر رجلًا فبايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة على: ألّا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتانٍ يفترونه، ولا يعصوه في معروف. وسُمّيت بيعة النساء لأنها لم تكن على قتال. وبعث معهم مصعب بن عمير — أول سفير في الإسلام — يُقرئهم القرآن ويعلّمهم، فأسلم على يديه أُسيد بن حُضير وسعد بن معاذ سيدا بني عبد الأشهل، فأسلم قومهما في يومٍ واحد.

متفق عليه — من حديث عبادة بن الصامت

بيعة العقبة الكبرى: بيعة الحرب

في موسم السنة الثالثة عشرة جاء ثلاثةٌ وسبعون رجلًا وامرأتان من الأنصار، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة في أوسط أيام التشريق ليلًا، سرًّا عن قومهم من المشركين. فتسلّلوا تسلّل القَطا، وجاء ﷺ ومعه عمه العباس — وكان على دين قومه لكنه أحبّ أن يتوثّق لابن أخيه — فتكلم أولًا وقال: إنه في منعةٍ من قومه، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه فأنتم وذاك، وإن كنتم مُسلِموه فمن الآن فدعوه.

فقالوا: قد سمعنا، فتكلّم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتلا القرآن ودعا إلى الله ثم قال: «أُبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم». فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أُزُرنا. ثم قال أبو الهيثم بن التيهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال — يعني يهود — حبالًا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم ﷺ وقال: «بل الدمُ الدم، والهدمُ الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أُحارب من حاربتم وأُسالم من سالمتم».

وحذّرهم أسعد بن زرارة والعباس بن عبادة من ثِقَل الأمر: إنه على حرب الأحمر والأسود، وقتل خياركم، وأن تعضّكم السيوف — فقالوا: نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما ثمن ذلك يا رسول الله إن نحن وفّينا؟ قال: «الجنة». قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه. واختار منهم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم كفلاء. فلما علمت قريش سعت في طلبهم فسبقهم القوم إلى المدينة.

سيرة ابن هشام، ومسند أحمد
بعد هذه البيعة أذِن ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فخرجوا أرسالًا — سرًّا في الغالب — وبقي معه أبو بكر وعلي ومن حُبس كرهًا. أما صهيب الرومي فقالت له قريش: أتيتنا صعلوكًا فكثر مالُك عندنا، أتذهب به؟! فقال: أرأيتم إن تركتُ لكم مالي أتُخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. فتركه كله وخرج، فيُروى أنه ﷺ قال: «ربح البيع أبا يحيى» (مرسل سعيد بن المسيب). وأما عمر بن الخطاب فتواعد مع عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص على الخروج، فحُبس هشام، وخُدع عياش فرُدّ إلى مكة. (ويُروى بإسناد ضعيف أن عمر هاجر جهرًا وتحدّى قريشًا عند الكعبة.)
١ هـ622م

الهجرة وقصة الغار: مبدأ التاريخ الإسلامي

من مكة إلى المدينة — وعمره ٥٣ سنة

ليلة المؤامرة: دار النَّدوة والفراش

لمّا رأت قريش خروج أصحابه إلى المدينة وأنه صار له منعةٌ خارج مكة، اجتمع أشرافها في دار الندوة يتشاورون في أمره: قال قائل: نحبسه في الحديد حتى يموت. فرُدّ عليه: يخرجه أصحابه. وقال آخر: نُخرجه من بلادنا. فرُدّ: أتأمنون أن يميل عليكم بالعرب؟ فقال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة فتًى شابًّا جَلدًا، ونعطي كل واحد سيفًا صارمًا، فيضربونه ضربة رجلٍ واحد فيتفرّق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو عبد مناف على حرب قريش كلها فيرضون بالدية. فأجمعوا عليه.

فأخبر الله نبيه بمكرهم — ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ — وأذن له في الهجرة. فقال لـعلي: نم على فراشي وتَسَجَّ ببُردي الحضرمي، فإنه لن يُخلَص إليك منهم شيءٌ تكرهه، وأمره أن يبقى ليردّ الودائع إلى أهلها — وهي أموال قريش نفسِها التي كانت تستأمنه عليها وهي تريد قتله! ثم خرج ﷺ عليهم وهم على بابه، فأخذ حفنةً من تراب فجعل يذرّها على رؤوسهم وهو يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فما منهم رجل إلا وُضع على رأسه ترابٌ ولم يروه.

سيرة ابن هشام، ومسند أحمد

غار ثور: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟»

مضى ﷺ إلى بيت أبي بكر — وكان قد أعدّ راحلتين وعلفهما أربعة أشهر انتظارًا لهذا اليوم، وبكى من الفرح حين أخبره أنه صاحبه في الهجرة. فخرجا ليلًا من خَوخةٍ في ظهر بيت أبي بكر، واتجها جنوبًا إلى غار ثور — عكس طريق المدينة تمامًا — تمويهًا وأخذًا بالأسباب. فمكثا فيه ثلاث ليال.

وكانت خطة محكمة: عبد الله بن أبي بكر شابٌّ لَقِنٌ ثَقِف يبيت عندهما فيدّلج بسَحَر فيصبح مع قريش بمكة كأنه بات بها، فلا يسمع أمرًا يُكادان به إلا وعاه وأتاهما بخبره. وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر يرعى عليهما الغنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العشاء فيشربان من اللبن، ثم يسرح بها فيُعفّي على آثار عبد الله. وأسماء بنت أبي بكر تحمل إليهما الطعام، وشقّت نطاقها نصفين فربطت بأحدهما السُّفرة فسُمّيت ذات النطاقين.

وجعلت قريش في كل واحدٍ منهما مئة ناقة لمن يأتي به، وخرج الطلب في كل وجه، حتى وقفوا على باب الغار. فقال أبو بكر — وقد رأى أقدامهم: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال ﷺ: «ما ظنُّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟!» وفي رواية: «لا تحزن إن الله معنا». فصرف الله أبصارهم عنهما.

قال أبو بكر: كنت أنظر إلى أثر المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا! — فما زاده ﷺ على التذكير بمعية الله. وأنزل الله في ذلك قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.

متفق عليه — البخاري ومسلم

﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾

[التوبة: 40]

سراقة بن مالك: الطامع الذي رجع نذيرًا

لمّا هدأ الطلب بعد ثلاث خرجا ومعهما الدليل عبد الله بن أُرَيقط — وكان مشركًا لكنه أمين — فسلك بهما طريق الساحل. فبينما هم يسيرون إذ أبصرهم سراقة بن مالك فطمع في المئة ناقة، فركب فرسه وتبعهم. فلما دنا منهم ساخت قوائم فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين، فخرّ عنها، ثم زجرها فنهضت فخرج من أثر يديها دخانٌ كالإعصار. فعلم أنه قد مُنع منه، فناداهم بالأمان وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يأخذوا منه شيئًا، وقالوا: أخفِ عنّا. فطلب كتاب أمان فكتب له عامر بن فهيرة في رقعة.

وقال له ﷺ كلمةً عجيبة وهو مطارَدٌ مطلوبٌ لا يملك شيئًا: «كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سِواري كسرى؟» فقال: كسرى بن هرمز؟! قال: نعم. — ثم أسلم سراقة، ولما فُتحت فارس في خلافة عمر جاءت بسواري كسرى فدعا عمر سراقة فألبسه إياهما وقال: ارفع يديك وقل: الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيًّا من بني مُدلج. ورجع سراقة يومها يردّ الناس عن الطلب ويقول: قد كُفيتم هذا الوجه — فكان أوّل النهار جاهدًا في طلبه وآخره حارسًا له.

متفق عليه (البخاري)، وحديث السوارين عند البيهقي وابن عبد البر

أم معبد الخزاعية: وصف رجلٍ لم ترَه إلا ساعة

مرّوا في الطريق بخيمة أم معبد الخزاعية، فسألوها لحمًا وتمرًا يشترونه فلم يجدوا عندها شيئًا؛ وكان القوم مُرْمِلين مُسنتين. فنظر ﷺ إلى شاةٍ في كسر الخيمة خلّفها الجهد عن الغنم، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: شاةٌ خلّفها الجهد. قال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين أن أحلبها؟ قالت: بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.

فمسح ﷺ بيده ضرعها وسمّى الله ودعا، فتفاجّت عليه ودرّت، فدعا بإناءٍ يُرْبِض الرهط فحلب فيه حتى علته الرَّغوة، فسقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم، ثم حلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء وتركه عندها وارتحلوا.

فلما جاء زوجها أبو معبد ورأى اللبن عجب وقال: من أين لكِ هذا والشاء عازب؟ قالت: مرّ بنا رجلٌ مبارك. قال: صِفيه لي. فوصفته وصفًا خالدًا: ظاهر الوَضاءة، أبلج الوجه، حسن الخُلق، لم تَعِبه ثُجْلة ولا تُزْرِ به صَعْلة، وسيمٌ قسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صَحَل، وفي عنقه سَطَع، وفي لحيته كثاثة... إن صَمَت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذَر، كأن منطقه خرزات نظمٍ يتحدّرن. أجملُ الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب... محفودٌ محشود، لا عابسٌ ولا مُفنِّد. فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا.

رواه الحاكم والطبراني والبيهقي — وحسّنه جماعة من أهل العلم

قباء ثم دخول المدينة: يوم لم تر يثرب مثله

وصل ﷺ قُباء يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول، وكان الأنصار يخرجون كل يوم إلى الحَرّة ينتظرونه حتى يردّهم حرّ الظهيرة. فصعد يهوديٌّ على أُطُم فرآه مقبلًا فصرخ بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدّكم الذي تنتظرون! فخرجوا بالسلاح فرحًا. وكان أبو بكر قائمًا والنبي ﷺ جالسًا، فطفق من لم يكن رآه من الأنصار يُحيّي أبا بكر، حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله فأقبل أبو بكر فظلّله بردائه، فعرفه الناس عند ذلك.

فأقام في قباء أربع ليال وأسّس مسجد قباء — أول مسجد أُسّس على التقوى. ثم ركب راحلته يوم الجمعة فأدركته الجمعة في بني سالم فصلاها، فكانت أول جمعة صلاها النبي ﷺ بنفسه — وكان أسعد بن زرارة قد جمّع بالأنصار قبل الهجرة. ثم دخل المدينة، فما رأى أهلها يومًا أضوأ منه (البخاري). ويُروى بإسنادٍ لا يثبت أن النساء والصبيان أنشدن — ورجّح ابن القيم وابن حجر أنه إن صحّ فكان عند قدومه من تبوك، لأن ثنيات الوداع في جهة الشام —:

طلع البدرُ علينا  ·  من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا  ·  ما دعا لله داع

وجعل كل بيتٍ من الأنصار يأخذ بخِطام ناقته يدعوه إلى النزول عنده، فيقول: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة». فبركت في موضع مسجده الشريف — وكان مِربدًا ليتيمَين، فاشتراه منهما وأبيا أن يأخذا ثمنه فأبى إلا أن يدفعه. ونزل ضيفًا على أبي أيوب الأنصاري سبعة أشهر حتى بُني المسجد وبيوته. وسُمّيت يثرب «المدينة» و«طَيْبة»، وجُعلت الهجرة في عهد عمر بن الخطاب مبدأ التقويم الإسلامي.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
١ – ٢ هـ622–624م

بناء الدولة في المدينة

المدينة المنورة — السنوات الأولى

ما إن استقرّ ﷺ حتى شرع في بناء المجتمع الجديد بثلاث ركائز في أشهرٍ معدودة: المسجد، والمؤاخاة، والوثيقة. وهي ترتيبٌ بالغ الدلالة: عبادةٌ تجمع القلوب، ثم أخوّةٌ تذيب الفوارق، ثم نظامٌ يضبط العلاقات مع المخالف.

المسجد النبوي: نبيٌّ ينقل اللَّبِن مع أصحابه

بُني المسجد على أرضٍ اشتراها ﷺ، وكان فيها قبور مشركين وخِرَبٌ ونخل، فأمر بالقبور فنُبشت، وبالنخل فقُطع وجُعل قِبلة المسجد. وبُني جدرانه باللَّبِن، وسقفه بالجريد، وعمده جذوع النخل، وأرضه الرمل والحصباء. وكان ﷺ ينقل اللَّبِن مع أصحابه ويرتجزون:

اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة  ·  فاغفر للأنصار والمهاجرة

ولم يكن المسجد مكان صلاة فحسب؛ بل كان جامعة يُتلقّى فيها العلم، ومقرّ حكم تُعقد فيه الرايات وتُستقبل الوفود، ومحكمة يُقضى فيها، ودار ضيافة؛ وفيه الصُّفّة يأوي إليها فقراء المهاجرين الذين لا أهل لهم ولا مال، يتعلمون القرآن ويصومون، ومنهم أبو هريرة أكثر الصحابة رواية.

صحيح البخاري

المؤاخاة: «اقسم مالي نصفين»

آخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، فكانوا يتوارثون بها في أول الأمر. فقال الأنصار: يا رسول الله، اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: «لا». قالوا: تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا.

وآخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد: يا أخي، أنا أكثر الأنصار مالًا، فانظر شطر مالي فخذه؛ ولي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها فإذا حلّت تزوجتها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّني على السوق. فدُلّ عليه فما رجع حتى استفضل شيئًا من أقِط وسمن، ثم تابع الغدوّ حتى تزوج وأصاب مالًا. — إيثارٌ من الأنصار لا نظير له، وعِفّةٌ من المهاجرين لا نظير لها.

متفق عليه — صحيح البخاري

صحيفة المدينة: أول دستور لمجتمع متعدد

كتب ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادَع فيه يهود المدينة وعاهدهم، فنصّ على أن المسلمين واليهود أمة من دون الناس في الدفاع عن المدينة، وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن على كلٍّ نفقته، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن ما كان بين أهلها من حدثٍ أو اشتجار يُردّ إلى الله وإلى محمد ﷺ، وأن الجار كالنفس غير مُضارّ ولا آثم، وأن يثرب حرامٌ جوفها لأهل هذه الصحيفة.

وبهذا انتقلت المدينة في أشهر من قبائل متناحرة — كانت حرب بُعاث قد أنهكت الأوس والخزرج — إلى مجتمعٍ له مرجعية واحدة وأمنٌ مشترك.

سيرة ابن هشام — بنصّها الكامل
تحويل القبلة

في رجب ٢هـ بعد ١٦ شهرًا من التوجه لبيت المقدس: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ — استقلال الأمة بقبلتها.

فرض الصيام والزكاة

في السنة الثانية فُرض صيام رمضان وزكاة الفطر ثم زكاة الأموال.

مشروعية الأذان

تشاوروا في إعلام الناس بالصلاة، فرأى عبد الله بن زيد الأذان في المنام، ورآه عمر، فأقرّه ﷺ وأمر بلالًا فأذّن.

حراسة المدينة

سُيّرت السرايا والدوريات لتأمين طرقها، وعُقدت المعاهدات مع القبائل المحيطة.

٢ – ٩ هـ624–630م

الغزوات الكبرى: قصص الميدان

غزا ﷺ بنفسه نحو ٢٧ غزوة، وبعث نحو ٦٠ سرية

لم يُقاتل ﷺ إلا بعد ثلاث عشرة سنة من الصبر على الأذى، ولمّا أُذن له بقوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ كانت حربًا شريفة بقواعد لم تعرفها الأرض: نهى ﷺ عن قتل النساء والصبيان (متفق عليه)، ونهى عن الغدر والغلول والمُثلة وقتل الوليد (مسلم)، وأوصى خلفاؤه من بعده بمنهجه فقال أبو بكر لجيش الشام: لا تقطعوا شجرًا مثمرًا ولا تخرّبوا عامرًا ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا ولا أصحاب الصوامع. اضغط على كل غزوة لتقرأ قصتها كاملة:

١٧ رمضان ٢هـ غزوة بدر الكبرى — يوم الفرقان

السبب: خرج ﷺ في نحو ثلاثمئة يعترض عير قريش القادمة من الشام بقيادة أبي سفيان — وفيها أموالُ من صادرت قريشُ أموالَهم من المهاجرين. فعلم أبو سفيان فغيّر طريقه ونجا بالعير، وأرسل يستنفر قريشًا، فخرجت في نحو ألف مقاتل بالقيان والمعازف بطرًا ورئاءَ الناس.

الشورى: استشار ﷺ أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس» — يريد الأنصار، لأن بيعتهم كانت على منعه في ديارهم. ففهمها سعد بن معاذ فقال: «لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد... فسِر بنا على بركة الله». وقال المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجهه ﷺ وسُرّ.

ليلة بدر: نزل المسلمون، فأشار الحُباب بن المنذر بالتقدم إلى أدنى ماءٍ من القوم وتغويرِ ما وراءه، فقال: «لقد أشرتَ بالرأي» — استشارةٌ في الرأي الحربي مع أنه نبيّ. وبات ﷺ ليلته يصلي ويناشد ربه رافعًا يديه حتى سقط رداؤه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض»، حتى قال أبو بكر: بعض مناشدتك ربك، فإنه منجزٌ لك ما وعدك.

النتيجة: أمدّ الله المسلمين بالملائكة، فانتصروا نصرًا مؤزّرًا: قُتل سبعون من صناديد قريش على رأسهم أبو جهل — قتله غلامان من الأنصار — وأُسر سبعون، واستُشهد أربعة عشر من المسلمين. وجعل ﷺ فداء الأسير الذي يُحسن الكتابة أن يعلّم عشرة من صبيان المدينة — أول فداءٍ بالعلم في التاريخ.

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[آل عمران: 123] — والقصة في الصحيحين وسيرة ابن هشام

شوال ٣هـ غزوة أُحد — درس الطاعة

السبب: جاءت قريش في ثلاثة آلاف للثأر من قتلى بدر، ومعهم النساء يضربن الدفوف. وكان رأي النبي ﷺ البقاء في المدينة، لكن أشار عليه الشباب ومن فاتته بدر بالخروج، فنزل على رأي الأكثرية ولبس لأمته — ولما ندموا وقالوا: استكرهناك، قال: «ما ينبغي لنبيٍّ لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله».

الانسحاب: خرج في ألف، فانخذل عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين بثلث الجيش، فبقي سبعمئة.

الرماة: أقام ﷺ خمسين راميًا على الجبل بقيادة عبد الله بن جبير وقال لهم كلمةً حاسمة: «إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم». فبدأت المعركة بنصرٍ ساحق وانهزم المشركون، فلما رأى الرماة النساءَ يرفعن ثيابهن هاربات قالوا: الغنيمةَ الغنيمة! فذكّرهم أميرهم بالعهد فلم يسمعوا ونزل أكثرهم.

الانقلاب: فرأى خالد بن الوليد — وكان يومئذ مشركًا — الثغرة فالتفّ بالخيل من خلفهم، فاختلط المسلمون وأصابهم ما أصابهم. وشُجّ وجهه ﷺ وكُسرت رَباعيته ودخلت حلقتان من المِغفر في وجنته، وسال الدم، فقال: «كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟!» (مسلم). وكان ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» — وتلك حاله يومئذ.

البطولات: ذبّ أبو دجانة عنه بظهره حتى كثر فيه النبل، ورمى سعد بن أبي وقاص وهو يقول له: «ارمِ، فداك أبي وأمي»، ووقى طلحة وجهه ﷺ بيده حتى شُلّت، وقاتلت أم عمارة نسيبة حتى جُرحت اثني عشر جرحًا. واستُشهد سبعون على رأسهم حمزة سيد الشهداء — قتله وحشي ومثّلت به هند — ومصعب بن عمير الذي لم يوجد له كفنٌ يستره إلا نمرة إذا غُطّي بها رأسه بدت رجلاه، وحنظلة غسيل الملائكة الذي خرج من عرسه إلى المعركة.

الدرس: نزل في أُحد نحو ستين آية من سورة آل عمران تعالج الهزيمة وتبيّن أسبابها: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾. ثم خرج ﷺ في اليوم التالي إلى حمراء الأسد بالجرحى أنفسهم إرهابًا للعدو، فلم يجرؤ المشركون على العودة.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
شوال ٥هـ غزوة الخندق (الأحزاب)

السبب: خرج نفرٌ من يهود بني النضير — بعد إجلائهم — إلى قريش وغطفان يحرّضونهم ويعدونهم النصر، فتحزّبت الأحزاب: قريش وحلفاؤها وغطفان وأشجع وبنو مرة، حتى بلغوا عشرة آلاف مقاتل، وليس في المدينة إلا ثلاثة آلاف — وهذه المرة جاءوا لاستئصال الإسلام كله.

فكرة سلمان: أشار سلمان الفارسي بما رآه في بلاده: «يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا». فاستحسنها ﷺ — وهي خطة لم تعرفها العرب — فحُفر الخندق شمال المدينة (وباقي جهاتها حرّاتٌ ونخيلٌ متشابكة تمنع الخيل) في نحو ست ليال، لكل عشرة أربعون ذراعًا. وعمل ﷺ فيه بيده ينقل التراب حتى وارى التراب بياض بطنه، وهم يرتجزون:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا  ·  ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلَنْ سكينةً علينا  ·  وثبّت الأقدام إن لاقينا

الشدة: كان الجوع شديدًا حتى رأى جابرٌ النبيَّ ﷺ وقد عصب بطنه بحجر من الجوع (البخاري)، ويُروى بإسنادٍ ضعيف أنه ربط حجرين. وفي أثناء الحفر عرضت صخرةٌ لا تُكسر فضربها ﷺ ثلاث ضربات، برقت في كل ضربة برقةٌ وبشّرهم بفتح الشام وفارس واليمن. وأطعم جابرٌ الجيشَ كله من صاعِ شعير وبُهيمة بدعوة النبي ﷺ.

الخيانة: نقضت بنو قريظة عهدها من داخل المدينة بتحريض حُيَيّ بن أخطب، فصار المسلمون بين عدوٍّ من الخارج وخيانةٍ من الداخل، واشتدّ البلاء: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾. وأسلم نُعيم بن مسعود سرًّا فقال: مُرني بما شئت. فقال ﷺ: «إنما أنت رجلٌ واحد، فخذّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة»، فمشى بين قريظة وقريش وغطفان حتى أوقع بينهم الشك وتفرّق أمرهم.

النهاية: أرسل الله عليهم ريحًا باردة في ليلة شاتية قلعت خيامهم وأكفأت قدورهم، وجنودًا لم يروها، فرحلوا خائبين. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. فقال ﷺ: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم» (البخاري) — فلم تغزُ قريش المدينة بعدها. وبعث ﷺ حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم في تلك الليلة، قال: فذهبت كأنما أمشي في حمّام، فرأيتهم يرتحلون.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
ذو القعدة ٦هـ صلح الحديبية — الفتح المبين

البداية: رأى ﷺ في المنام أنه يدخل المسجد الحرام آمنًا، فخرج في ألف وأربعمئة من أصحابه معتمرين لا يريدون قتالًا، وساقوا الهَدْي وأحرموا، ليعلم الناس أنهم زُوّار البيت. فصدّته قريش ومنعته، فعدل عن طريقهم حتى نزل الحديبية على أطراف الحرم، وبركت ناقته القصواء فقالوا: خلأت! فقال: «ما خلأت وما هو لها بخُلق، ولكن حبسها حابس الفيل».

بيعة الرضوان: أرسل عثمان بن عفان رسولًا إلى قريش، فأُشيع أنه قُتل. فدعا ﷺ الناس إلى البيعة تحت شجرة، فبايعوه على الموت — أو على ألّا يفرّوا — وضرب بإحدى يديه على الأخرى عن عثمان. فأنزل الله: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.

الشروط الصعبة: جاء سُهيل بن عمرو للصلح، فكُتب الكتاب بشروطٍ رآها المسلمون إجحافًا: وضع الحرب عشر سنين، وأن يرجع المسلمون هذا العام ويعتمروا القابل ثلاثة أيام، وأن من جاء من قريش إلى محمد رُدّ إليهم، ومن جاء من المسلمين إلى قريش لا يُردّ. بل واعترض سهيل على كتابة «بسم الله الرحمن الرحيم» فكتب «باسمك اللهم»، وعلى «محمد رسول الله» فمحاها ﷺ بيده وكتب «محمد بن عبد الله». وجاء أبو جندل يرسف في قيوده هاربًا بدينه، فرُدّ إلى أبيه وفاءً بالعهد وهو يصيح: يا معشر المسلمين، أُردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! فقال ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعلٌ لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا».

موقف عمر: جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: فلِمَ نُعطي الدنيّة في ديننا؟! فقال ﷺ: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري». ثم أتى أبا بكر فقال له مثل قول النبي وزاد: «فاستمسك بغَرْزه، فوالله إنه على الحق». قال عمر بعدها: فعملتُ لذلك أعمالًا — أي كفّارةً لمراجعته.

النتيجة: نزلت ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ وهم راجعون. وكان أعظم فتح: أمِن الناس بعضهم بعضًا فتكلّم الناس في الإسلام بحرية، فدخل في السنتين التاليتين أكثر مما دخل في العشرين سنة السابقة — خرج إلى الحديبية في ١٤٠٠، ثم فتح مكة بعد سنتين في عشرة آلاف. وتفرّغ ﷺ لمراسلة الملوك.

وأما شرط الردّ: فقد انقلب على قريش؛ فرّ أبو بصير ثم أبو جندل ومن معهما إلى ساحل البحر فقطعوا طريق تجارة قريش، حتى أرسلت قريش تسأل النبي ﷺ أن يضمّهم إليه ويُلغي الشرط بنفسها.

صحيح البخاري — كتاب الشروط، وسيرة ابن هشام
محرم ٧هـ غزوة خيبر

سار ﷺ في ألفٍ وأربعمئة إلى خيبر شمال المدينة، وقد صارت وكرًا لتأليب الأحزاب وتحريض القبائل بعد إجلاء بني النضير إليها. وكانت حصونًا منيعة وأموالًا ورجالًا. وكان ﷺ إذا غزا قومًا لم يُغِر حتى يصبح: فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار — فخرج أهل خيبر بمساحيهم فلما رأوا الجيش قالوا: محمدٌ والخميس!

وحاصرها بضعة عشر يومًا، وفي إحدى الليالي قال: «لأُعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، فلما أصبحوا قال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: يشتكي عينيه. فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية ففتح الله عليه. وقال له وهو يوصيه: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم».

وفي خيبر: حُرّمت لحوم الحُمُر الأهلية وجاء النهي عن نكاح المتعة (ثم حُرّمت تحريمًا مؤبدًا عام الفتح)، وقدِم جعفر بن أبي طالب ومن معه من مهاجرة الحبشة، فقام إليه ﷺ فالتزمه وقبّل بين عينيه وقال: «ما أدري بأيهما أنا أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» (رواه أبو داود مرسلًا والحاكم موصولًا). وفيها أهدت امرأةٌ يهودية شاةً مسمومة، فأخبره الذراع أنه مسموم فلفظه، ومات بشر بن البراء من أكلها.

وأقرّ ﷺ أهل خيبر في أرضهم يعملون فيها على شطر ما يخرج منها — أول مساقاةٍ في الإسلام — وقال: «نُقرّكم ما شئنا».

صحيح البخاري ومسلم
جمادى ٨هـ غزوة مؤتة — أمام الروم

السبب: قتل عاملُ الغساسنة رسولَ النبي ﷺ إلى بُصرى — الحارث بن عمير الأزدي — وقتلُ الرسل من أعظم الجرائم عند الأمم. فجهّز ﷺ ثلاثة آلاف وأمّر عليهم زيد بن حارثة وقال: «فإن أُصيب زيد فـجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب جعفر فـعبد الله بن رواحة» — تعيينُ ثلاثة أمراء تباعًا سابقةٌ في التنظيم العسكري.

المفاجأة: وجدوا في مؤتة جموعًا هائلة من الروم وحلفائهم من العرب. فتشاوروا، فقام عبد الله بن رواحة محمّسًا: «يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهورٌ وإما شهادة».

الشهادة: أخذ زيد الراية فقاتل حتى شاط في رماح القوم. ثم أخذها جعفر، فلما ألحمه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها ثم قاتل حتى قُطعت يمينه فأخذ الراية بشماله، فقُطعت شماله فاحتضنها بعضديه حتى قُتل، وُجد فيه بضعٌ وتسعون من طعنة ورمية، ليس منها شيء في دُبُره. قال ﷺ: «أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء» — فسُمّي جعفر الطيار. ثم أخذها ابن رواحة فتردّد قليلًا ثم نزل فقاتل حتى قُتل.

خالد: ثم اصطلح الناس على خالد بن الوليد، فأخذ الراية — وقال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية — وغيّر مواقع الجيش ليوهم العدو بمددٍ جاء، ثم انحاز بالجيش انحيازًا منظمًا فحفظه من الفناء. وكان ﷺ يخبر أصحابه بالخبر في المدينة والدموع تسيل من عينيه، ثم قال: «ثم أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليهم».

صحيح البخاري، وسيرة ابن هشام
شوال ٨هـ غزوة حنين والطائف

بعد فتح مكة بأيام جمعت هوازن وثقيف جموعها بقيادة مالك بن عوف، وخرجوا بأموالهم ونسائهم وأبنائهم ليقاتل كلٌّ عن أهله. وخرج ﷺ في اثني عشر ألفًا — عشرة آلاف من أهل المدينة وألفان من مسلمة الفتح — فقال بعضهم معجبًا: لن نُغلب اليوم من قلة! فساءت النبي ﷺ الكلمة.

فلما انحدروا في وادي حنين في غَبَش الصبح، كانت هوازن قد كمنت في شعابه، فرشقوهم بالنبل رشقًا واحدًا وحملوا حملة رجلٍ واحد، فانهزم المسلمون لا يلوي أحد على أحد. وثبت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء يركض نحو العدو وأبو سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها، وهو يقول:

أنا النبي لا كذِب  ·  أنا ابن عبد المطلب

ثم أمر العباس — وكان صيّتًا — أن ينادي: يا أصحاب السَّمُرة! يا أهل بيعة الرضوان! فتداعوا: لبيك لبيك، وانعطفوا حتى إن الرجل ليذهب ليثني بعيره فلا يقدر فيأخذ درعه فيقتحم عن بعيره. ثم أخذ ﷺ قبضةً من تراب فرمى بها وجوههم وقال: «شاهت الوجوه»، فما خُلق منهم إنسان إلا امتلأت عيناه ترابًا، فانهزموا. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾.

قسمة الغنائم وعتاب الأنصار: أعطى ﷺ المؤلفة قلوبهم من أشراف قريش العطايا العظيمة ولم يُعطِ الأنصار، فوجد بعض شبابهم في أنفسهم. فجمعهم وقال: «ألم آتِكم ضُلّالًا فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، ومتفرقين فألّفكم الله بي؟... أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار... اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار». فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قَسْمًا وحظًّا.

ثم حاصر الطائف بضعة عشر يومًا فلم تُفتح، فانصرف ودعا لهم: «اللهم اهدِ ثقيفًا وائتِ بهم» — فجاء وفدهم مسلمين في العام التالي. ثم جاءه وفد هوازن مسلمين فردّ عليهم السبي كله، وفيهم الشيماء أخته من الرضاعة بنت حليمة، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه.

صحيح مسلم والبخاري، وسيرة ابن هشام
رجب ٩هـ غزوة تبوك — جيش العُسرة

بلغه ﷺ أن الروم تجمع لغزو المدينة، فندب الناس في حرٍّ شديد وجدبٍ وقلّة ظهر وطِيب الثمار — وصرّح بوجهه خلافًا لعادته في التورية، لبُعد الشُّقّة وكثرة العدو. فتسابق الأغنياء: جهّز عثمان ثلث الجيش وجاء بألف دينار صبّها في حِجر النبي ﷺ فجعل يقلّبها ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم»، وجاء أبو بكر بماله كله فقال: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. وجاء عمر بنصف ماله. وجاء البكّاؤون — فقراء لا يجدون ما يُحملون عليه — فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألّا يجدوا ما ينفقون.

وخرج في ثلاثين ألفًا — أكبر جيش خرج معه — وخلّف عليًّا على أهله (واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة)، فقال علي: أتخلّفني في الصبيان والنساء؟! فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟». فبلغ تبوك ولم يلقَ كيدًا، وصالح أهل أيلة وجَرباء وأذرح، وأقام نحو عشرين ليلة ثم رجع.

المخلَّفون الثلاثة: تخلّف كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية من غير عذر ولا نفاق، فلما رجع ﷺ صدقوه ولم يعتذروا بالكذب كما فعل المنافقون، فأمر بمقاطعتهم خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، ثم نزلت توبتهم من فوق سبع سماوات: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ...﴾. وقال كعب: ما أنعم الله عليّ نعمةً بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ.

وفي طريق العودة هدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين. وكانت تبوك آخر غزواته ﷺ.

صحيح البخاري ومسلم — قصة كعب بطولها في الصحيحين
٢ – ٥ هـ إجلاء بني قينقاع والنضير وقصة بني قريظة

بنو قينقاع (شوال ٢هـ): كانوا أول من نقض العهد بعد بدر حسدًا وبغيًا. وكان سببُ الظهور أن امرأة مسلمة جاءت سوقهم، فعمد صائغٌ منهم فعقد طرف ثوبها إلى ظهرها وهي غافلة، فلما قامت انكشفت فضحكوا، فصاحت، فوثب رجل مسلم فقتل الصائغ، فقتلته اليهود. فحاصرهم ﷺ خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه، فأجلاهم عن المدينة.

بنو النضير (ربيع الأول ٤هـ): ذهب إليهم ﷺ يستعينهم في دية، فأظهروا الموافقة وأسرّوا الغدر: أرادوا أن يُلقوا عليه رحًى من فوق الجدار وهو جالس تحته، فأخبره الله بمكرهم فقام مسرعًا. فأمرهم بالخروج فتربّصوا بوعدٍ من المنافقين — ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ — فحاصرهم ست ليال، فخرجوا بما حملت الإبل، ونزلت فيهم سورة الحشر كاملة. ونزل معظمهم في خيبر، فصاروا نواة تحزيب الأحزاب لاحقًا.

بنو قريظة (ذو القعدة ٥هـ): نقضوا العهد في أحرج لحظة — أثناء حصار الأحزاب — فلما انصرف الأحزاب أتاه جبريل فأمره بالمسير إليهم، فقال ﷺ: «لا يصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة». فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس — وكانوا حلفاءه في الجاهلية واختاروه هم بأنفسهم — وكان جريحًا في الخندق. فحكم فيهم بحكم التوراة التي يؤمنون بها في الخائن الناقض، فقال ﷺ: «لقد حكمتَ فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة». ثم مات سعد من جرحه، فقال ﷺ: «اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ».

تنبيه مهم: ما جرى كان مع قبائل بعينها نقضت معاهدةً مكتوبة في زمن حرب، لا مع «اليهود» كدين؛ فقد بقي يهودٌ في المدينة وخيبر بعد ذلك، ومات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير — كما في صحيح البخاري.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
شعبان ٥هـ غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك

بلغه ﷺ أن الحارث بن أبي ضِرار سيد بني المصطلق يجمع لحربه، فسار إليهم فأغار على ماء المُريسيع فانتصر بلا قتالٍ يُذكر. وفي هذه الغزوة تزوج جويرية بنت سيدهم، فأعتق المسلمون مئة أهل بيت من سبيهم.

فتنة المنافقين: ازدحم أجيرٌ للمهاجرين وغلامٌ من الأنصار على الماء فاقتتلا، فنادى كلٌّ قومه، فقال ﷺ: «دعوها فإنها منتنة» — أي دعوة الجاهلية والعصبية. فقال عبد الله بن أُبيّ: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنّ الأعزُّ منها الأذلّ. فنزلت فيه سورة المنافقون. واستأذن عمر في قتله فقال ﷺ: «لا، لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».

حادثة الإفك: في الرجوع تخلّفت عائشة رضي الله عنها عن الجيش تبحث عن عقدٍ لها انقطع، وحُمل هودجها وهم يحسبونها فيه لخفّتها، فوجدها صفوان بن المعطّل — وكان يتخلّف وراء الجيش — فأناخ راحلته وركبت، وقادها حتى أدرك الجيش. فتلقّف المنافقون الخبر وخاضوا فيه، وخاض معهم بعض المسلمين. ومرضت عائشة شهرًا لا تعلم شيئًا، ثم بلغها فبكت حتى ظنّت أن البكاء فالقٌ كبدها، وقالت لأبويها: «فإني والله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون».

فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات في عشر آيات من سورة النور تُتلى إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. فقالت لها أمها: قومي إليه. فقالت: «والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله». وحلف أبو بكر ألّا ينفق على مِسطح — وكان قريبه وممن خاض — فنزلت: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فأعاد عليه النفقة.

صحيح البخاري ومسلم — حديث الإفك بطوله
٣ – ٧ هـ غزوات وسرايا أخرى

غزوة ذات الرقاع (٤هـ): سُمّيت بذلك لأنهم كانوا يلفّون على أرجلهم الخِرق من شدة الحفاء حتى تساقطت أظفارهم. وفيها شُرعت صلاة الخوف. وفيها قصة الرجل الذي جاءه والسيف مسلول على رأس النبي ﷺ وهو نائم تحت شجرة فقال: من يمنعك مني؟ فقال ﷺ: «الله»، فسقط السيف من يده فأخذه النبي ﷺ فلم يعاقبه.

بدر الموعد (شعبان ٤هـ): كان أبو سفيان قد واعد المسلمين بدرًا في العام القابل، فخرج ﷺ في ألف وخمسمئة وانتظر ثماني ليال، فتراجع أبو سفيان وعاد بجيشه، فرجع المسلمون بغير قتال ومعهم أرباح تجارة — فكان نصرًا معنويًا.

غزوة دُومة الجندل (٥هـ) على تخوم الشام لتأمين طرق التجارة، وغزوة السويق (٢هـ) إثر غارة أبي سفيان الغادرة على أطراف المدينة.

عمرة القضاء (ذو القعدة ٧هـ): دخل ﷺ مكة تنفيذًا لصلح الحديبية في ألفين من أصحابه، وخلت له قريش البلد وصعدوا الجبال ينظرون. فأمر أصحابه أن يرمُلوا في الطواف — أي يُسرعوا في المشي هزًّا للأكتاف — ليُري المشركين قوّتهم بعد أن قالوا: قدِم عليكم قومٌ وهنتهم حُمّى يثرب. وأقام ثلاثًا ثم خرج وفاءً بالشرط. وفي هذه العمرة تزوج ميمونة، وأسلم قبيلها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فقال ﷺ: «إن مكة قد رمَتْنا بأفلاذ كبدها».

سرايا التبليغ ومأساة بئر معونة والرجيع (٤هـ): بعث ﷺ سبعين من القرّاء استجابةً لطلب من زعيمٍ نجدي أن يبعث من يعلّم قومه، فغُدر بهم وقُتلوا جميعًا إلا واحدًا. فقنت ﷺ شهرًا يدعو على من قتلهم، وقال أحد الشهداء وهو يُطعن: «فزتُ ورب الكعبة». وفي الرجيع أُسر خُبيب بن عدي وزيد بن الدَّثِنة فبِيعا لقريش وقُتلا صبرًا. قال أبو سفيان لزيد: أتحب أن محمدًا عندنا مكانك تُضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا في مكانه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي. وكان خُبيب أول من سنّ ركعتين عند القتل.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
ما لم يخرج فيه بنفسه

السرايا والبعوث

إلى جانب نحو ٢٧ غزوة خرج فيها بنفسه، بعث ﷺ نحو ٦٠ سرية — بعضها للقتال، وأكثرها للاستطلاع أو التبليغ أو التأمين أو هدم أوثان. وهذه أبرزها بترتيبها.

١ هـسرايا أولى
سرية حمزة إلى سِيف البحر وسرية عبيدة بن الحارث وسرية سعد بن أبي وقاص — دورياتٌ استطلاعية لتأمين طرق المدينة وإشعار قريش بأن تجارتها لم تعد آمنة. لم يقع فيها قتال يُذكر.
٢ هـرجب
سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة — بعثه ﷺ بكتابٍ مختوم أمره ألّا يفتحه إلا بعد يومين، فلما فتحه وجده أمرًا بالاستطلاع لا القتال. فاجتهد أصحابه فقاتلوا في آخر رجب — وهو شهرٌ حرام — فعظُم ذلك على النبي ﷺ وقال: «ما أمرتكم بقتالٍ في الشهر الحرام». ثم نزل: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. — درسٌ في أن الاجتهاد لا يعصم من الخطأ.
٣ هـ
سرية زيد بن حارثة إلى القَرَدة — اعتراض قافلة قريش التي سلكت طريق العراق بعد أن أُغلق عليها طريق الشام، فأصابوا فضّةً كثيرة. وسرية قتل كعب بن الأشرف — الذي نقض العهد وحرّض على قتل النبي ﷺ وشبّب بنساء المسلمين.
٤ هـصفر
سرية الرَّجيع — بعث عشرة يعلّمون قومًا استنصحوه، فغُدر بهم. أُسر خُبيب بن عدي وزيد بن الدَّثِنة وبيعا لقريش وقُتلا صبرًا. قال أبو سفيان لزيد: أتحبّ أن محمدًا عندنا مكانك وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحبّ أن محمدًا في مكانه تصيبه شوكة وأني جالس في أهلي. وكان خُبيب أول من سنّ ركعتين عند القتل.
٤ هـصفر
بئر معونة — أعظم مصيبة أصابته في أصحابه بعد أُحد: بعث سبعين من القرّاء بطلبٍ من زعيمٍ نجدي، فغدرت بهم عامر وسُليم فقُتلوا جميعًا إلا واحدًا. فقنَت ﷺ شهرًا يدعو على من قتلهم — وما رُئي أشدّ حزنًا منه تلك الأيام. وقال أحدهم وهو يُطعن: «فزتُ وربّ الكعبة».
٦ هـ
سرية عُكل والعُرَنيّين، وسرية محمد بن مسلمة، وسرية عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل — وأوصاه: «اغزُ باسم الله، ولا تغدر ولا تغلل ولا تمثّل ولا تقتل وليدًا». وسرية عليّ إلى فدك.
٧ هـ
سرايا حول خيبر ووادي القرى لتأمين الشمال، منها سرية بشير بن سعد وسرية أبي بكر وسرية عمر وسرية غالب بن عبد الله.
٨ هـقبل الفتح
سرية ذات السلاسل بقيادة عمرو بن العاص، وأمدّه بأبي عبيدة ومعه أبو بكر وعمر — وأمر ﷺ ألّا يختلفوا. وسرية الخبط بقيادة أبي عبيدة، أصابهم فيها جوعٌ شديد حتى أكلوا الخبط (ورق الشجر)، ثم ألقى لهم البحر حوتًا عظيمًا أكلوا منه نصف شهر.
٨ هـبعد الفتح
سرايا هدم الأوثان: خالد بن الوليد إلى العُزّى، وعمرو بن العاص إلى سُواع، وسعد بن زيد إلى مناة؛ ثم في ٩هـ بعد إسلام ثقيف بعث المغيرة وأبا سفيان لهدم اللات بالطائف — تفكيك رموز الشرك بعد سقوط قوّته.
٨ هـدرسٌ قاسٍ
سرية خالد إلى بني جَذيمة — أخطأ خالد في فهم قولهم «صبأنا» فقتل منهم، فلما بلغ النبيَّ ﷺ رفع يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» — قالها مرتين. ثم بعث عليًّا بمالٍ فودى لهم قتلاهم وأموالهم حتى ميلغة الكلب. — تبرّؤٌ علنيّ من خطأ قائدٍ محبوب، وتعويضٌ كامل للضحايا.
٩ – ١٠ هـ
بعوثٌ للتعليم وجمع الزكاة أكثر منها للقتال: معاذ وأبو موسى إلى اليمن، وعليّ إلى اليمن قاضيًا، وخالد إلى بني الحارث بنجران — أمره أن يدعوهم ثلاثًا قبل القتال، فأسلموا فلم يقاتلهم.
١١ هـآخر بعث
جيش أسامة بن زيد إلى تخوم الشام — جهّزه ﷺ في مرض موته وأمّر عليه أسامة وهو ابن ثماني عشرة وفيه كبار المهاجرين. فلما توفي ﷺ واضطربت الجزيرة، أصرّ أبو بكر على إنفاذه وقال: «والله لا أحلّ عقدةً عقدها رسول الله ﷺ».
ملاحظة إحصائية: أكثر هذه السرايا لم يقع فيها قتال، وكثيرٌ منها كان استطلاعًا أو تبليغًا أو تأمينًا لطرق. ومجموع القتلى في العشر سنين كلها — من الطرفين، وبما فيهم بنو قريظة — نحو ألف أو يزيد قليلًا في أكثر التقديرات، وهو عدد ضئيل قياسًا بحروب ذلك الزمان.
لكلٍّ ما يناسبه

وصاياه ﷺ لأصحابه بأعيانهم

لم يكن يعطي وصيةً واحدة للجميع؛ كان ينظر إلى الرجل فيصف له ما ينقصه. وهذه وصاياه لأشخاصٍ بأسمائهم، وكلٌّ منها بابٌ في التربية.

◆ لابن عباس — وهو غلام

«احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك... رُفعت الأقلام وجفّت الصحف».رواه الترمذي وحسّنه

◆ لمعاذ بن جبل

أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك»، ثم أوصاه: «فلا تدعنّ دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وقال له لما بعثه: «وإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم».أبو داود والنسائي، ومتفق عليه

◆ لأبي ذر

«يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحبّ لك ما أحبّ لنفسي: لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تولّينّ مال يتيم» — نصحه بترك ما لا يُحسنه مع أنه من السابقين، حبًّا له لا انتقاصًا.رواه مسلم

◆ للرجل الغضوب

قال رجل: يا رسول الله، أوصني. قال: «لا تغضب». فردّد مرارًا فقال: «لا تغضب». — كلمتان لرجلٍ عرف ﷺ أن داءه فيهما.رواه البخاري

◆ لأبي هريرة

أوصاه بثلاث: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام». — ثلاث عباداتٍ يسيرة دائمة، لا مشقّة تنقطع.متفق عليه

◆ لعبد الله بن عمرو

وكان يصوم النهار ويقوم الليل، فقال له: «صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا». وقال: «أفضل الصيام صيام داود».متفق عليه

◆ لعائشة

«يا عائشة، إياك ومُحقّرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالبًا». وعلّمها دعاء ليلة القدر: «اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعفُ عني». وقال لها: «مهلًا يا عائشة، إن الله يحبّ الرفق في الأمر كله».محقّرات الذنوب: ابن ماجه وأحمد؛ ودعاء ليلة القدر: الترمذي وابن ماجه؛ والرفق: متفق عليه

◆ لأبي أمامة الباهلي

سأله عملًا يدخل به الجنة فقال: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له». — وصفةٌ لرجلٍ يناسبه الصوم، بخلاف من أُمر بغيره.رواه النسائي والحاكم

◆ لسفيان بن عبد الله

قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: «قل: آمنت بالله، ثم استقم».رواه مسلم

◆ لجابر بن سُليم

«لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تُفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط. وإن امرؤٌ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإن أجره لك ووباله عليه». ونهاه عن إسبال الإزار وعن سبّ أحد.رواه أبو داود والترمذي

◆ للحسن بن عليّ — وهو صغير

«دعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك؛ فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة». وعلّمه القنوت في الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت...».رواه الترمذي والنسائي

◆ لأمّته كلها

وصية جامعة في خطبةٍ ذرفت منها العيون: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا؛ فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنواجذ».رواه أبو داود والترمذي وصححه

٢٠ رمضان ٨هـ630م

فتح مكة: يوم المرحمة

الفتح الأعظم — ودخول الناس في دين الله أفواجًا

السبب: نقضت قريش صلح الحديبية بإعانة حلفائها بني بكر على خزاعة حلفاء النبي ﷺ، فبيّتوهم ليلًا وقتلوا منهم حتى في الحرم. فجاء عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة ينشد أبياتًا يستنجد، فقال ﷺ: «نُصرتَ يا عمرو بن سالم». وندم أبو سفيان فجاء المدينة يحاول تجديد العهد فما أُجيب.

فتجهّز ﷺ سرًّا ودعا الله أن يُعمي الأخبار عن قريش، وخرج في عشرة آلاف في رمضان. ولمّا نزلوا مرّ الظهران أمرهم أن يوقد كل رجلٍ نارًا، فأوقدت عشرة آلاف نار أرهبت قريشًا.

ليلة إسلام أبي سفيان: «من دخل داره فهو آمن»

خرج أبو سفيان يتحسّس الأخبار فأخذه العباس وأجاره وأتى به إلى النبي ﷺ. فقال له: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟» قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إلهٌ آخر لقد أغنى عني شيئًا. ثم قال: «ألم يأنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟» قال: في النفس منها شيء. فقال العباس: أسلِم قبل أن تُضرب عنقك. فأسلم.

ثم قال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ يحب الفخر فاجعل له شيئًا. فقال ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن». وأوقفه العباس بمَضيق الوادي حتى مرّت به الكتائب، فلما مرّت كتيبة الأنصار قال سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلّ الكعبة! فلما بلغت النبيَّ ﷺ قال: «كذب سعد، بل اليوم يومٌ يُعظّم الله فيه الكعبة»، ونزع الراية من سعد فدفعها إلى ابنه قيس.

سيرة ابن هشام، وصحيح مسلم في بعضه

الدخول والعفو العام

دخل ﷺ مكة من أعلاها، وقد أمر ألّا يُقاتَل أحد إلا من قاتل. ودخل متواضعًا مُطأطئًا رأسه حتى إن ذقنه ليكاد يمسّ رَحله، يقرأ سورة الفتح ويُرجّع — شكرًا لله لا زهوًا بالنصر. ثم طاف بالبيت وحوله ثلاثمئة وستون صنمًا فجعل يطعنها بعودٍ في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، فتتساقط على وجوهها. وأمر بالصور التي في الكعبة فمُحيت، ودخلها فصلّى فيها. وأمر بلالًا — العبد الذي كان يُعذَّب في رمضائها — أن يعلو ظهر الكعبة فيؤذّن.

ثم وقف على باب الكعبة والناس تحته صفوف — وهم الذين آذوه عشرين سنة، وأخرجوه، وقتلوا أصحابه، ومثّلوا بعمه — فقال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعلٌ بكم؟» قالوا: خيرًا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وقال: «لا تثريب عليكم اليوم» — كما قال يوسف لإخوته.

وعبارة «أنتم الطلقاء» عند البيهقي وابن إسحاق، ومعناها ثابت بإجماع أهل السير على عفوه. ولم يُهدر دمَ إلا نفرٍ قليل جدًّا لجرائم عظيمة، ثم عفا عن أكثرهم حتى عن وحشي قاتل حمزة وهند التي مثّلت به، وعن عكرمة بن أبي جهل، وعن عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي ارتدّ وافترى. وأعاد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وقال: «خذوها يا بني أبي طلحة خالدةً تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم» — مع أنه كان قد منعه دخول الكعبة قبل الهجرة. ثم أعلن: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية»، وحرّم القتال في مكة إلى يوم القيامة.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
رسائل الملوك (٧هـ)

بعد الحديبية راسل هرقل عظيم الروم، وكسرى فارس، والمقوقس عظيم القبط، والنجاشي، وملوك العرب: «أسلِم تسلَم، يؤتك الله أجرك مرتين». ومزّق كسرى الكتاب فدعا عليه: «مزّق الله ملكه».

هرقل وأبو سفيان

استجوب هرقل أبا سفيان عن النبي ﷺ، فشهد أبو سفيان — وهو عدوّه يومئذ — بصدقه وشرف نسبه ووفائه، فقال هرقل: إن يكُ ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين.

عام الوفود (٩هـ)

تقاطرت وفود العرب على المدينة معلنةً إسلامها بعد أن رأت انتصار الحق، فأرسل ﷺ معهم المعلمين والولاة والسعاة.

حج أبي بكر (٩هـ)

أمّر ﷺ أبا بكر على الحج، وبعث عليًّا ينادي ببراءة: ألا لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.

٧ – ١٠ هـ628–632م

الرسائل إلى الملوك وعام الوفود

من دعوةٍ محلية إلى خطابٍ عالمي

بعد أن أمّن ﷺ جبهته الداخلية بصلح الحديبية، اتخذ خاتمًا نُقش عليه «محمد رسول الله» — لأن الملوك لا يقرؤون كتابًا غير مختوم — وأرسل ستة من أصحابه إلى ملوك الأرض في وقتٍ واحد تقريبًا (٦–٧هـ)، بخطاباتٍ متقاربة قوامها: «أسلِم تسلَم، يؤتك الله أجرك مرتين» — وفي كتاب هرقل: «فإن تولّيت فإن عليك إثم الأريسيّين»، وفي كتاب كسرى: «إثم المجوس»، وفي كتاب المقوقس: «إثم القبط».

هرقل عظيم الروم: تحقيقٌ مع عدوٍّ فشهد بالصدق

لما وصل كتاب النبي ﷺ إلى هرقل — وكان بإيلياء — أمر أن يُبحث له عن أحدٍ من قوم هذا الرجل، فوُجد أبو سفيان في ركبٍ تجّار بالشام، وكان يومئذ على شركه في مدة الهدنة. فأدخلهم عليه وأجلس أبا سفيان أمامه وأصحابه خلفه وقال لهم: إن كذب فكذّبوه. ثم سأله بسلسلة أسئلة عجيبة:

كيف نسبه فيكم؟ — هو فينا ذو نسب. فهل قال هذا القول أحدٌ منكم قبله؟ — لا. فهل كان من آبائه من ملك؟ — لا. فأشرافُ الناس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ — بل ضعفاؤهم. أيزيدون أم ينقصون؟ — بل يزيدون. فهل يرتدّ أحدٌ سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ — لا. فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ — لا. فهل يغدر؟ — لا. بماذا يأمركم؟ — يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

قال أبو سفيان: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عليه. ثم فسّر هرقل كل جواب: النسب الشريف كذلك تُبعث الرسل، ولو قالها أحدٌ قبله لقلت رجلٌ يأتسي بقولٍ قيل، ولو كان في آبائه ملكٌ لقلت رجلٌ يطلب مُلك أبيه، وأتباع الرسل هم الضعفاء، والزيادة هي أمر الإيمان حتى يتمّ، وترك الكذب على الناس ثم الكذب على الله لا يكون، والرسل لا تغدر. ثم قال: «فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين». ثم دعا عظماء الروم إلى الإسلام فنفروا نفرةً شديدة فخافهم على ملكه فأمسك، وقال: إنما كنت أختبر شدّتكم على دينكم.

صحيح البخاري — أول كتاب بدء الوحي

◆ كسرى ملك فارس

مزّق كتاب النبي ﷺ واستكبر، فلما بلغه ذلك قال: «مزّق الله ملكه» — فقُتل كسرى على يد ابنه شيرويه، ثم تمزّقت دولة فارس كلها في خلافة عمر. وأمر عامله على اليمن أن يأتيه بالنبي ﷺ، فأخبر ﷺ رسوليه بمقتل كسرى في تلك الليلة فأسلما.صحيح البخاري، والبيهقي

◆ المقوقس عظيم القبط بمصر

لم يُسلم لكنه أحسن الردّ وأهدى للنبي ﷺ هدايا، منها مارية وأختها سيرين، وبغلة «دُلدُل»، وثياب. ويُروى أنه ﷺ قال: «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه» — ولا يثبت إسناده. وأوصى ﷺ بأهل مصر خيرًا: «فإن لهم ذمّةً ورحمًا».وصية أهل مصر في صحيح مسلم

◆ النجاشي ملك الحبشة

أسلم رضي الله عنه، وزوّج النبيَّ ﷺ أمَّ حبيبة وأصدق عنها. فلما مات نعاه ﷺ لأصحابه في اليوم الذي مات فيه وصلّى عليه صلاة الغائب.متفق عليه

◆ ملوك العرب وغيرهم

كتب إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين فأسلم، وإلى هَوذة بن علي صاحب اليمامة فطلب أن يُشركه في الأمر فأبى ﷺ، وإلى الحارث الغساني، وإلى ملكَي عُمان جيفر وعبد فأسلما.كتب السير والرسائل النبوية

عام الوفود: العرب تدخل في دين الله أفواجًا

لما فُتحت مكة قالت العربُ: إن ظهر عليهم فهو نبي. فتقاطرت الوفود على المدينة من كل صوب حتى بلغت نحو سبعين وفدًا، منها: وفد عبد القيس — وقال لهم ﷺ: «مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» — ووفد بني تميم، ووفد طيّئ ومعهم عدي بن حاتم الذي جاء نصرانيًّا فأسلم، ووفد ثقيف بعد أن حاصرهم، ووفد نجران من النصارى وقصة المباهلة، ووفد فروة بن عمرو الجذامي، ووفد بني سعد بن بكر ومعهم ضِمام بن ثعلبة الذي سأل النبي ﷺ أسئلته الشهيرة ثم قال: «آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسول من ورائي من قومي».

وكان ﷺ يُكرم وفودهم ويُجيزهم بالعطايا ويبعث معهم المعلمين يفقّهونهم والسعاة يجمعون زكاتهم — منهم معاذ بن جبل إلى اليمن، وقال له كلمته الجامعة: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله... وإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». ووصّى أمراءه: «يسّرا ولا تُعسّرا، وبشّرا ولا تُنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا».

وفي ذلك نزلت آخر سورة كاملة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ۝ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۖ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
ذو الحجة ١٠هـ632م

حجة الوداع: البلاغ الأخير

عرفات — أمام نحو مئة ألف من أصحابه

أعلن ﷺ في المدينة أنه حاجٌّ، فقدِم عليه بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ به ويعمل مثل عمله. فخرج ﷺ وأحرم بذي الحُليفة، وقال حين استوت به راحلته: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، فارتجّت الأرض بالتلبية. وطاف وسعى ورمى ونحر، وعلّم الناس مناسكهم بفعله وقال: «لتأخذوا عني مناسككم».

خطبة عرفة: دستور الإنسانية

خطب ﷺ الناس يوم عرفة على ناقته القصواء في بطن وادي عُرَنة، وربيعة بن أمية يُبلّغ عنه الناس، فقال:

«أيها الناس، اسمعوا قولي؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا.

إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.

ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع. ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضعه دمُنا: دم ابن ربيعة بن الحارث. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضعه ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.

فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله... ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف.

وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله.

وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد».

وقال في خطبةٍ له بمنى في أيام التشريق من الحجة نفسها: «يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد؛ ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى» — إعلانٌ لمساواة البشر سبقَ كل مواثيق الأرض بقرون.

صحيح مسلم — حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ، ومسند أحمد

«أيّ يومٍ هذا؟»

وخطب ﷺ يوم النحر فقال: «أيّ يومٍ هذا؟» فسكتوا حتى ظنّوا أنه سيسمّيه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قالوا: بلى. قال: «أيّ شهرٍ هذا؟… أليس ذا الحجة؟» قالوا: بلى. قال: «أيّ بلدٍ هذا؟… أليست البلدة الحرام؟» قالوا: بلى. قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم. ألا هل بلّغت؟» قالوا: نعم. قال: «اللهم اشهد، فليبلّغ الشاهدُ الغائب؛ فرُبّ مبلَّغٍ أوعى من سامع».

متفق عليه — من حديث أبي بكرة

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾

[المائدة: 3] — نزلت عليه وهو واقفٌ بعرفة يوم جمعة. قال يهوديٌّ لعمر: لو نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا يومها عيدًا. فقال عمر: قد عرفنا اليوم والمكان الذي نزلت فيه.

لماذا سُمّيت حجة الوداع؟ لأن الصحابة فهموا من قوله «لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» أنه يودّعهم. ونزلت بعدها سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، ففهم ابن عباس وعمر أنها نَعْيُ رسول الله ﷺ إلى نفسه — أي إعلامٌ باقتراب أجله بعد تمام البلاغ.
١٢ ربيع الأول ١١هـيونيو 632م

المرض والوفاة: إلى الرفيق الأعلى

المدينة المنورة — وعمره ٦٣ سنة

بعد رجوعه من حجة الوداع بنحو ثلاثة أشهر بدأت مقدمات الوداع: خرج إلى شهداء أُحد فصلّى عليهم كالمودّع للأحياء والأموات، ثم قال على المنبر: «إن عبدًا خيّره الله بين أن يُؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده». فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! فعجب الناس من بكائه لخبرٍ عن عبدٍ خُيّر — وكان أبو بكر أعلمهم؛ فقد فهم أن المُخيَّر هو رسول الله ﷺ. ثم قال: «إن أمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوّة الإسلام ومودّتها. لا يبقينّ في المسجد بابٌ إلا سُدّ إلا باب أبي بكر».

ثم بدأ به الوجع في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه أن يُمرَّض في بيت عائشة فأذنّ له، فخرج يمشي بين رجلين تخُطّ قدماه الأرض، وعُصب رأسه من شدة الصداع.

وصاياه الأخيرة وآخر نظرةٍ لأصحابه

ويُروى — عند ابن سعد والطبراني بإسناد ضعيف — أنه ﷺ خرج في مرضه معصوب الرأس فصعد المنبر وقال: «أيها الناس، من كنت جلدتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمتُ له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه» — يخرج من الدنيا لا تبعةَ لأحدٍ عليه.

ولمّا اشتد به الوجع قال: «مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس». فقالت عائشة: إنه رجلٌ رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يُسمع الناس من البكاء. فأعادها ثلاثًا وقال: «إنكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس». فصلّى أبو بكر بالناس أيامه تلك.

وفي آخر يوم من حياته — وهو يوم الاثنين — والناس صفوفٌ خلف أبي بكر في صلاة الفجر، كشف ﷺ سِتر حجرته ونظر إليهم وهم صفوف، فتبسّم يضحك. قال أنس: فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤيته، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظنّ أنه خارج للصلاة. فأشار إليهم ﷺ أن أتمّوا صلاتكم، ثم أرخى الستر. وكانت تلك آخر نظرةٍ نظرها إليهم.

ومن آخر ما وصّى به: «الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم» (أبو داود وأحمد) — يردّدها وما يكاد يُفيض بها لسانه. وقال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» — يُحذّر أمته أن تفعل بقبره ما فعلوا. وقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم».

صحيح البخاري ومسلم

«اللهم الرفيق الأعلى»

قالت عائشة رضي الله عنها: مات رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي وبين سَحري ونَحري. ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك رطب، فنظر إليه ﷺ نظرًا عرفت منه أنه يريده، فأخذته فلينته له فاستنّ به كأحسن ما كان يستنّ — فجُمع له في آخر ساعة من الدنيا بين ريقي وريقه.

وكان بين يديه رَكوةٌ فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». ثم نصب يده ورفع إصبعه وجعل يقول: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين... اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى»، حتى قُبض ومالت يده. تُوفّي ﷺ ضحى يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة للهجرة.

صحيح البخاري ومسلم — من حديث عائشة رضي الله عنها

أثر سمّ خيبر: «فهذا أوان انقطاع أبهري»

قال ﷺ في مرض موته لعائشة: «يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبهري من ذلك السمّ» — فجمع الله له بين النبوة والشهادة.

ولم يترك ﷺ دنيا: قال عمرو بن الحارث: ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة. وقال: «لا نورَث، ما تركنا صدقة». ومات ودرعه مرهونة عند يهوديٍّ في ثلاثين صاعًا من شعير.

وتُوفي يوم الاثنين، ودُفن ليلة الأربعاء؛ قالت عائشة: ما علمنا بدفنه حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل — وذلك لانشغال الناس بأمر البيعة، ثم ليصلّي عليه الناس أفواجًا بلا إمام.

البخاري معلّقًا وأبو داود في السمّ؛ وحديث ما تركه في البخاري؛ و«لا نورث» متفق عليه؛ وخبر الدفن عند أحمد وابن إسحاق

خطبة أبي بكر التي أنقذت الأمة

اضطرب المسلمون اضطرابًا شديدًا؛ قام عمر يقول: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وإنه والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى، وليرجعنّ فليقطعنّ أيدي رجالٍ وأرجلهم. وأقبل أبو بكر من مسكنه بالسُّنح، فدخل على النبي ﷺ فكشف عن وجهه وقبّله وقال: بأبي أنت وأمي، طبتَ حيًّا وميتًا. ثم خرج إلى الناس فقال:

«أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»

ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقِرت حتى ما تُقلّني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض. وقال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر.

ثم غُسّل ﷺ في ثيابه — لم يُجرّد كما يُجرّد سائر الموتى — غسّله علي والعباس وابناه والفضل وأسامة وشُقران، وكُفّن في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحوليّة ليس فيها قميص ولا عمامة. وصلّى عليه المسلمون أفرادًا بلا إمام؛ يدخل الرجال فيصلون ثم يخرجون، ثم النساء، ثم الصبيان. ودُفن في حجرة عائشة في الموضع الذي قُبض فيه — أخذًا بقول أبي بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قُبض نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض» — ولحد له أبو طلحة. وهناك قبره الشريف اليوم في المسجد النبوي.

قال أنس: ما نفضنا أيدينا من تراب قبره حتى أنكرنا قلوبنا. وقالت فاطمة رضي الله عنها: يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه. — ثم لم تلبث بعده إلا ستة أشهر حتى لحقت به، وكان ﷺ قد أسرّ إليها أنها أول أهله لحوقًا به فضحكت.

صحيح البخاري ومسلم
يومًا بيوم

أيامه الأخيرة ﷺ: من أول المرض إلى آخر نَفَس

نحو ثلاثة عشر يومًا من بدء الوجع إلى الوفاة، نقلها أصحابه ونساؤه بتفصيلٍ عجيب: ما قال، وأين نام، ومتى صلّى، وماذا كان آخر ما نطق به.

قبل المرضمقدّمات
خرج إلى شهداء أُحد فصلّى عليهم كالمودّع للأحياء والأموات، ثم صعد المنبر فقال: «إني فَرَطٌ لكم وأنا شهيدٌ عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن… وإني والله ما أخاف عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».
خطبة المنبر
قال: «إن عبدًا خيّره الله بين أن يُؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده» — فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجب الناس، وكان أبو بكر أعلمهم. ثم قال: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر… سدّوا عني كل خَوخةٍ إلا خَوخة أبي بكر».
بدء الوجعبيت ميمونة
بدأ به الصداع والحمّى في بيت ميمونة، وكان يقول: «وا رأساه». وقال لعائشة مازحًا وهي تشكو رأسها: «بل أنا وا رأساه». وأخبر أنه لو مات لقام عليها فصلّى ودفنها.
الاستئذان
استأذن نساءه أن يُمرَّض في بيت عائشة فأذنّ له، فخرج يمشي بين رجلين تخُطّ قدماه الأرض — بين العباس ورجلٍ آخر — ورأسه معصوب.
خطبة الاستقادة
ويُروى (ابن سعد والطبراني بإسناد ضعيف) أنه خرج معصوب الرأس فصعد المنبر فقال: «من كنت جلدتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمتُ له عرضًا فهذا عرضي، ومن أخذتُ له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه». فقام رجل يطلب ثلاثة دراهم فأمر بها له. ثم أوصى بـالأنصار: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم».
اشتداد الوجع
اشتدّ به فقال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، فراجعته عائشة ثلاثًا خشية أن يتشاءم الناس بمقامه مقامه، فقال: «إنكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس». فصلّى بهم نحو سبع عشرة صلاة في تلك الأيام. وخرج مرة يُهادى بين رجلين فصلّى خلف أبي بكر — وقيل أمّهم جالسًا وأبو بكر يُسمع الناس التكبير.
الوصايا
أوصى وهو يجود بنفسه: «الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم» يردّدها وما يكاد يُفيض بها لسانه. وقال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر أمّته أن تصنع بقبره ما صنعوا. وقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، و«أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم».
جيش أسامة
أصرّ على إنفاذ جيش أسامة وهو في مرضه، وقال لمن طعن في تأميره: «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل». فأنفذه أبو بكر بعده وقال: «والله لا أحلّ عقدةً عقدها رسول الله ﷺ».
فاطمة
دعا ابنته فاطمة فسارّها فبكت، ثم سارّها فضحكت: أخبرها أنه يُقبض في وجعه هذا، ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقًا به وأنها سيدة نساء أهل الجنة. ولمّا رأت شدّة كربه قالت: واكرب أبتاه! فقال: «ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم».
الاثنين فجرًاآخر نظرة
والناس صفوفٌ خلف أبي بكر في صلاة الفجر، كشف سِتر الحجرة ونظر إليهم فتبسّم يضحك. قال أنس: فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤيته. ونكص أبو بكر ليصل الصف ظنًّا أنه خارج، فأشار إليهم أن أتمّوا صلاتكم، ثم أرخى الستر. فكانت آخر نظرةٍ نظرها إليهم.
الضحىالسواك
دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواكٌ رطب، فنظر إليه نظرًا عرفت عائشة أنه يريده، فأخذته فلانته له فاستنّ به كأحسن ما كان يستنّ — فجُمع له في آخر ساعةٍ من الدنيا بين ريقي وريقه.
اللحظة الأخيرة
بين يديه رَكوة فيها ماء، يُدخل يديه فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». ثم نصب يده ورفع إصبعه وجعل يقول: «مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين… اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى» — حتى قُبض ومالت يده، ورأسه بين سَحرها ونَحرها.
١٢ ربيع الأولضحى الاثنين ١١هـ
اضطرب المسلمون، وقام عمر ينكر موته، حتى جاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبّله وقال: «طبتَ حيًّا وميتًا»، ثم خطب: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»، وتلا ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾. قال عمر: فعَقِرت حتى ما تُقلّني رجلاي.
الغسل والدفن
غُسّل في ثيابه لم يُجرّد، غسّله عليٌّ والعباس وابناه وأسامة وشُقران. وكُفّن في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحوليّة ليس فيها قميصٌ ولا عمامة. وصلّى عليه المسلمون أفرادًا بلا إمام: الرجال ثم النساء ثم الصبيان. ودُفن في حجرة عائشة حيث قُبض، ولَحَد له أبو طلحة. قال أنس: ما نفضنا أيدينا من تراب قبره حتى أنكرنا قلوبنا.
كل ما في هذا الجدول مخرَّجٌ في الصحيحين إلا يسيرًا في السنن. وفي تحديد عدد أيام مرضه خلافٌ بين أهل السير (بين عشرة وأربعة عشر يومًا)، وقد أثبتنا المشهور.
صفته وأخلاقه

شمائله ﷺ: أكمل الخَلق خَلْقًا وخُلُقًا

وصفه أصحابه الذين عاشوا معه وصفًا دقيقًا حفظته دواوين السنة، في هيئته الشريفة وأخلاقه وعبادته وحياته اليومية.

◆ هيئته الشريفة

كان رَبعةً من القوم، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، أزهرَ اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، رَجِل الشعر يبلغ شحمة أذنيه، عظيم الهامة، واسع العينين، أهدب الأشفار، بعيد ما بين المنكبين.من وصف أنس والبراء وعلي — رواه البخاري ومسلم والترمذي

◆ وجهه كالقمر

سُئل البراء: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: «لا، بل مثل القمر». وقال جابر بن سمرة: رأيته في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلَهو عندي أحسن من القمر.رواه البخاري والترمذي

◆ خاتم النبوة

كان بين كتفيه خاتم النبوة، مثل زِرّ الحَجَلة، عليه خِيلان كأمثال الثآليل. رآه غير واحد من أصحابه ووصفوه.رواه مسلم

◆ الرحمة

ما ضرب بيده شيئًا قط، لا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وكان يسمع بكاء الصبي في الصلاة فيخفّفها مخافة أن يشقّ على أمه. وقبّل الحسن فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا! فقال: «من لا يَرحم لا يُرحم».متفق عليه

◆ التواضع

كان في مهنة أهله: يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. ويجيب دعوة المملوك، ويعود المريض، ويمشي مع الأرملة والمسكين في حاجتهما، ويجلس حيث ينتهي به المجلس، ويمرّ بالصبيان فيسلّم عليهم.رواه أحمد والبخاري والترمذي

◆ الكرم والجود

كان أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلَهو أجود بالخير من الريح المرسلة. وما سُئل شيئًا قط فقال: لا. وأعطى رجلًا غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه يقول: أسلِموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.متفق عليه، ومسلم

◆ الشجاعة

قال علي: كنا إذا احمرّ البأس واشتد القتال اتقينا برسول الله ﷺ، فما يكون أحدٌ منا أقرب إلى العدو منه. وثبت يوم أُحد ويوم حنين حين انكشف الناس. وفزع أهل المدينة ليلًا فسبقهم إلى الصوت راجعًا وهو يقول: «لن تُراعوا، لن تُراعوا».رواه أحمد ومسلم والبخاري

◆ الحِلم والعفو

ما انتقم لنفسه قط، إنما ينتقم إذا انتُهكت حرمات الله. جبذه أعرابي بردائه جبذةً شديدة أثّرت في عاتقه ثم قال: مُرْ لي من مال الله الذي عندك — فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وعفا عن أهل مكة، وعن اليهودية التي سمّته.متفق عليه

◆ لين الكف وطيب الريح

قال أنس: ما مسستُ حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممتُ ريحًا قط أطيب من ريحه. وخدمته عشر سنين فما قال لي أفٍّ قط، ولا لشيء صنعتُه: لِمَ صنعتَ؟ ولا لشيء تركته: ألا صنعتَ؟متفق عليه

◆ عبادته

كان يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». وكان يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة، وقيل: مئة مرة.متفق عليه، ومسلم

◆ زهده في الدنيا

كان ينام على حصيرٍ يؤثّر في جنبه، وما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قُبض. ويمرّ الهلال والهلالان والهلال الثالث وما أُوقدت في أبياته نار، إنما هو الأسودان: التمر والماء.متفق عليه — من حديث عائشة

◆ ضحكه ومزاحه

كان جُلّ ضحكه التبسّم، وكان يمزح ولا يقول إلا حقًّا: قال لعجوز: «لا تدخل الجنة عجوز» ثم فسّر أنهنّ يُنشَأن شبابًا. وقال لرجل: «إني حاملك على ولد الناقة»، فقال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال: «وهل تلد الإبلَ إلا النوق؟».رواه الترمذي وأبو داود

بلسانه هو

كيف وصف ﷺ نفسه؟

أدقّ ما يُعرف به الرجل ما يقوله عن نفسه حين لا يُطلب منه المدح. وهذه جملةُ ما وصف به نفسه ﷺ، وأكثره في مقام التواضع أو البيان لا المفاخرة.

◆ «إنما أنا عبد»

  • «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».
  • «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله».
  • «لا تفضّلوني على يونس بن متّى»، و«لا تخيّروني على موسى».
  • ودخل عليه رجل فأخذته الرعدة فقال: «هوّن عليك، فإني لست بملك؛ إنما أنا ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد».
  • «إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكّروني».
  • و«إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ… فمن قضيتُ له بحقّ أخيه فإنما أقطع له قطعةً من النار».

◆ «إنما بُعثتُ…»

  • «إنما بُعثتُ لأتمّم صالح الأخلاق».
  • «إن الله لم يبعثني معنّتًا ولا متعنّتًا، ولكن بعثني معلّمًا ميسّرًا» — رواه مسلم.
  • «إنما أنا رحمةٌ مهداة»، و«إني لم أُبعث لعّانًا، وإنما بُعثتُ رحمة».
  • «بُعثتُ إلى الأحمر والأسود»، و«كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس كافّة».
  • «بُعثتُ أنا والساعة كهاتين» وقرن بين إصبعيه.

◆ نسبه ومكانته

  • «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» — وقيّدها بـ«ولا فخر» نفيًا للخيلاء.
  • «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى عيسى، ورؤيا أمّي التي رأت حين وضعتني».
  • «إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
  • «أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب».
  • «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم» قالوا: وأنت؟ قال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة».

◆ في مواطن الشدّة

  • يوم حنين وقد انكشف الناس: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
  • ويوم الغار: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟».
  • وفي الطائف: «إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي».
  • وحين قيل له: ألا تستنصر؟ قال: «إن من كان قبلكم يُمشَّط بأمشاط الحديد… وليتمّنّ الله هذا الأمر ولكنكم تستعجلون».
  • وحين آذوه في قسمة: «رحم الله موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر».

◆ عن حاله في الدنيا

  • «ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها».
  • «لو كان لي مثل أُحدٍ ذهبًا ما يسرّني ألّا يمرّ عليّ ثلاثٌ وعندي منه شيءٌ إلا شيءٌ أرصده لدَين».
  • «ما شبع آل محمدٍ من خبز شعيرٍ يومين متتابعين» — كما وصفت عائشة حاله.
  • «إني لست كهيئتكم، إني أُطعَم وأُسقى» — في نهيه عن الوصال.
  • «ولقد أُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد، ولقد أُخِفتُ في الله وما يُخاف أحد».

◆ عن أمّته

  • «إني فَرَطكم على الحوض»، و«إني لأنظر إلى حوضي الآن».
  • «مثلي كمثل رجلٍ استوقد نارًا… فأنا آخذٌ بحُجَزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها».
  • «أنا لكم فَرَط، وأنا شهيدٌ عليكم».
  • «ما من نبيٍّ إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر… فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».
  • «ووددتُ أني قد رأيتُ إخواني» قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد».
الانطباع الأول

أول لقاء: ماذا قال من رآه أول مرة؟

شهادات أناسٍ رأوه لأول مرة — بعضهم جاء عدوًّا وبعضهم غريبًا وبعضهم شاكًّا — فسجّلوا انطباعهم قبل أن يعرفوه.

◆ عبد الله بن سلام

حَبرُ يهود المدينة، ذهب لينظر إليه يوم قدومه، فلما تبيّن وجهه قال: «فعرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب». وأول ما سمعه منه: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».رواه الترمذي وابن ماجه، وأصل القصة في البخاري

◆ أم معبد الخزاعية

رأته ساعةً في خيمتها وهو مطارَدٌ في الهجرة، فوصفته لزوجها وصفًا صار من أشهر ما وُصف به: «ظاهر الوَضاءة، أبلج الوجه… إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء… أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب… لا عابسٌ ولا مُفنِّد».رواه الحاكم والطبراني والبيهقي

◆ عديّ بن حاتم

جاء نصرانيًّا متردّدًا، فرأى ثلاثًا في دقائق: وقف مع امرأةٍ ضعيفة طويلًا في الطريق — «فقلت: والله ما هذا بملك» — ثم ألقى إليه وسادةً وجلس هو على الأرض — «فقلت: والله ما هذا بأمر ملك» — ثم أخبره بما في نفسه من أمر دينه فقال: «فعرفتُ أنه نبيٌّ مرسل».رواه الترمذي وأحمد

◆ ضِمام بن ثعلبة

أعرابيّ دخل المسجد فلم يعرفه من بين أصحابه فقال: «أيّكم ابن عبد المطلب؟» ثم قال: إني مُشدِّدٌ عليك في المسألة فلا تجد عليّ. فقال: «سل عمّا بدا لك». فسأله مستحلفًا بالله، ثم قال: «آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسول من ورائي من قومي». فقيل: ما رأينا وافد قومٍ أفضل من ضمام.متفق عليه

◆ عمير بن وهب

جاء بسيفٍ مسموم ليقتله، فأخبره ﷺ بما تعاهد عليه سرًّا مع صفوان في الحِجْر ولم يعلمه أحد، فقال: «أشهد أنك رسول الله! ما أخبرك بهذا إلا الله». قال عمر: لَلخنزير كان أحبّ إليّ منه حين طلع، ولَهو اليوم أحبّ إليّ من بعض ولدي.سيرة ابن هشام والبيهقي

◆ ثمامة بن أثال

أُسر وربط في المسجد ثلاثة أيام، ثم أُطلق بلا شرط، فاغتسل ورجع فأسلم وقال: «والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ».متفق عليه

◆ عتبة بن ربيعة

جاء مساومًا فاستمع إليه ﷺ حتى فرغ ثم قرأ عليه صدر فصّلت، فرجع إلى قريش يقول: «والله لقد سمعتُ قولًا ما سمعتُ مثله قط؛ ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة… ليكوننّ لقوله الذي سمعتُ نبأ».سيرة ابن هشام

◆ الطفيل الدوسي

حشا أذنيه بالقطن لئلا يسمعه، ثم سمع رغمًا عنه فقال في نفسه: أنا رجلٌ لبيبٌ شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فاستمع فقال: «فوالله ما سمعتُ قولًا قط أحسن منه ولا أمرًا أعدل».سيرة ابن هشام

◆ جابر بن سُليم

أعرابيّ قدم المدينة فرأى رجلًا يصدر الناس عن رأيه فقال: من هذا؟ قالوا: رسول الله. فقال: عليك السلام يا رسول الله. فقال: «لا تقل: عليك السلام؛ فإن عليك السلام تحيّة الموتى، قل: السلام عليك». ثم أوصاه بوصايا صار يعمل بها عمره كله.رواه أبو داود والترمذي

◆ رجلٌ ارتعد من هيبته

جاءه رجل فأخذته الرعدة حين كلّمه من هيبته، فقال ﷺ: «هوّن عليك، فإني لست بملك؛ إنما أنا ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد» — يزيل الحاجز الذي بينه وبين الناس بنفسه.رواه ابن ماجه والحاكم

◆ هرقل — من بعيد

لم يره قط، لكنه استجوب أبا سفيان بأسئلةٍ دقيقة عن نسبه وصدقه وأتباعه وغدره، ثم قال: «فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين».صحيح البخاري

◆ وأصحابه بعد سنين

قال عمرو بن العاص بعد إسلامه: وما كان أحدٌ أحبّ إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينيّ منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما استطعت؛ لأني لم أكن أملأ عينيّ منه.رواه مسلم

كأنك تراه

وصفه ﷺ من رأسه إلى قدمه

جمع أهل العلم أوصافه من أحاديث عليّ وأنس والبراء وجابر بن سمرة وهند بن أبي هالة وأم معبد، حتى صار أدقّ وصفٍ لبشرٍ في التاريخ. وهذا مجموعها مرتّبًا.

◆ قامته ولونه

  • ربعةٌ من القوم: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردّد — وإذا مشى مع الطوال بدا أطول منهم.
  • أزهر اللون: أبيض مشرَبٌ بحمرة، ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم.
  • عظيم الهامة، عريض ما بين المنكبين، ضخم الكراديس (رؤوس العظام).
  • ليس بالمُطهَّم ولا المكلثم — أي متناسق لا بدين ولا نحيف.
  • وقال أنس: «ما مسستُ حريرًا ولا ديباجًا ألين من كفّ رسول الله ﷺ».

◆ وجهه

  • سُئل البراء: أكان وجهه مثل السيف؟ قال: «لا، بل مثل القمر».
  • قال جابر بن سمرة: رأيته في ليلةٍ إضحيان وعليه حلّةٌ حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلَهو عندي أحسن من القمر.
  • «إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر».
  • مستدير الوجه أَسيله، واسع الجبين، أقنى العِرنين (دقيق الأنف مع ارتفاع في وسطه) له نورٌ يعلوه.
  • كثّ اللحية، سهل الخدّين، ضليع الفم (واسعه) — وكانت العرب تمدح بذلك.

◆ عيناه وأسنانه

  • أدعج العينين: شديد سواد العين مع سعتها، أهدب الأشفار طويل الرموش.
  • في بياض عينيه عروقٌ حمر رقيقة.
  • ويُروى بإسنادٍ ضعيف أنه كان يرى في الظلمة كما يرى في الضوء.
  • مُفلّج الأسنان: بين ثناياه فُرجة يسيرة، وإذا تكلّم رُئي كالنور يخرج من بين ثناياه.
  • وكُسرت رَباعيته السفلى يوم أُحد.

◆ شعره

  • رَجِل الشعر: ليس بالسبط المسترسل ولا الجعد القطط.
  • يبلغ شحمة أذنيه، وربما بلغ منكبيه، وكان يفرقه أحيانًا ويسدله أحيانًا.
  • لم يكن في رأسه ولحيته إلا نحو عشرين شعرة بيضاء حين توفي.
  • وكان يرجّله ويدهنه ويكثر القِناع حتى كأن ثوبه ثوب زيّات.

◆ خاتم النبوة

  • بين كتفيه عند ناغض كتفه الأيسر.
  • وصفوه: «مثل زِرّ الحَجَلة» — أي كبيضة الحمام، وقيل كالبندقة من لحم.
  • عليه خِيلانٌ كأمثال الثآليل، وقيل: مثل التفاحة.
  • وبه عرفه سلمان الفارسي حين ألقى ﷺ الرداء عن ظهره، فانكبّ عليه يقبّله ويبكي.

◆ يداه وقدماه وريحه

  • ضخم الكفّين والقدمين، شَثن الكفّين — أي غليظهما في غير خشونة.
  • سائل الأطراف، طويل الزندين، رحب الراحة.
  • «ولا شممتُ ريحًا قط أطيب من ريح رسول الله ﷺ» — قالها أنس، وكان يُعرف بريحه إذا أقبل.
  • وكان عَرَقه كاللؤلؤ، وأم سليم تجمعه في قارورة وتقول: هو من أطيب الطيب.
  • ومسح على رؤوس صبيان فكانت تُعرف رؤوسهم من ريح يده.
قال عليّ رضي الله عنه بعد أن وصفه: «لم أرَ قبله ولا بعده مثله ﷺ». وجمهور هذه الأوصاف في صحيح البخاري ومسلم و«الشمائل المحمدية» للترمذي، وبعضها في حديث هند بن أبي هالة وفي إسناده كلامٌ يسير وقد تلقّاه أهل العلم بالقبول في الشمائل.
يرويه عن ربّه

ما رواه ﷺ عن ربّه: الأحاديث القدسية

نوعٌ خاصّ ممّا بلّغه ﷺ: معناه من الله ولفظه منه ﷺ، بخلاف القرآن المتعبَّد بتلاوته والمعجز بلفظه. وأكثرها في الرحمة والرجاء.

«يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ خيرٍ منهم»

متفق عليه

«يا عبادي، إني حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلتُه بينكم محرّمًا فلا تظالموا… يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها»

رواه مسلم — حديث أبي ذر الطويل

«يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي… يا ابن آدم، لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقُرابها مغفرة»

رواه الترمذي وحسّنه

«من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب… وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه»

رواه البخاري

«سبقت رحمتي غضبي»

متفق عليه

«أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر»

متفق عليه

«الكِبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار»

رواه أبو داود وابن ماجه، وأصله في مسلم بلفظ: «العزّ إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذّبته»

«الصوم لي وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي»

متفق عليه

«ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأُعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟»

متفق عليه

«قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله: حمدني عبدي»

رواه مسلم

«ابن آدم، أنفِق أُنفِق عليك»

متفق عليه

«فيقول الله: أخرِج من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من إيمان»

متفق عليه — من حديث الشفاعة

الفرق بين القرآن والحديث القدسي: القرآن لفظه ومعناه من الله، متعبَّدٌ بتلاوته، معجِز، منقولٌ بالتواتر، لا يمسّه إلا طاهر، ويُقرأ في الصلاة. أما الحديث القدسي فمعناه من الله ولفظه من النبي ﷺ، وليس متعبَّدًا بتلاوته ولا يُقرأ في الصلاة، ومنه الصحيح والضعيف كسائر الحديث.
إنسانٌ يُوحى إليه

مشاعره ﷺ: متى بكى؟ ومتى ضحك؟ ومتى غضب؟

لم يكن ﷺ صنمًا من وقار؛ كان يبكي ويضحك ويغضب ويفرح — لكن كلٌّ في موضعه. وهذه المواضع كما نقلها أصحابه.

◆ متى بكى؟

  • على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
  • على ابن ابنته وهو في النزع، فقال سعد: ما هذا؟ قال: «هذه رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده».
  • على قبر أمّه بعد خمسين سنة، فبكى وأبكى من حوله.
  • عند سماع القرآن: قال لابن مسعود «اقرأ عليّ»، فلما بلغ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد﴾ قال: «حسبك» — وإذا عيناه تذرفان.
  • على شهداء أُحد وحمزة، وعلى شهداء مؤتة وهو يخبر أصحابه.
  • في الصلاة حتى يُسمع لصدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل.
  • على أمّته: تلا قول إبراهيم ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ وقول عيسى ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ ثم رفع يديه وقال: «اللهم أمّتي أمّتي» وبكى، فقال الله لجبريل: «سنُرضيك في أمتك ولا نسوءك».

◆ متى ضحك؟

  • كان جُلّ ضحكه التبسّم، وما رُئي مستجمعًا ضاحكًا حتى تُرى لهواته.
  • ضحك حتى بدت نواجذه من قصة الرجل الذي واقع أهله في رمضان ثم قال: أعلى أفقر مني؟ فأمره أن يُطعمه أهله.
  • ضحك من آخر رجلٍ يخرج من النار ويدخل الجنة فيتمنّى ويتمنّى حتى يقول الله: «لك ذلك وعشرة أمثاله» — فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه.
  • ضحك حين ابتدرن النساء الحجاب من عمر وقلن: أنت أفظّ وأغلظ.
  • تبسّم آخر أيامه حين كشف الستر فرأى أمّته صفوفًا في الصلاة.
  • وكان يمازح ولا يقول إلا حقًّا: «يا أبا عُمير»، و«إني حاملك على ولد الناقة»، و«يا ذا الأذنين».

◆ متى غضب؟

  • «ما انتقم لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تُنتهك حرمات الله فينتقم لله» — هذا هو الأصل.
  • غضب حين شُفع في حدٍّ من حدود الله فقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟» وتلوّن وجهه.
  • غضب حين أطال معاذ بالناس في الصلاة: «أفتّانٌ أنت يا معاذ؟».
  • غضب حين رأى نُخامةً في القبلة فحكّها، وقال في المسجد ما قال.
  • غضب حين سأله رجل عن اللقطة ثم عن الضالّة حتى احمرّت وجنتاه.
  • واحمرّ وجهه حين قيل: قسمةٌ ما أُريد بها وجه الله، ثم قال: «رحم الله موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر».
  • وكان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه، ولا يواجه أحدًا بما يكره، بل يقول: «ما بال أقوامٍ يفعلون كذا؟».

◆ متى فرح؟

  • حين قدِم جعفر من الحبشة: قام إليه فالتزمه وقبّل بين عينيه وقال: «ما أدري بأيّهما أنا أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟» (أبو داود مرسلًا، والحاكم موصولًا).
  • حين وُلد له إبراهيم: «وُلد لي الليلة غلام فسمّيته باسم أبي إبراهيم».
  • حين أسلم عمر: كبّر تكبيرةً عرف أهل الدار كلهم أن عمر قد أسلم.
  • حين نزلت توبة كعب بن مالك: جاءه والبِشر يبرق في وجهه، وكان إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر.
  • حين رأى الأنصار يوم حنين بكوا رضًا به: «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟».
كل ما في هذا القسم مخرَّجٌ في الصحيحين إلا يسيرًا في السنن، وحديث «اللهم أمّتي» في صحيح مسلم.
تفاصيل رصدوها

مشيته وجلسته وصوته وإشارته ﷺ

من عجائب حفظ هذه السيرة أن أصحابه وصفوا حتى طريقة مشيه والتفاته وإشارته بيده — تفاصيل لا تُنقل عادةً إلا عمّن أحبّه الناس حبًّا شديدًا وراقبوه بأعينهم.

◆ مشيته

  • «كان إذا مشى تكفّأ تكفّؤًا كأنما ينحطّ من صَبَب» — يميل إلى الأمام بقوّة كمن ينزل منحدرًا.
  • قال أبو هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ… وما رأيت أحدًا أسرع في مشيته منه، كأنما الأرض تُطوى له؛ إنا لنُجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث.
  • «يمشي هَونًا» ذريع المشية، ليس بالمتماوت ولا المتبختر.
  • وإذا التفت التفت جميعًا بكل بدنه، لا يسارق النظر.
  • وكان يمشي مع الأرملة والمسكين والصبيان، ويردف خلفه على الدابة.

◆ جلسته

  • يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولا يُتّخذ له صدرٌ يُعرف به.
  • يحتبي بيديه، ويجلس القُرفصاء، ويتّكئ على الوسادة.
  • ورآه أحدهم جالسًا جلسة المُقعي فقال: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».
  • مجلسه مجلس حِلمٍ وحياءٍ وأمانة: لا تُرفع فيه الأصوات ولا تُؤبَن فيه الحُرَم.
  • «ما جلس إليه أحدٌ فقام حتى يقوم».

◆ صوته وكلامه

  • كلامه فصلٌ: لا نَزْرٌ ولا هَذَر، يعدّه العادّ لو شاء.
  • يعيد الكلمة ثلاثًا لتُفهم عنه، ويسلّم ثلاثًا.
  • «كأن كلامه خرزات نظمٍ يتحدّرن» — من وصف أم معبد.
  • إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته كأنه منذر جيش.
  • «وفي صوته صَحَل» — أي بحّةٌ محبّبة، وكان صوته يبلغ الصفوف من غير مكبّر.
  • طويل الصمت، لا يتكلّم في غير حاجة، ويستمع لمحدّثه حتى يفرغ.

◆ إشارته وسمته

  • إذا أشار أشار بكفّه كلها، وإذا تعجّب قلبها.
  • وإذا تحدّث اتّصل بها — يضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى.
  • يُقبل على محدّثه بكلّه حتى يظنّ أنه أكرم الناس عليه.
  • ولا ينزع يده من يد أحدٍ حتى يكون الآخر هو الذي ينزع.
  • «دائم البِشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظٍّ ولا غليظ».
  • «كان أشدّ حياءً من العذراء في خدرها؛ إذا كره شيئًا عرفناه في وجهه».
من مجموع أحاديث الشمائل عند الترمذي في «الشمائل المحمدية»، وأصولها في الصحيحين والسنن، وحديث هند بن أبي هالة في وصفه مبسوطٌ فيها.
كيف كان يعيش يومه

هديه ﷺ في تفاصيل الحياة

حُفظت سيرته حتى في أدقّ التفاصيل: كيف يأكل، وكيف ينام، وكيف يدخل بيته، وكيف يعامل زوجاته. وهذا وحده معجزةٌ في الحفظ لم تُتح لبشرٍ سواه.

◆ في بيته

  • سُئلت عائشة: ما كان يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إليها.
  • كان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويكنس البيت، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
  • كان يقبّل نساءه وهو صائم، ويشرب من موضع فم عائشة، ويتّكئ في حجرها.
  • يسابق عائشة فتسبقه، ثم يسبقها بعد أن حملت اللحم فيقول: «هذه بتلك».
  • يقسم بين نسائه فيعدل، ويُروى أنه كان يقول: «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (أبو داود، ورجّح الترمذي إرساله).

◆ في طعامه

  • ما عاب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه.
  • يأكل بثلاث أصابع ويلعقها، ويأكل مما يليه، ويقول: «سمّ الله، وكل بيمينك».
  • لا يأكل متكئًا، ويقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد».
  • أحبّ الطعام إليه: الثريد، وكان يحب الدُّبّاء (القرع) والعسل والتمر، ويقول: «نعم الإدام الخل».
  • «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن؛ بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه».

◆ في لباسه

  • أحبّ الثياب إليه القميص، وكان يحب الحِبَرة (بُرد يماني مخطط).
  • لبس البياض وقال: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم».
  • كان له خاتم من فضة فصّه حبشي، نقشه «محمد رسول الله» في ثلاثة أسطر.
  • يلبس ما تيسّر: الصوف والقطن، ولبس جُبّة رومية ضيقة الكمّين.
  • نهى عن الإسبال خيلاء، وكان إزاره إلى نصف الساق.

◆ في نومه

  • ينام على شقّه الأيمن ويضع يده اليمنى تحت خدّه ويقول: «باسمك اللهم أموت وأحيا».
  • ينام أول الليل ويقوم آخره، وكان ينام على حصير يؤثّر في جنبه.
  • ينفث في كفّيه بالمعوّذات ثم يمسح ما استطاع من جسده، ثلاث مرات.
  • ينام حتى يُسمع نفَسُه ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، وقال: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي».
  • إذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».

◆ في عبادته

  • يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، ويقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»
  • كانت صلاته بالليل إحدى عشرة ركعة، يطيل القراءة والركوع والسجود.
  • يصوم حتى يُقال لا يفطر، ويفطر حتى يُقال لا يصوم؛ وأكثر ما يصوم شعبان، ويصوم الاثنين والخميس.
  • يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا دخلت أحيا ليله وأيقظ أهله وشدّ مئزره.
  • يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة — وقيل مئة — مع أنه مغفورٌ له.

◆ في مجلسه وكلامه

  • كلامه فصلٌ يفهمه كل من سمعه، يعيد الكلمة ثلاثًا لتُفهم عنه.
  • لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخّابًا في الأسواق.
  • يُقبل على محدّثه بكلّه حتى يظنّ أنه أكرم الناس عليه، ولا ينزع يده من يد أحدٍ حتى يكون الآخر هو الذي ينزع.
  • إذا كره شيئًا عُرف في وجهه، ولا يواجه أحدًا بما يكره، بل يقول: «ما بال أقوامٍ يفعلون كذا؟»
  • يبدأ من لقيه بالسلام، ويجالس الفقراء، ويعود المرضى، ويشيّع الجنائز.

◆ في سفره وجهاده

  • يحبّ الخروج يوم الخميس، ويقول عند الركوب: «سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين».
  • إذا صعد كبّر وإذا هبط سبّح، ويقول: «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل».
  • يستشير أصحابه في كل أمر لم ينزل فيه وحي؛ في بدر وأُحد والخندق أخذ برأي غيره.
  • إذا بعث سرية أوصى: «اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدًا».
  • كان يسير في ساقة الجيش يزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم.

◆ من أدعيته

  • «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي».
  • «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى».
  • «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك».
  • «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدَّين وغلبة الرجال».
  • «اللهم إني أسألك حبّك وحبّ من يحبك، وحبّ عملٍ يقرّبني إلى حبك».
مصادر هذا القسم: صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، و«الشمائل المحمدية» للترمذي، و«زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن القيم.
من حياته اليومية

مواقف وقصص من سيرته ﷺ

قصصٌ صغيرة في حجمها، عظيمة في دلالتها، تكشف كيف كان يتعامل مع الناس: مع الأعرابي الجاهل، والغلام اليهودي، والخادم، والطفل، والمخطئ.

◆ الأعرابي الذي بال في المسجد

بال أعرابي في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال ﷺ: «دعوه، وأريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء، فإنما بُعثتم ميسّرين ولم تُبعثوا معسّرين». ثم دعاه فعلّمه برفق، فقال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا!رواه البخاري

◆ الشاب الذي استأذن في الزنا

جاء فتى يستأذنه في الزنا، فأقبل عليه القوم يزجرونه، فقال: «ادنُه»، فدنا. فقال: أتحبه لأمك؟ لابنتك؟ لأختك؟ لعمتك؟ لخالتك؟ فيقول في كل مرة: لا، جعلني الله فداءك. فيقول: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم» — وكذا لبناتهم وأخواتهم. ثم وضع يده عليه ودعا له، فما كان بعدُ شيءٌ أبغض إليه منه.رواه أحمد

◆ الغلام اليهودي

كان غلامٌ يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض، فأتاه يعوده فقعد عند رأسه فقال: «أسلِم». فنظر الغلام إلى أبيه فقال أبوه: أطِع أبا القاسم. فأسلم. فخرج ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار».رواه البخاري

◆ «يا أبا عُمير»

كان يمازح أخًا صغيرًا لأنس كان له طائرٌ صغير يلعب به فمات، فكان ﷺ يأتيه ويقول: «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغير؟» — نبيٌّ تشغله الدول والغزوات ويجد وقتًا لمواساة طفلٍ فقد عصفوره.متفق عليه

◆ السجود الطويل

سجد ﷺ في صلاته سجدة أطالها حتى ظنّ الناس أنه حدث أمر، فلما سلّم قال: «إن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته» — كان الحسن أو الحسين قد ركب على ظهره وهو ساجد.رواه النسائي وأحمد

◆ ثمامة بن أثال

أُسر سيد اليمامة وربط في سارية المسجد، فكان ﷺ يمرّ به ثلاثة أيام يقول: «ما عندك يا ثمامة؟» ثم قال: «أطلقوا ثمامة». فذهب فاغتسل ثم رجع مسلمًا وقال: والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ.متفق عليه

◆ المرأة التي تقُمّ المسجد

كانت امرأة سوداء تقُمّ المسجد فماتت، فدُفنت ليلًا ولم يُخبروه لئلا يشقّ عليه. فسأل عنها فأُخبر، فقال: «أفلا آذنتموني؟» ثم أتى قبرها فصلّى عليها وقال: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينوّرها لهم بصلاتي عليهم».متفق عليه

◆ الرفق بالخادم

خدمه أنس عشر سنين فما قال له أفٍّ قط. ومرّ به وهو يلعب مع الغلمان وقد أرسله في حاجة فأبطأ، فما زاد على أن قال ممازحًا: «يا أُنيس، أذهبتَ حيث أمرتك؟» قال: نعم، أنا أذهب يا رسول الله.رواه مسلم

◆ «سلوني»

كان يجلس مع أصحابه فلا يعرف الغريب أيّهم هو حتى يسأل، ما يميّزه مجلسٌ مرتفع ولا حرس. ودخل عليه رجل فأخذته الرَّعدة من هيبته فقال: «هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».رواه ابن ماجه والحاكم

◆ وفد نجران في مسجده

قدِم عليه نصارى نجران فأنزلهم مسجده وناظرهم، فلما حانت صلاتهم صلّوا في مسجد النبي ﷺ إلى المشرق فتركهم — سماحةٌ في التعامل مع المخالف مع ثباتٍ تام على الحق.سيرة ابن هشام، وابن القيم في زاد المعاد

◆ «لا تغضب»

قال رجل: يا رسول الله، أوصني. قال: «لا تغضب». فردّد مرارًا فقال: «لا تغضب». وصيةٌ جامعة في كلمتين، عرف بها ﷺ داء الرجل فوصف له دواءه.رواه البخاري

◆ وفاة ابنه إبراهيم

دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عيناه تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة». ثم قال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».رواه البخاري

﴿رحمةً للعالمين﴾

رحمته ﷺ: مع كل صنفٍ من الخلق

لم تكن رحمته شعارًا عامًّا؛ بل تنزّلت على كل فئة بما يخصّها: الطفل، والمرأة، واليتيم، والخادم، والضعيف، والمخالف، بل والحيوان والشجر.

◆ مع الأطفال

  • يحمل أمامة بنت ابنته زينب على عاتقه وهو يصلي بالناس؛ إذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
  • يقصّر الصلاة إذا سمع بكاء صبي رحمةً بأمه.
  • يمرّ بالصبيان فيسلّم عليهم، ويحمل الصغار خلفه على الدابة.
  • قبّل الحسن فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة ما قبّلت منهم أحدًا! فقال: «من لا يَرحم لا يُرحم».
  • «يا أبا عُمير، ما فعل النُّغير؟» — يواسي طفلًا مات عصفوره.

◆ مع النساء

  • «استوصوا بالنساء خيرًا» — أعلنها في أعظم مجمعٍ يوم عرفة.
  • «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
  • ما ضرب امرأة قط بيده، ونهى عن ضرب النساء.
  • سُئل: من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» ثلاثًا، ثم «أبوك».
  • «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو» وضمّ أصابعه — في زمنٍ يُوأدن فيه.

◆ مع اليتيم والفقير

  • «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما.
  • «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله».
  • كان يجالس الفقراء ويأكل معهم ويعود مرضاهم.
  • سأل عن امرأةٍ كانت تقُمّ المسجد فماتت، فصلّى على قبرها.

◆ مع الخدم والأرقّاء

  • «إخوانكم خَوَلُكم جعلهم الله تحت أيديكم؛ فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون».
  • «ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم».
  • من آخر ما نطق به وهو يُحتضر: «الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم».
  • من لطم مملوكه أو ضربه فكفّارته أن يُعتقه.
  • لم يقل لأنس في عشر سنين: أفٍّ، ولا: لِمَ فعلت؟

◆ مع الحيوان

  • مسح على البعير الذي شكا إليه جوعه وإتعابه ونهى صاحبه.
  • «دخلت امرأةٌ النار في هرّةٍ حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».
  • «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر» — قالها في الرجل الذي سقى كلبًا فغفر الله له.
  • نهى عن اتخاذ شيءٍ فيه الروح غرضًا للرمي، وعن التحريش بين البهائم، وعن الوسم في الوجه.
  • «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته».

◆ مع المخالف والجار

  • عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه فمرض، فدعاه إلى الإسلام فأسلم.
  • قام لجنازة يهودي، فقيل: إنها جنازة يهودي! فقال: «أليست نفسًا؟»
  • «من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته... فأنا حجيجه يوم القيامة».
  • «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه».
  • مات ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير — تعاملٌ اقتصادي طبيعي إلى آخر يوم.
كل ما في هذا القسم مخرَّجٌ في صحيح البخاري ومسلم إلا يسيرًا في السنن، وبعض الألفاظ مذكورةٌ مختصرةً أو بمعناها، فمن أراد النصّ التامّ فليرجع إلى مصدره.
بينه وبين أصحابه

قصصه ﷺ مع أصحابه

هنا تُرى النبوّة في أدقّ صورها: كيف يعامل الغنيّ والفقير، والقويّ والضعيف، والحرّ والعبد، والمخطئ والمحسن. كل قصةٍ ثابتة معزوّة إلى مصدرها.

«لو كنت متخذًا خليلًا»

قال ﷺ: «إن أمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوّة الإسلام ومودّتها». وسُئل: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة». قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها».

ومرة اختصم أبو بكر مع عمر فأغضبه، ثم ندم أبو بكر فسأله أن يغفر له فأبى عمر، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ. فقال ﷺ للناس: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» — قالها مرتين، فما أُوذي بعدها.

وفي مرض موته قال: «سدّوا عني كل خَوخةٍ في المسجد إلا خَوخة أبي بكر» — وكانت آخر كلمةٍ عهدها الناس منه في فضل رجل.

صحيح البخاري ومسلم

الشيطان يفرّ من طريقه

قال ﷺ لعمر: «والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجّك». وقال: «لقد كان فيمن قبلكم مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر».

واستأذن عمر يومًا فرأى النبي ﷺ نائمًا على حصيرٍ قد أثّر في جنبه، وما في البيت إلا إهابٌ وقبضةٌ من شعير، فبكى عمر. فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟! فقال ﷺ: «أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».

ولمّا مات ابن أُبيّ رأس المنافقين جاء ابنه — وكان مؤمنًا صالحًا — يسأل النبي ﷺ قميصه ليكفّنه فيه وأن يصلي عليه، ففعل رحمةً بابنه، وعمر يجاذبه ثوبه ويقول: أتصلي عليه وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟! ثم نزل النهي بعدها. — فكان عمر يُلهَم الحق ويوافق الوحي في مواضع.

صحيح البخاري ومسلم

الحياء الذي تستحيي منه الملائكة

كان ﷺ مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم عمر كذلك، ثم استأذن عثمان فجلس وسوّى ثيابه. فقالت عائشة: استأذن أبو بكر فلم تهش له، ثم عمر فلم تهش له، ثم عثمان فجلستَ وسوّيتَ ثيابك! فقال: «ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة؟».

وكانت له مواقف: جهّز ثلث جيش العُسرة فقال ﷺ: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم». واشترى بئر رومة فجعلها للمسلمين بعد أن كان يهودي يبيع ماءها. ولما تخلّف عن بدر لتمريض زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ضرب له بسهمه وأجره.

صحيح مسلم، والترمذي والنسائي

خشخشة نعليه في الجنة

قال ﷺ لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال، حدّثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام، فإني سمعت دفّ نعليك بين يديّ في الجنة». قال: ما عملت عملًا أرجى عندي من أني لم أتطهّر طُهورًا في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار إلا صلّيت بذلك الطُّهور ما كُتب لي أن أصلي.

وهذا هو العبد الذي كان يُطرح في رمضاء مكة والصخرة على صدره يقول: «أحدٌ أحد» — فصار مؤذّن رسول الله ﷺ، وصعد على ظهر الكعبة يوم الفتح فأذّن فوق رؤوس سادة قريش. وبعد وفاته ﷺ خرج إلى الشام مجاهدًا ومات بها في خلافة عمر. (وما يُروى من بكائه وعجزه عن إتمام الأذان ورجوعه من الشام لا يثبت إسناده.)

صحيح البخاري ومسلم في حديث دفّ النعلين وفي أذان الفتح؛ والسير في الباقي

رحلة رجلٍ من فارس إلى النبوّة

كان سلمان فارسيًّا من أصبهان، ابن رجلٍ مجوسي يوقد النار. فمرّ بكنيسة نصارى فأعجبه صلاتهم فتنصّر، وحبسه أبوه في القيود ففرّ. ثم رحل من عالمٍ إلى عالم في الشام والموصل ونصيبين وعمّورية، كلٌّ يوصيه عند موته بمن بعده، حتى قال له آخرهم: «قد أظلّ زمانُ نبيٍّ يُبعث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجَرُه إلى أرضٍ بين حَرّتين بها نخل، وفيه علامات: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة».

فحمله قومٌ من كلب فظلموه وباعوه عبدًا، فوقع رقيقًا في المدينة عند يهودي. فلما قدِم النبي ﷺ جاءه بتمرٍ وقال: هذه صدقة — فلم يأكل وأمر أصحابه فأكلوا. ثم جاءه بتمرٍ وقال: هذه هدية — فأكل معهم. ثم دار خلفه ينظر إلى ظهره، ففطن ﷺ فألقى الرداء عن ظهره فرأى خاتم النبوة فانكبّ عليه يقبّله ويبكي. وأعانه ﷺ وأصحابه على مكاتبته حتى عتق. (ويُروى أنه قال: «سلمان منا آل البيت»، وفي إسناده ضعف.) ويذكر أهل المغازي أنه صاحب فكرة الخندق.

مسند أحمد بطوله، وأصله في السير — وفكرة الخندق عند أهل المغازي بلا إسناد متصل

الجمل والدَّين والوفاء

استُشهد أبو جابر في أُحد وترك دَينًا وبناتٍ سبعًا، فقال له ﷺ يواسيه: «ما كلّم اللهُ أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفاحًا فقال: تمنَّ عليّ. قال: أُردّ إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية». ودعا في تمر بستانه فقضى الله دينه كله وبقي مثله.

وفي سفرٍ أبطأ جمل جابر فضربه النبي ﷺ ودعا له فسار سيرًا لم يسر مثله، ثم قال: «بعنيه». فباعه بأُوقيّة واشترط ظهره إلى المدينة. فلما وصلوا جاءه بالجمل، فأعطاه الثمن وردّ عليه الجمل. وسأله: «هل تزوجت؟» قال: نعم. قال: «بكرًا أم ثيّبًا؟» قال: ثيّبًا. قال: «فهلّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك؟» فأخبره أن له أخواتٍ صغارًا يخشى ألّا تجمعهنّ البكر، فقال: «أصبت» — لم يلمه على مخالفة رأيه بعد أن سمع عذره.

حديث «كلّم أباك كفاحًا» عند الترمذي وابن ماجه (حسن)، وقصة الدَّين والجمل في صحيح البخاري ومسلم

«بارك الله لكما في ليلتكما»

خطب أبو طلحة — وكان مشركًا — أم سليم وهي مسلمة، فقالت: إني قد آمنت، فإن تُسلم فذاك مهري لا أسألك غيره. فأسلم، فكان مهرها الإسلام — قيل: ما سُمع بمهرٍ أكرم منه.

ومات ابنٌ لهما وأبو طلحة غائب، فهيّأت الصبي ووضعته، وتجمّلت لزوجها لما جاء، فأكل وأصاب منها. فلما أصبح قالت: أرأيت لو أن قومًا أعاروا أهل بيتٍ عاريةً فطلبوها، ألهم أن يمنعوها؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. فغضب ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: «بارك الله لكما في ليلتكما» — فحملت بغلام. وبلغ من أولادهما تسعة كلهم قد قرأ القرآن.

وأبو طلحة هو الذي كان يترّس على النبي ﷺ يوم أُحد بنفسه ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله. وهو الذي لمّا نزلت ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ تصدّق بـ«بَيرَحاء» أحبّ أمواله إليه.

صحيح البخاري ومسلم

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ — حين عاتبه ربّه

كان ﷺ منشغلًا بدعوة صناديد قريش رجاء أن يُسلموا فيُسلم بإسلامهم قومهم، فجاءه عبد الله بن أم مكتوم — رجلٌ أعمى فقير مسلم — يقول: يا رسول الله، علّمني مما علّمك الله. فكره ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض. فأنزل الله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ يعاتبه عتابًا بقي يُتلى إلى يوم القيامة.

وكان ﷺ بعد ذلك يُكرمه ويُقرّبه، واستخلفه على المدينة مرارًا (أبو داود). وما يُروى أنه كان يقول له «مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي» لا إسناد له. — ومن أعظم دلائل صدق النبوة أن يُنزل الله في كتابه عتابًا لنبيه ثم يأمره بتبليغه للناس؛ فلو كان من عنده لكتمه.

رواه الترمذي والحاكم، والآيات في سورة عبس

ثلث المال كثير

مرض سعد مرضًا شديدًا في حجة الوداع فعاده ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا ذو مالٍ ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا». قال: فالشطر؟ قال: «لا». قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير — إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفّفون الناس». ثم قال: «وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت بها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك».

وكانت أمه قد أضربت عن الطعام والشراب لتردّه عن دينه وقالت: لا آكل حتى تكفر بمحمد. فقال لها: يا أمّه، لو كانت لكِ مئة نفسٍ فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني. فنزلت: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ — لا طاعة في الكفر، ولكن البرّ باقٍ.

متفق عليه، وقصة أمه في صحيح مسلم

الفقراء الذين آثرهم على نفسه

كان في مؤخّرة المسجد ظُلّة تُسمّى الصُّفّة، يأوي إليها فقراء المهاجرين ممن لا أهل له ولا مال ولا بيت، بلغوا في بعض الأوقات سبعين رجلًا. كانوا يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في السرايا. وكان ﷺ إذا أُتي بصدقة بعث بها إليهم ولم يأكل منها، وإذا أُتي بهدية أرسل إليهم وأصاب منها معهم.

ومن أشهرهم أبو هريرة، الذي قال: لقد رأيتني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيًّا عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أنّي مجنون، وما بي جنون، ما بي إلا الجوع. وكان يعترض الرجل في الطريق فيسأله عن آية وهو يعرفها، رجاء أن يفطن لجوعه فيطعمه — فما فطن إلا رسول الله ﷺ.

صحيح البخاري

«هذا مني وأنا منه»

كان جُليبيب رجلًا دميم الخِلقة فقيرًا لا نسب له، لا يُلتفت إليه في مجتمعٍ يقيس الرجال بالأنساب. فذهب النبي ﷺ بنفسه يخطب له من رجلٍ من الأنصار ابنتَه، فتردّد الأب وأمُّه أشدّ تردّدًا، فسمعت البنت من وراء الستر فقالت: «أتردّون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني إليه فإنه لن يُضيّعني». فزوّجوها إياه، ودعا لها ﷺ: «اللهم صُبّ عليها الخير صبًّا ولا تجعل عيشها كدًّا».

ثم كانت غزوة، فلما انتهت قال ﷺ: «هل تفقدون من أحد؟» قالوا: لا. قال: «لكني أفقد جُليبيبًا». فالتُمس فوُجد إلى جنب سبعةٍ قد قتلهم ثم قتلوه. فوقف عليه ﷺ وقال: «قتل سبعةً ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه» — قالها مرتين أو ثلاثًا. ثم وضعه على ساعديه وحفروا له، وليس له سريرٌ إلا ساعدا رسول الله ﷺ.

صحيح مسلم، ومسند أحمد

عكرمة ووحشي وخالد: كيف استقبل من قاتلوه

عكرمة بن أبي جهل: هرب يوم الفتح إلى البحر، فاستأمنت له زوجته فأمّنه ﷺ. فلما جاء قال لأصحابه: «يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبّوا أباه، فإن سبّ الميت يؤذي الحيّ ولا يبلغ الميت». ثم وثب إليه فرحًا حتى اضطرب رداؤه، فأسلم عكرمة واستُشهد بعدُ في اليرموك.

وحشي بن حرب قاتل حمزة: جاء مسلمًا، فقال له ﷺ: «أنت وحشي؟» قال: نعم. قال: «أنت قتلت حمزة؟» قال: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: «فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني؟» — لم يعاقبه ولم يمنعه الإسلام، لكن لم يطق النظر إلى وجه قاتل عمّه؛ رحمةٌ في العدل وصدقٌ في المشاعر. ثم قتل وحشيٌّ مسيلمة الكذاب بالحربة نفسها وقال: قتلت بها خير الناس بعد رسول الله ﷺ، وشرّ الناس.

خالد بن الوليد: صاحب الكرّة على المسلمين يوم أُحد، جاء مسلمًا قبل الفتح، ويُروى عند الواقدي أنه ﷺ قال له: «الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلًا رجوت ألّا يُسلمك إلا إلى خير». فصار سيف الله المسلول.

مستدرك الحاكم، وصحيح البخاري في قصة وحشي، والسير

كيف كان يعالج الخطأ؟

◂ الذي واقع أهله في رمضان: جاء يقول: هلكتُ يا رسول الله! فأمره بالكفارة فلم يجد، فأُتي النبي ﷺ بتمرٍ فقال: «تصدّق بهذا». فقال: أعلى أفقر مني؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيتٍ أفقر من أهل بيتي. فضحك ﷺ حتى بدت أنيابه وقال: «أطعمه أهلك». — جاء يريد عقوبة فخرج بطعام.

◂ معاوية بن الحكم تكلّم في الصلاة جاهلًا فرماه الناس بأبصارهم، فلما سلّم ﷺ قال معاوية: فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه؛ فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، إنما قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس».

◂ الغلام الذي تطيش يده في الصحفة: قال له بلطف: «يا غلام، سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».

◂ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله ظنًّا أنه قالها تعوّذًا، فما زال ﷺ يكررها عليه: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟! فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» حتى تمنّى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم.

صحيح البخاري ومسلم

وصيّته بالأنصار وآخر ما رآه منهم

قال ﷺ في مرضه وقد خرج معصوب الرأس: «أوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرِشي وعَيبتي — قد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم — فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». وقال: «آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».

ولمّا مات، لم يكن حزنُ أصحابه حزن رعيّةٍ على ملك، بل حزن قلوبٍ فقدت أحبّ من رأت. قال أنس: ما رأيت يومًا كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ، وما رأيت يومًا كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه. ويُروى عن عبد الله بن زيد أنه قال حين بلغه موته: اللهم أذهب بصري حتى لا أرى بعده أحدًا.

صحيح البخاري ومسلم؛ وقول أنس عند الترمذي، وقول عبد الله بن زيد عند ابن سعد بإسناد ضعيف
ثاني اثنين

النبي ﷺ وأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه

صاحبه في الغار، وأول من صدّقه، وأحبّ الرجال إليه. لم تُعرف في تاريخ البشر صحبةٌ بين رجلين كهذه: ثلاثٌ وعشرون سنة من التصديق بلا تردّد، والبذل بلا مَنّ، والوفاء بلا انقطاع.

عبد الله بن أبي قحافة التَّيمي

اسمه عبد الله بن عثمان، ولقب أبوه بـ«أبي قحافة»، من بني تَيم من قريش، وُلد بعد عام الفيل بسنتين وأشهر — فهو أصغر من النبي ﷺ بنحو سنتين. كان تاجرًا موسِرًا، رأس ماله أربعون ألف درهم أنفقها كلها في سبيل الله حتى مات وليس عنده إلا القليل.

وكان أعلم قريش بالأنساب وأخبارها، محبوبًا في قومه، لم يشرب الخمر في الجاهلية قط ولم يسجد لصنم. وهو الوحيد الذي اجتمع في بيته أربعة أجيال في الإسلام: أبوه أبو قحافة، وهو، وابنه عبد الرحمن، وحفيده أبو عتيق — كلهم صحابة. وبناته: أسماء ذات النطاقين، وعائشة أم المؤمنين.

الطبقات لابن سعد، وكتب التراجم

«ما دعوتُ أحدًا إلا كانت له كَبوة إلا أبا بكر»

قال ﷺ: «ما دعوتُ أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كَبوةٌ وترددٌ ونظر، إلا أبا بكر؛ ما عَكَم عنه حين ذكرتُه، وما تردّد فيه» (رواه ابن إسحاق في السيرة بلاغًا). آمن به قبل أن يسأله دليلًا؛ لأنه كان يعرف الرجل معرفةً تُغني عن البرهان.

ثم لم يقعد؛ فانطلق من ساعته يدعو من يثق بهم، فأسلم على يديه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله — خمسةٌ من العشرة المبشرين بالجنة دخلوا الإسلام على يد رجلٍ واحد في أيام الخوف الأولى.

مسند أحمد، وسيرة ابن هشام

إعتاق المستضعفين: سبعة اشتراهم بماله

كان المشركون يعذّبون من أسلم من العبيد والضعفاء في رمضاء مكة، فكان أبو بكر يشتريهم بماله ثم يعتقهم لله. أعتق سبعة، منهم بلال — اشتراه من أمية بن خلف وهو ملقًى على ظهره والصخرة على صدره — وعامر بن فُهيرة، وأم عُبيس، وزِنّيرة التي عمي بصرها فقالت قريش: أصابتها اللات والعزى! فقالت: كذبوا وبيت الله، فردّ الله عليها بصرها.

فقال له أبوه أبو قحافة — وكان مشركًا يومئذ: أي بنيّ، أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك تعتق رجالًا جُلَداء يمنعونك ويقومون دونك! فقال: «يا أبتِ، إني إنما أريد ما أريد» — أي وجه الله لا حماية نفسه. فأنزل الله فيه — كما قال المفسّرون: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ۝ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ ۝ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ ۝ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾.

سيرة ابن هشام، وتفسير سورة الليل

«أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟»

لمّا اشتد أذى قريش على النبي ﷺ، وثبوا عليه يومًا عند الكعبة فخنقه عقبة بن أبي معيط بردائه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر يدفعهم عنه ويقول وهو يبكي: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربكم؟» — متلوًا بآية مؤمن آل فرعون في سورة غافر على لسان مؤمن آل فرعون.

ومرة أخرى ضربه المشركون ضربًا مبرّحًا حتى ما يُعرف وجهه من أنفه، وحملته قبيلته إلى بيته وهم لا يشكّون في موته. فلما أفاق في آخر النهار كان أول ما نطق به: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فلاموه، ثم لم يزل يلحّ ويمتنع عن الطعام والشراب حتى أخذوه إليه ليطمئن عليه. — لم يسأل عن جراحه، سأل عن صاحبه.

صحيح البخاري في قصة عقبة، والحاكم وابن إسحاق في الثانية

لماذا سُمّي «الصدّيق»؟

لما أخبر ﷺ قريشًا بالإسراء كذّبوه وضجّوا، فانطلق نفرٌ منهم يسعون إلى أبي بكر يشمتون: هل لك في صاحبك؟ يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس! فقال: «أوَقال ذلك؟ فإن كان قال فقد صدق». قالوا: أوَتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: «نعم، إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك: أصدّقه بخبر السماء في غدوةٍ أو روحة». فسُمّي يومئذٍ الصدّيق.

وقال ﷺ يوم أُحد وهو على الجبل ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فاهتزّ: «اثبُت أُحد، فإنما عليك نبيٌّ وصدّيقٌ وشهيدان».

مستدرك الحاكم، وحديث أُحد في صحيح البخاري

البكاء من الفرح، وبيتٌ كله في خدمة الرحلة

كان أبو بكر يستأذن في الهجرة فيقول له ﷺ: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا». فأعدّ راحلتين وعلفهما أربعة أشهر انتظارًا. فلما جاءه ﷺ في وقتٍ لم يكن يأتي فيه وقال: «إن الله قد أذن لي في الخروج» — قال أبو بكر: الصحبةَ يا رسول الله! قال: «نعم». قالت عائشة: فوالله ما شعرتُ قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي.

واشترك البيت كله: عبد الله ابنه يتجسّس الأخبار بمكة ويأتيهما بها ليلًا، وعامر بن فُهيرة مولاه يرعى الغنم فيسقيهما اللبن ويُعفّي الآثار، وأسماء ابنته تحمل الطعام وشقّت نطاقها نصفين فسُمّيت ذات النطاقين. وأخذ أبو بكر ماله كله معه — نحو خمسة أو ستة آلاف درهم — فلم يترك لأهله شيئًا.

ودخل جدُّه أبو قحافة — وكان أعمى ولم يُسلم بعد — فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله! فقالت أسماء: كلا يا أبتِ، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا — ثم وضعت أحجارًا في الكُوّة التي كان يضع فيها ماله وغطّتها بثوب وأخذت بيده عليها، فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن. قالت أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أُسكّن الشيخ.

صحيح البخاري، ومسند أحمد

مواقف صغيرة تكشف حجم الحب

◂ كان أبو بكر في الطريق يمشي ساعةً بين يديه وساعةً خلفه، فسأله ﷺ عن ذلك فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي أمامك. فقال: «لو كان شيءٌ أحببتَ أن يكون بك دوني؟» قال: نعم والذي بعثك بالحق.

◂ ولمّا بلغا الغار قال أبو بكر: «مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار»، فدخل فكنسه ووجد فيه جحرة فسدّها بثوبه حتى نفد الثوب وبقي جحرٌ فوضع عليه عقبه. ثم دخل النبي ﷺ فوضع رأسه في حجره ونام، فلُدغ أبو بكر في رجله فلم يتحرك مخافة أن ينتبه، فسقطت دموعه على وجه النبي ﷺ فاستيقظ فقال: «ما لك يا أبا بكر؟» قال: لُدغت فداك أبي وأمي. فتفل ﷺ عليها فبرأت. (وقصة اللدغة في إسنادها ضعف، والثابت أصلُ حديث الغار في الصحيحين.)

◂ وحين وقف المشركون على باب الغار قال: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا! فقال ﷺ: «ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا». فأنزل الله فيه قرآنًا يُتلى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ — فسمّاه الله صاحبه في كتابه.

حديث الغار في الصحيحين، وقصة اللدغة عند البيهقي وابن كثير في السير

سبقٌ لا يُلحق

◂ قال ﷺ يومًا: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر: أنا. «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال: أنا. «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟» قال: أنا. «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال: أنا. فقال ﷺ: «ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة».

◂ وفي تبوك أمر ﷺ بالصدقة، فقال عمر: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا! فجاء بنصف ماله. فقال ﷺ: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: مثله. ثم جاء أبو بكر بماله كله، فقال: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: «أبقيت لهم الله ورسوله». قال عمر: لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا.

◂ وفي الحديبية لما اضطرب الناس من شروط الصلح وجاءه عمر محتدًّا، كان جواب أبي بكر: «أيها الرجل، إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه، فوالله إنه على الحق».

◂ وحين آذى المنافقون عائشة في حادثة الإفك وخاض فيها قريبُه مِسطح — وكان ينفق عليه — حلف ألّا ينفق عليه أبدًا، فنزلت: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فقال: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فأعاد النفقة وقال: لا أنزعها منه أبدًا.

صحيح مسلم، وسنن الترمذي وأبي داود، وصحيح البخاري

«سدّوا عني كل خَوخة إلا خَوخة أبي بكر»

خرج ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن عبدًا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده». فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! — فعجب الناس من بكائه لخبرٍ عن عبدٍ خُيّر، وكان أبو بكر أعلمهم؛ فقد فهم من أول كلمة أن المُخيَّر هو رسول الله ﷺ وأنه يودّعهم.

ثم قال ﷺ: «إن أمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوّة الإسلام ومودّتها. لا يبقينّ في المسجد بابٌ إلا سُدّ إلا باب أبي بكر».

ولمّا اشتد به الوجع قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، فراجعته عائشة ثلاثًا خشية أن يتشاءم الناس بمقامه مقام النبي ﷺ، فقال: «إنكنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالناس». فصلّى بهم أيام مرضه — وفهم الصحابة من ذلك تقديمه في الأمر كله بعده.

صحيح البخاري ومسلم

الرجل الذي ثبّت الأمة يوم اهتزّت

لما تُوفي ﷺ اضطرب المسلمون اضطرابًا شديدًا حتى قام عمر ينكر موته ويتوعّد من يقول ذلك. وكان أبو بكر في مسكنه بالسُّنح، فأقبل على فرسه حتى نزل، فدخل على النبي ﷺ فكشف عن وجهه فقبّله وقال: «بأبي أنت وأمي، طبتَ حيًّا وميتًا». ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رِسلك. فلما تكلّم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وقال كلمته التي أنقذت الأمة:

«أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت»

ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقِرت حتى ما تُقلّني رجلاي. — رجلٌ بكى حين لم يبكِ أحد يوم المنبر لأنه فهم، وثبت حين اضطرب الجميع يوم الوفاة لأنه فهم.

ثم كان أول من قاتل المرتدّين ومانعي الزكاة، وأول من جمع القرآن في مصحف، وأول من سيّر الجيوش إلى فارس والروم. ومات بعده ﷺ بسنتين وأشهر ووصّى أن يُدفن إلى جنبه، فدُفن في حجرة عائشة ورأسه عند كتف رسول الله ﷺ — صاحبه في الغار، وصاحبه في القبر.

صحيح البخاري ومسلم
الفاروق

النبي ﷺ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه

قال ﷺ: «إن لي وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض؛ فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر» (رواه الترمذي وقال: حسن غريب، وضعّفه الألباني). رجلٌ خرج ليقتله فصار ثاني رجلين في الأمة بعده.

من هو عمر قبل أن يُسلم؟

هو عمر بن الخطاب العدوي القرشي، وُلد بعد الفيل بنحو ثلاث عشرة سنة. كان من أشراف قريش، وإليه السِّفارة في الجاهلية: إذا وقعت حربٌ بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرًا، وإن نافرهم منافر بعثوه منافرًا. تعلّم القراءة والكتابة — وكانا نادرين في قريش — وكان قويًّا شديدًا يصارع في عكاظ.

وكان من أشدّ الناس على المسلمين: يعذّب جاريةً لبني مؤمّل من بني عدي أسلمت حتى يملّ فيقول: ما أتركك إلا مَلالة. ولما همّت ليلى بنت أبي حثمة (أم عبد الله، زوجة عامر بن ربيعة) بالهجرة إلى الحبشة رقّ لها وقال: صحبكم الله — فكان في قلبه رحمةٌ تحت القسوة.

سيرة ابن هشام، والطبقات

«اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ الرجلين إليك»

دعا ﷺ في مكة وقد اشتد الأذى: «اللهم أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب». فكان أحبّهما إلى الله عمر.

خرج عمر يومًا متوشّحًا سيفه يريد قتل النبي ﷺ، فلقيه نُعيم بن عبد الله فقال: أين تريد؟ قال: أريد محمدًا فأقتله. قال: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فإن أختك فاطمة وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما!

فرجع مغضبًا فسمع قراءةً في البيت، فدخل يضربهما، حتى سال الدم على وجه أخته، فلما رأى الدم ندم ورقّ وقال: أعطوني هذه الصحيفة. فقالت: إنك رجسٌ لا يمسّه إلا المطهّرون، فقم فاغتسل. فاغتسل — وهو المشرك يومئذ — ثم قرأ صدر سورة طه: ﴿طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، فقال: «ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! دلّوني على محمد».

فدُلّ على دار الأرقم عند الصفا، فجاء يقرع الباب والسيف في عنقه، فنظروا من خَلَل الباب ففزعوا، فقال حمزة: ائذنوا له؛ فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان يريد شرًّا قتلناه بسيفه. فأذن له ﷺ وأخذ بمجامع ثوبه وجبذه جبذةً شديدة وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة». فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله وبرسوله. فكبّر ﷺ تكبيرةً عرف أهل الدار كلهم أن عمر قد أسلم، ثم كبّروا حتى سُمعت في المسجد.

سيرة ابن هشام، ودعاؤه في سنن الترمذي وحسّنه

«ما زلنا أعزّةً منذ أسلم عمر»

قال عبد الله بن مسعود: ما زلنا أعزّةً منذ أسلم عمر. وقال: «كان إسلام عمر فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمارته رحمة». وقال صهيب: لما أسلم عمر ظهر الإسلام ودُعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حِلَقًا وطُفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا.

وسأل عمرُ النبيَّ ﷺ: ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متّم وإن حييتم». قال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجنّ. ويُروى — بإسناد ضعيف — أنهم خرجوا في صفّين: صفٌّ فيه حمزة وصفٌّ فيه عمر، حتى دخلوا المسجد، وأن النبي ﷺ سمّاه يومئذ الفاروق.

وهاجر عمر إلى المدينة مع عياش بن أبي ربيعة ونفرٍ من المسلمين بعد أن تواعدوا على الخروج (صحيح البخاري وسيرة ابن إسحاق). وما يُروى أنه هاجر جهرًا وتحدّى قريشًا عند الكعبة لا يصحّ إسناده.

صحيح البخاري وسيرة ابن إسحاق في الهجرة؛ وقصة الصفّين في حلية الأولياء بإسناد ضعيف

الرجل الذي نزل القرآن على وفق رأيه

قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث:

◂ قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلًّى. فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.

◂ وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البَرّ والفاجر، فلو أمرتَ أمهات المؤمنين بالحجاب. فنزلت آية الحجاب.

◂ واجتمع نساؤه ﷺ في الغَيرة عليه فقلت لهنّ: عسى ربه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن. فنزلت الآية بنصّها.

وزاد أهل العلم مواضع أخرى: رأيه في أسرى بدر فنزل ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، ورأيه في الصلاة على ابن أُبيّ فنزل النهي، وقوله في تحريم الخمر: «اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا» فنزلت ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾.

وقال ﷺ فيه: «لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فإنه عمر»، وقال: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجّك». ورأى في المنام أنه شرب لبنًا حتى خرج الريّ من أظفاره ثم أعطى فضله عمر، فأوّله بـالعلم.

صحيح البخاري ومسلم

كيف كان النبي ﷺ يعامل شدّة عمر؟

لم تكن العلاقة بينهما علاقة قائدٍ وتابعٍ يوافق دائمًا؛ كان عمر شديدًا صرّاحًا، وكان ﷺ يردّه برفق ويثبّته حين يخطئ:

◂ يوم بدر أشار عمر بقتل الأسرى وأشار أبو بكر بالفداء، فمال ﷺ إلى الفداء، ثم نزل العتاب، فبكى ﷺ وأبو بكر، وقال: «لو نزل عذابٌ من السماء ما نجا منه غير عمر».

◂ ويوم الحديبية راجَعه مراجعةً شديدة: ألسنا على الحق؟ فلِمَ نُعطي الدنيّة في ديننا؟ فقال ﷺ بهدوء: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري».

◂ ولما أراد الصلاة على ابن أُبيّ جذبه عمر معترضًا، فتبسّم ﷺ وقال: «أخّر عني يا عمر» — ثم نزل النهي بعدُ فوافق ما قال عمر.

◂ واستأذنه في قتل حاطب بن أبي بلتعة لما كتب إلى قريش، فقال: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» — فذرفت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.

◂ وقال عمر: يا رسول الله، لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك». فقال: فإنه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي. فقال: «الآن يا عمر».

صحيح البخاري ومسلم

الرجل الذي يبكي لأتفه الأسباب في نظر الناس

استأذن عمر يومًا فوجد النبي ﷺ مضطجعًا على حصيرٍ قد أثّر في جنبه، وما في البيت إلا إهابٌ وقبضةٌ من شعير، فبكى عمر. فقال ﷺ: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قال: ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟! فقال: «أما ترضى يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟».

وكان ﷺ يعرف مكانه في القلوب فيمازحه؛ استأذن عليه وعنده نساءٌ من قريش يُكثرن عليه ويرفعن أصواتهن، فلما استأذن عمر ابتدرن الحجاب. فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجّك». فقال عمر للنسوة: يا عدوّات أنفسهنّ، أتهبنني ولا تهبن رسول الله؟! قلن: نعم، أنت أفظّ وأغلظ.

ويُروى أنه حين استأذنه في العمرة قال له ﷺ: «لا تنسنا يا أخيّ من دعائك» (أبو داود والترمذي، وفي إسناده ضعف). قال عمر: فما يسرّني أن لي بها الدنيا.

صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي
وبعد وفاته ﷺ صار عمر الخليفة الثاني عشر سنين: فُتحت في عهده فارس والشام ومصر، ودوّن الدواوين، وأرّخ بالهجرة، وسار في الرعية سيرةً صارت مثلًا في العدل. واستُشهد وهو يصلي الفجر سنة ٢٣هـ، ودُفن مع النبي ﷺ وأبي بكر بعد أن استأذن عائشة فأذنت له وقالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنّه اليوم على نفسي.
ذو النورين

النبي ﷺ وعثمان بن عفان رضي الله عنه

صهرُه مرّتين، وأحد أوائل من أسلم، وأكثر الصحابة بذلًا لماله في سبيل الله. قال ﷺ: «ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة؟».

من أوائل من دخل على يد أبي بكر

هو عثمان بن عفان الأموي القرشي، من أغنى تجّار قريش وأجملهم وأكثرهم حياءً، لم يشرب خمرًا في جاهلية ولا إسلام ولم يسجد لصنم. أسلم على يد أبي بكر في أول الإسلام مع الزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف — خمسةٌ من العشرة على يد رجلٍ واحد.

فعذّبه عمّه الحكم بن أبي العاص وأوثقه رباطًا وقال: أترغب عن ملّة آبائك؟ والله لا أحلّك أبدًا حتى تدع ما أنت عليه. فقال عثمان: «والله لا أدعه أبدًا ولا أفارقه». فلما رأى صلابته تركه.

سيرة ابن هشام، والطبقات

ذو النورين: كيف تزوّج ابنتَي رسول الله ﷺ؟

لما نزلت سورة المسد طلّق ابنا أبي لهب رقية وأم كلثوم بأمر أبيهما، فزوّج النبيُّ ﷺ رقية من عثمان. فهاجر بها إلى الحبشة — فكان من أول من هاجر بأهله في سبيل الله بعد لوط عليه السلام كما قيل — ثم هاجر بها إلى المدينة.

ولما خرج المسلمون إلى بدر كانت رقية في مرض الموت، فأمره ﷺ أن يتخلّف لتمريضها، وضرب له بسهمه وأجره كأنه شهدها. وماتت والمسلمون في بدر، فجاء زيد بن حارثة بالبشارة والناس يدفنونها.

فلما مضى وقتٌ زوّجه أختها أم كلثوم، فسُمّي ذا النورين — ولا يُعرف أحدٌ تزوّج ابنتَي نبيٍّ غيره. ويُروى — بأسانيد لا تثبت — أنه ﷺ قال لما ماتت أم كلثوم سنة ٩هـ: «لو كان عندنا ثالثة لزوّجناكها يا عثمان».

سيرة ابن هشام؛ وخبر «الثالثة» عند ابن عساكر مرسلًا والطبراني بإسناد ضعيف

بئر رومة وجيش العُسرة: مالٌ اشترى به الجنة

◂ قدِم المهاجرون المدينة فلم يجدوا ماءً عذبًا إلا بئر رومة يملكها رجل يبيع ماءها، فقال ﷺ: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين بخيرٍ له منها في الجنة؟» فاشتراها عثمان وسبّلها للمسلمين.

◂ ولما ضاق المسجد بالناس قال ﷺ: «من يزيد في مسجدنا فيُبنى له بيتٌ في الجنة؟» فاشترى عثمان أرضًا ووسّعه بها.

◂ وفي غزوة تبوك — في حرٍّ وعُسرةٍ وقلّة ظهر — جهّز عثمان ثلث الجيش: قيل تسعمئة بعير وخمسين فرسًا، وجاء بألف دينار في كُمّه فصبّها في حِجر رسول الله ﷺ. فجعل ﷺ يقلّبها بيده ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» — يكرّرها.

صحيح البخاري تعليقًا، وسنن الترمذي وأحمد

يدُ رسول الله ﷺ خيرٌ من يد عثمان

في الحديبية أراد ﷺ أن يبعث رسولًا إلى قريش يخبرهم أنه جاء زائرًا للبيت لا مقاتلًا، فاختار عثمان لأنه أعزّهم فيهم وأمنعهم. فذهب، فعرضت عليه قريش أن يطوف بالبيت فأبى وقال: «ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ».

ثم احتُبس عندهم فأُشيع أنه قُتل، فقال ﷺ: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، ودعا الناس إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت. ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال: «هذه عن عثمان». قال ابن عمر: فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من يد عثمان لنفسه.

صحيح البخاري

«ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة؟»

كان ﷺ مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله وتحدّث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، ثم استأذن عثمان فجلس ﷺ وسوّى ثيابه. فلما خرجوا قالت عائشة: يا رسول الله، دخل أبو بكر فلم تهش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلستَ وسوّيتَ ثيابك! فقال: «ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة؟».

رواه مسلم

«على بلوى تصيبه»

أخبره ﷺ ببلاءٍ سيصيبه في آخر أمره وأمره بالصبر: كان على بئر أريس فدخل أبو بكر ثم عمر فبشّرهما بالجنة، ثم استأذن عثمان فقال: «ائذن له وبشّره بالجنة على بلوى تصيبه». وقال له في حديثٍ آخر: «يا عثمان، إن الله عسى أن يُقمّصك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني».

فكان كما أخبر: وليَ الخلافة اثنتي عشرة سنة، جمع الناس فيها على مصحفٍ واحد ونسخه وأرسله إلى الأمصار — وهو المصحف الذي بين أيدي المسلمين اليوم — ووسّع الفتوحات إلى إفريقية وخراسان وقبرص، ثم حُوصر في بيته فأبى أن يخلع أو يُقاتَل عنه، وقُتل مظلومًا وهو صائم يقرأ القرآن سنة ٣٥هـ، فسال دمه على المصحف.

صحيح البخاري ومسلم، وسنن الترمذي وابن ماجه
ابن عمّه وصهره

النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه

نشأ في بيته، وأول من أسلم من الصبيان، ونام في فراشه ليلة أرادوا قتله، وتزوّج ابنته، وحمل رايته يوم خيبر. لم يكن بينه وبين النبي ﷺ في تربيته أحد؛ رباه من الصغر كما يربّي الأب ابنه.

كيف صار عليٌّ في بيت النبي ﷺ؟

أصابت قريشًا أزمةٌ شديدة وكان أبو طالب كثير العيال قليل المال. فقال ﷺ للعباس عمّه — وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق بنا نخفّف عنه. فأتياه فقالا: نريد أن نتحمّل عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال أبو طالب: إن تركتما لي عقيلًا فاصنعا ما شئتما. فأخذ العباسُ جعفرًا وأخذ النبيُّ ﷺ عليًّا فضمّه إليه.

فنشأ عليٌّ — وهو ابن نحو خمس أو ست سنين — في بيت رسول الله ﷺ وخديجة، يرى منهما ما لا يرى الناس. ولذلك لما رآهما يصلّيان في أول الوحي سأل: «ما هذا؟» فأخبره ﷺ ودعاه، فقال: أستشير أبي أبا طالب. ثم بات ليلته فألقى الله في قلبه الإسلام، فأصبح فقال: «إن الله خلقني ولم يستشر أبا طالب، فما حاجتي أن أستشيره في أن أعبد الله؟» فأسلم وهو ابن عشر — أول من أسلم من الصبيان.

مسند أحمد، وسيرة ابن هشام، والحاكم

وليمة العشيرة: «أنا يا نبيّ الله»

لما نزل ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أمر ﷺ عليًّا أن يصنع طعامًا ويدعو بني عبد المطلب — نحو أربعين رجلًا فيهم أعمامه. فلما طعموا قام فيهم فقال: «إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الأمر؟».

فأحجم القوم جميعًا — رجالٌ كبار أشدّاء أهل تجارة وسيادة — ولم يجب إلا غلامٌ حديث السنّ أرمص العينين ناحل الجسم، فقام وقال: «أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك عليه». (رواه أحمد بإسناد فيه ضعف، وزيادة «وصيّي وخليفتي فيكم» التي في بعض الطرق موضوعة لا تصح.)

رواه أحمد والنسائي والطبري وابن أبي حاتم

النوم في فراش المستهدَف

لمّا أجمعت قريش في دار الندوة على أن يضربوه ﷺ ضربة رجلٍ واحد بأيدي فتيانٍ من كل قبيلة، وأطبقوا على بابه ينتظرون خروجه — قال ﷺ لعليّ: «نم على فراشي وتَسَجَّ ببُردي هذا الحضرمي، فإنه لن يُخلَص إليك منهم شيءٌ تكرهه».

فنام عليٌّ في فراشه وهو يعلم أن السيوف مسلولة على الباب لمن في هذا الفراش. وأمره ﷺ أن يبقى بعده ليردّ الودائع إلى أهلها — وهي أموال قريش نفسها التي كانت تستأمنه عليها وهي تدبّر قتله! فأقام عليٌّ ثلاثًا يؤدّي الأمانات ثم لحق به مهاجرًا ماشيًا حتى تورّمت قدماه.

تأمّل الصورة: قومٌ يريدون قتلَه وقد ائتمنوه على أموالهم — هذه شهادةُ أعدائه له بالأمانة، ولذلك لم يخرج من مكة حتى ردّ إليهم كل ما لهم عنده.

سيرة ابن هشام، ومسند أحمد

زواجه من فاطمة الزهراء: أفقر عرسٍ وأشرف نسب

خطب فاطمةَ أبو بكر وعمر فردّهما ﷺ برفق وقال: «إني أنتظر بها القضاء». ثم شجّع الصحابةُ عليًّا أن يخطبها، فجاء يستحيي حتى ما يستطيع الكلام، فقال ﷺ: «كأنك جئت تخطب فاطمة؟» قال: نعم. فقال: «وهل عندك من شيء تستحلّها به؟» قال: لا والله. قال: «فأين درعك الحُطَميّة التي أعطيتك؟» — فباعها بنحو أربعمئة درهم فكانت مهرها.

وكان جهازها: سريرٌ مُشرّط بالليف، ووسادةٌ من أَدَم حشوها ليف، ورَحًى، وقِربة، وجرّتان. وأولم عليها بكبش وشيءٍ من ذرة. — أشرف بنتٍ على الأرض تتزوج بأبسط بيت.

وجاءت فاطمة أباها تشكو ما تلقى من الرحى وأثر العمل في يدها وتسأله خادمًا، فلم يعطها، وأتاهما ليلًا وقد أخذا مضاجعهما فجلس بينهما حتى وجد برد قدميه على صدره وقال: «ألا أدلّكما على خيرٍ مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين — فهو خيرٌ لكما من خادم». قال علي: فما تركتها منذ سمعتها من رسول الله ﷺ.

صحيح البخاري ومسلم، والنسائي في قصة المهر

بدر وأُحد والخندق: الفتى الذي لا يفرّ

◂ في بدر كان أحد الثلاثة الذين برزوا لمبارزة عتبة وشيبة والوليد — وهو أصغرهم — فقتل الوليد بن عتبة، وكان له بلاءٌ عظيم في المعركة وهو ابن نحو خمسٍ وعشرين سنة.

◂ وفي أُحد ثبت مع من ثبت حين انكشف الناس، وأُصيب بجراحٍ كثيرة، وحمل الماء في المِجَنّ فغسل به ﷺ الدم عن وجهه.

◂ وفي الخندق برز له عمرو بن ودّ العامري — فارس قريش المشهور الذي كان يُعدّ بألف فارس — وطلب المبارزة، فأحجم الناس، فقام عليّ ثلاث مرات يقول: أنا له يا رسول الله. فألبسه ﷺ درعه وأعطاه سيفه وعمّمه بعمامته ودعا له، فقتله. وكان قتلُه من أسباب انكسار معنويات الأحزاب.

سيرة ابن هشام، والطبري، وأصل بدر في الصحيحين

خيبر: «لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله»

طال حصار حصون خيبر، فقال ﷺ في المساء: «لأعطينّ هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». فبات الناس ليلتهم يدوكون — أي يخوضون ويتساءلون — أيّهم يُعطاها. قال عمر: ما أحببتُ الإمارة إلا يومئذ. فلما أصبحوا غدوا كلهم يرجو أن يُعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقيل: يشتكي عينيه. فأرسل إليه فأُتي به يُقاد، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، وأعطاه الراية ففتح الله على يديه.

وقبل أن ينطلق سأله: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال ﷺ موصيًا: «انفُذ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمر النَّعَم».

صحيح البخاري ومسلم

حديث المنزلة: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟»

لما خرج ﷺ إلى تبوك — وهي أبعد غزواته وأشقّها — خلّف عليًّا على أهله (واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة)، ولم يخرج معه. فأرجف المنافقون به وقالوا: ما خلّفه إلا استثقالًا له! فأخذ عليٌّ سلاحه وخرج حتى لحق بالنبي ﷺ فقال: يا رسول الله، زعم المنافقون أنك خلّفتني لأنك استثقلتني وتخفّفت مني! فقال ﷺ:

«ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبيٌّ بعدي؟»

— متفق عليه. وزاد ابن إسحاق في السيرة: «كذبوا، ولكني خلّفتك لما ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك».

فرجع عليٌّ راضيًا. — والمنزلة هنا منزلة الاستخلاف عند الغياب، كما استخلف موسى هارون حين ذهب لميقات ربه، وقد صرّح ﷺ في الحديث نفسه بنفي النبوة عنه.

صحيح البخاري ومسلم

«قم أبا تُراب»

جاء ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًّا، فقال: «أين ابن عمك؟» قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يَقِل عندي. فقال ﷺ لرجل: «انظر أين هو». فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاءه ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقّه وأصابه تراب، فجعل يمسحه عنه بيده ويقول: «قم أبا تُراب، قم أبا تراب».

قال سهل بن سعد: فوالله ما كان له اسمٌ أحبَّ إليه منه — لأن رسول الله ﷺ هو الذي سمّاه به. ولم يُعنّفه على مغاضبة زوجته ولا فاطمة، إنما مسح عنه التراب ومازحه بكنيةٍ صارت أحبّ أسمائه إليه.

صحيح البخاري ومسلم

قاضٍ في الثلاثين، ودعوةٌ استُجيبت

بعثه ﷺ إلى اليمن قاضيًا وهو شاب، فقال: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السنّ ولا علم لي بالقضاء! فضرب بيده في صدره وقال: «اللهم اهدِ قلبه وثبّت لسانه». قال عليّ: فوالله ما شككتُ في قضاءٍ بين اثنين بعد. وعلّمه قاعدة القضاء: «إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضِ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبيّن لك القضاء».

وقال عمر بن الخطاب — وهو الفاروق: «أقضانا عليّ»، وكان يستعيذ من معضلةٍ ليس لها أبو حسن. وقال ابن عباس حبر الأمة: إذا جاءنا الثَّبَتُ عن عليّ لم نعدل به.

سنن أبي داود وأحمد (حسّنه بعض أهل العلم وضعّفه الألباني)، وقول عمر في صحيح البخاري تعليقًا وعند غيره موصولًا

«لا يحبّك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق»

قال عليٌّ رضي الله عنه: والذي فلق الحبة وبرأ النَّسَمة، إنه لَعهدُ النبي الأمي ﷺ إليّ: أن لا يحبّني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق — رواه مسلم. ويُروى أنه قال له في المؤاخاة: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» (الترمذي، وفي إسناده ضعف). وقال في الحسن والحسين ابنَي عليّ وفاطمة: «هما ريحانتاي من الدنيا»، و«الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة».

وكان ﷺ يخرج والحسن على عاتقه ويقول: «اللهم إني أحبّه فأحبّه». وسجد سجدةً طويلة في الصلاة فلما سُئل قال: «إن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته».

صحيح مسلم، والبخاري، والنسائي
مسألة يكثر فيها اللغط: ما بين أبي بكر وعليّ رضي الله عنهما من المودّة أشهر من أن يُنكَر: فقد بايع عليٌّ أبا بكر وصلّى خلفه وأثنى عليه، وسمّى بعض ولده أبا بكر وعمر وعثمان، وزوّج ابنته أمّ كلثوم من عمر. وسُئل عليّ في خلافته: من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: أبو بكر، ثم قال: ثم عمر. وقال: «لا أوتى بأحدٍ يفضّلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدّ المفتري». فمن أحبّهما معًا فقد وافق سيرتهما، ومن جعل حبّ أحدهما بغضًا للآخر فقد خالفهما جميعًا.
أم المؤمنين الأولى

النبي ﷺ وخديجة بنت خويلد رضي الله عنها

خمس وعشرون سنة معه: خمس عشرة قبل النبوة وعشر بعدها، لم يتزوّج عليها ولم يذكرها إلا بخير. قال ﷺ: «إني رُزقت حبّها» — رواه مسلم.

سيّدة نساء قريش قبل أن تكون أمّ المؤمنين

هي خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، وتلتقي بنسبه ﷺ في قُصَيّ. كانت امرأةً تاجرةً ذات شرفٍ ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيءٍ تجعله لهم. وكانت تُلقّب في الجاهلية بـ«الطاهرة» لعفافها، وقد خطبها أشراف قريش فردّتهم.

تزوّجها ﷺ وهو ابن خمسٍ وعشرين وهي ابنة أربعين على المشهور، بعد أن رأت من أمانته في تجارتها ما رأت، وسمعت من غلامها ميسرة ما سمع من الراهب. وهي التي بعثت إليه تعرض عليه الزواج — على ما ذكر أهل السير — بواسطة صديقتها نفيسة بنت مُنية.

سيرة ابن هشام، والطبقات لابن سعد

ليلة الوحي: «كلّا والله لا يُخزيك الله أبدًا»

رجع ﷺ من غار حراء يرجُف فؤاده فدخل عليها فقال: «زمّلوني زمّلوني»، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قصّ عليها الخبر وقال: «لقد خشيتُ على نفسي».

فما اضطربت ولا شكّت، بل قالت كلمةً صارت أشهر ما قالته امرأة:

«كلّا والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسِب المعدوم، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق»

واستدلّت على المستقبل بالماضي: رجلٌ بهذه الأخلاق لا يخذله الله. ثم لم تكتفِ بالتطمين، بل انطلقت به إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل — وكان قد تنصّر وقرأ الكتب — فسمع منه فقال: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يُخرجك قومك».

تأمّل: أول من آمن به في الأرض كان زوجته — والزوجة أعرف الناس بحقيقة الرجل. فإيمانها به شهادةٌ من أقرب مصدر.

صحيح البخاري ومسلم — حديث بدء الوحي

مالها وقلبها في سنوات الشدّة

◂ واستْه بمالها حتى أنفقته في سبيل الله، فماتت ولم يبقَ من مالها الكثير.

◂ صبرت معه في حصار الشِّعب ثلاث سنين وهي في نحو الخامسة والستين، حتى أكلوا ورق الشجر — وقد كانت أغنى نساء قريش.

◂ ثبّتته كلما آذاه قومه: كان يرجع إليها فتُهوّن عليه ما يلقى.

◂ وأتاه جبريل فقال: «يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناءٌ فيه إدامٌ أو طعامٌ أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشّرها ببيتٍ في الجنة من قصبٍ لا صخب فيه ولا نصب» — سلامٌ من ربّ العالمين على امرأة، لم يُنقل مثله لغيرها.

◂ ورُزق منها كل أولاده إلا إبراهيم.

متفق عليه، وسيرة ابن هشام

عشر سنين بعد موتها — وهو لا ينساها

ماتت في عام الحزن قبل الهجرة بثلاث سنين، بعد وفاة أبي طالب بأيام، فاجتمع عليه فقدُ الناصر والسكن في عامٍ واحد.

ثم بقي يذكرها حتى قالت عائشة: ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبي ﷺ ما غِرتُ على خديجة، وما رأيتُها قط، ولكن كان يُكثر ذكرها؛ وربما ذبح الشاة ثم يقطّعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة.

وقالت مرة غيرى: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشِّدق، قد أبدلك الله خيرًا منها! فغضب ﷺ حتى اهتزّ مقدّم شعره، وقال:

«لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها: آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء»

ومرةً استأذنت عليه هالة بنت خويلد أختها، فعرف استئذانها لشبهه باستئذان خديجة، فارتاع لذلك وقال: «اللهم هالة!» — بعد أكثر من عشر سنين.

صحيح البخاري ومسلم؛ وجوابه «ما أبدلني الله خيرًا منها» في مسند أحمد بإسناد حسن
قال ﷺ: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» — متفق عليه. وعدّها العلماء من أفضل نساء العالمين مع مريم وآسية وفاطمة.
فقيهة الأمة

النبي ﷺ وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها

سُئل ﷺ: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة». قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها» — متفق عليه. وهي التي نقلت لنا نصف ما نعرفه عن بيته وهديه.

◆ مكانتها عنده

  • «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
  • «ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأةٍ منكنّ غيرها».
  • كان أصحابه يتحرّون بهداياهم يومها يبتغون بذلك مرضاته.
  • وأتاه جبريل بصورتها في سَرَقة من حرير فقال: «هذه امرأتك في الدنيا والآخرة».
  • واختار أن يُمرَّض في بيتها، ومات ورأسه بين سَحرها ونحرها، ودُفن في حجرتها.

◆ علمها وأثرها

  • روت أكثر من ٢٢٠٠ حديث، وهي من المكثرين السبعة.
  • قال أبو موسى: ما أشكل علينا — أصحابَ رسول الله ﷺ — حديثٌ قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا.
  • كانت مرجعًا في الفقه والفرائض والطب والشعر وأيام العرب.
  • واستدركت على بعض الصحابة في الرواية، وجُمعت استدراكاتها في كتب مستقلة.
  • وأكثر ما نعرفه عن بيته وشمائله وليله منقولٌ عنها.

◆ من مواقفها معه

  • السباق مرتين، والنظر إلى لعب الحبشة من فوق منكبه حتى ملّت.
  • «إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية وإذا كنتِ عليّ غضبى» — وقولها: «والله ما أهجر إلا اسمك».
  • يشرب من موضع فمها، ويتّكئ في حجرها، ويرجّل شعره وهو معتكف.
  • وحين خيّرها بين الدنيا وبينه قالت: «أفي هذا أستأمر أبويّ؟ بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة».
  • وقالت تصف خُلقه: «كان خُلقه القرآن».

◆ براءتها من فوق سبع سماوات

  • خاض المنافقون في عِرضها شهرًا كاملًا في حادثة الإفك، ومرضت حتى ظنّت أن البكاء فالقٌ كبدها.
  • قالت لأبويها: «فإني والله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون».
  • فنزلت براءتها في عشر آيات من سورة النور تُتلى إلى يوم القيامة.
  • فقالت لها أمها: قومي إليه. فقالت: «والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله».
  • وصار في براءتها تشريعٌ عامّ: حدّ القذف، وأدب التثبّت، وحسن الظنّ.
وفي مسألة سنّها: وردت الرواية المشهورة في الصحيحين، وقد ناقش عددٌ من الباحثين تقديرها بقرائن تاريخية ورأوا أنها كانت أكبر، فيما تمسّك آخرون بظاهرها — والذي عليه أهل الحديث والسير ما في الصحيحين، والمناقشة معاصرة. وقد بسطنا القول فيها في قسم الأسئلة المتكرّرة.
صاحبة الرأي

النبي ﷺ وأم سلمة رضي الله عنها

هند بنت أبي أمية المخزومية: هاجرت الهجرتين، وفُرّق بينها وبين زوجها وابنها سنةً كاملة، ثم صارت صاحبة الرأي الذي أنقذ أحرج موقفٍ في السيرة.

سنةٌ كاملة تبكي في الأبطح

لمّا أرادت الهجرة مع زوجها أبي سلمة، اعترضهم قومها فانتزعوها منه، ثم نزع قومُ أبي سلمة ابنَها منها، فبقيت وحدها: زوجها بالمدينة وابنها عند قومه. قالت: فكنت أخرج كل غداةٍ إلى الأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي — سنةً أو قريبًا منها. حتى رقّ لها رجلٌ من بني عمّها فكلّمهم فردّوها، وردّ إليها بنو عبد الأسد ابنَها، فهاجرت وحدها إلى المدينة ومعها ابنها.

ثم مات زوجها أبو سلمة متأثّرًا بجراح أُحد، فعلّمها ﷺ الدعاء: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها». قالت: فقلت في نفسي: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ ثم قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ.

سيرة ابن هشام، وصحيح مسلم

الرأي الذي أنقذ الموقف يوم الحديبية

لما فرغ ﷺ من كتاب الصلح — وقد وجد المسلمون في أنفسهم من شروطه — قال: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». قال الراوي: فوالله ما قام منهم رجلٌ واحد — حتى قالها ثلاث مرات.

فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت:

«يا نبيّ الله، أتحبّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلّم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك فيحلقك»

ففعل، فلما رأوه قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. — امرأةٌ فهمت أن القوم لا ينقصهم الأمر بل القدوة، وأن الأزمة نفسية لا تُحلّ بتكرار الأمر.

صحيح البخاري

◆ علمها وروايتها

  • ثاني أمهات المؤمنين رواية بعد عائشة، ومرجعٌ في فقه المرأة والأحوال.
  • سألته: «يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة من غسلٍ إذا احتلمت؟» فأجابها.
  • وسألت: لِمَ يُذكر الرجال في القرآن ولا نُذكر؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ…﴾.
  • وهي راوية حديث «اللهم أجرني في مصيبتي» وأحاديث كثيرة في الطهارة والصلاة والبيت النبوي.
  • وعُمّرت حتى كانت آخر أمهات المؤمنين موتًا على المشهور.

◆ ومواقف أخرى

  • شاورها ﷺ في مواضع غير الحديبية، وكان يستمع إلى رأيها ويعمل به.
  • وأزواجه داخلات في آية التطهير بسياقها، وإن لم تكن أم سلمة تحت الكساء؛ فقد قالت: «يا نبي الله، وأنا معهم؟» قال: «أنت على مكانك وأنت على خير» (الترمذي).
  • وكانت في بيتها حين نزلت آياتٌ من سورة الأحزاب.
  • ولمّا استُشهد الحسين بلغها الخبر فحزنت حزنًا شديدًا وذكرت ما أخبر به جدّه ﷺ.
خلف الباب

بيته ﷺ من الداخل: كيف كان زوجًا؟

أدقّ ما يُعرف عن رجلٍ ما يعرفه أهله. وقد نقلت أزواجه — رضي الله عنهنّ — تفاصيل بيته حتى صار أشهر بيتٍ في التاريخ: خصوماته وضحكه ومشاركته في العمل وغَيرة نسائه.

◆ في خدمة أهله

  • سُئلت عائشة: ما كان يصنع في بيته؟ قالت: «كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة».
  • يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، ويكنس البيت.
  • يشرب من موضع فم عائشة ويتعرّق العَرق من موضع فيها.
  • يضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض، ويتّكئ عليها.
  • يمشّط له شعره وهو معتكف يُخرج رأسه من المسجد إلى حجرتها.

◆ ملاطفته ومزاحه

  • سابقها مرتين: سبقته أول مرة، ثم سبقها بعد أن حملت اللحم فقال: «هذه بتلك».
  • سترها بردائه وهي تنظر إلى لعب الحبشة من فوق منكبه حتى ملّت هي، وقال: «لتعلم يهود أن في ديننا فُسحة».
  • قال لها: «إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية وإذا كنتِ عليّ غضبى». قالت: كيف؟ قال: «إذا كنتِ راضية قلتِ: لا وربّ محمد، وإذا كنتِ غضبى قلتِ: لا وربّ إبراهيم». قالت: أجل، والله ما أهجر إلا اسمك.
  • وكان يكنّيها «يا عائش»، ويقول لها: «يا عائش، هذا جبريل يقرئك السلام». فتقول: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى.

◆ العدل بينهنّ

  • يقسم بينهنّ فيعدل، ويُروى أنه كان يقول: «اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» — يعني ميل القلب (أبو داود، ورجّح الترمذي إرساله).
  • يدور عليهنّ بعد العصر فيسلّم ويسأل عن حالهنّ، ثم يستقرّ عند صاحبة النوبة.
  • إذا سافر أقرع بينهنّ فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها.
  • وهبت سودة يومها لعائشة ابتغاء مرضاته، فقبل.
  • وقال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقّه مائل».

◆ حين يقع الخلاف

  • كسرت إحدى أزواجه قصعة ضرّتها غيرةً، فما زاد على أن قال: «غارت أمّكم»، ثم قضى: «طعامٌ بطعام وإناءٌ بإناء».
  • راجعته امرأة في الكلام فغضب عمر، فقال ﷺ ما يدلّ على سعة صدره.
  • وحين اجتمعن يسألنه النفقة اعتزلهنّ شهرًا في مشربة، ثم نزل التخيير: ﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ — فاخترنه كلهنّ.
  • وفي حادثة العسل تظاهرت اثنتان عليه فترك ما كان يحبّ، فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.
  • ولم يُنقل عنه سبٌّ ولا ضربٌ ولا طردٌ قط في بيته.

◆ عيشهم

  • ومما ملكت يمينه: مارية القبطية أم إبراهيم، وريحانة بنت زيد من سبي بني قريظة — قيل أعتقها وتزوّجها، وقيل بقيت في ملكه؛ وخبرها عند ابن سعد والواقدي.
  • حجراتٌ صغيرة من لبِنٍ وجريد، يبلغها الرجل بيده إذا رفعها.
  • فراشه أَدَم حشوه ليف، وينام على حصيرٍ يؤثّر في جنبه.
  • «ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعيرٍ يومين متتابعين حتى قُبض».
  • يمرّ الهلال والهلالان وما تُوقد في أبياته نار: الأسودان: التمر والماء.
  • وكانت أطول أزواجه يدًا بالصدقة أكثرهنّ عملًا بيدها: زينب بنت جحش كانت صنّاعًا تتصدّق بكسبها.

◆ وصاياه في البيت

  • «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
  • «استوصوا بالنساء خيرًا» — أعلنها في أعظم مجمع يوم عرفة.
  • «لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخر».
  • «وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت بها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك».
  • و«أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم».
مخرَّجٌ في الصحيحين والسنن. وتأمّل: هذه التفاصيل نقلتها زوجاته أنفسهنّ — ولو كان في بيته ما يُخفى لأخفينه، لكنه بيتٌ عُرض على الأمة بكل ما فيه.
«دعوة النبي مستجابة»

دعواته ﷺ: لمن دعا؟ وعلى من دعا؟

دعا لأشخاصٍ بأعيانهم فاستُجيب لهم ورأى الناس أثرها، ودعا على أقوام فوقع، وأمسك عن الدعاء في مواضع رحمةً — وادّخر دعوةً واحدة لأمّته يوم القيامة.

◆ دعواتٌ لأشخاص فاستُجيبت

  • لابن عباس: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» — فصار حبر الأمة وترجمان القرآن.
  • لأنس: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه» — فكان من أكثر الأنصار مالًا وولدًا، ودُفن من صلبه أكثر من مئة، وعاش نحو مئة سنة.
  • لأبي هريرة: بسط رداءه ثم ضمّه فما نسي شيئًا بعده، ودعا لأمّه فأسلمت من ساعتها.
  • لعليّ: بصق في عينيه يوم خيبر فبرأ، ودعا له: «اللهم اهدِ قلبه وثبّت لسانه» فقال: ما شككت في قضاءٍ بعد.
  • لسعد بن أبي وقاص: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك» — فكان مجاب الدعوة يُهاب دعاؤه.
  • لعروة بن أبي الجعد بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى التراب لربح فيه.
  • لدَوس: «اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم» — فأسلمت، ومنهم أبو هريرة.

◆ ومن دعا عليهم

  • على كسرى لمّا مزّق كتابه: «مزّق الله ملكه» — فمُزّق ملكه.
  • على قتلة أصحاب بئر معونة: قنَت شهرًا يدعو على رِعل وذكوان وعُصيّة.
  • على عتبة بن أبي لهب لمّا آذاه: «اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك» — فافترسه أسد.
  • على من أكل بشماله كِبرًا: «لا استطعتَ» — فما رفعها إلى فيه بعد.
  • وعلى صناديد قريش في القُنوت، فنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فأمسك — وأسلم بعضهم فصاروا من خيار الأمة.

◆ ومواضع أمسك فيها

  • عرض عليه ملك الجبال إهلاك أهل مكة فقال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله».
  • ويوم أُحد وقد سال دمه يسلته ويقول: «كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم؟» — وكان يحكي نبيًّا ضربه قومه فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ويُروى أنه قالها هو يوم أُحد.
  • وقيل له: ادعُ على المشركين. فقال: «إني لم أُبعث لعّانًا، وإنما بُعثت رحمة».
  • ولمّا استأذنه عمر في قتل رأس المنافقين: «لا، لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».

◆ والدعوة المدّخرة

  • «لكل نبيٍّ دعوةٌ مستجابة، فتعجّل كل نبيٍّ دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة» — آثر أمّته على نفسه في دعوةٍ لا تُردّ.
  • ورفع يديه في الاستسقاء حتى رُئي بياض إبطيه، فما نزل عن المنبر حتى سال المطر، ثم دعا: «اللهم حوالينا ولا علينا» فانقشعت عن المدينة.
  • ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض».
  • وكان أكثر دعائه: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».
أربع بنات

بناته ﷺ: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة

وُلدن كلهنّ من خديجة قبل البعثة، وشهدن أذى قريش لأبيهنّ، وهاجرن، ومات ثلاثٌ منهنّ في حياته فشهد موتهنّ وحزن عليهنّ. ولم تبقَ بعده إلا فاطمة، ستة أشهر.

زينب: المرأة التي فرّقت النبوةُ بينها وبين زوجها ثم جمعتهما

تزوّجها قبل البعثة ابنُ خالتها أبو العاص بن الربيع — وكان من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانةً وتجارة. فلما بُعث النبي ﷺ أسلمت زينب وبقي زوجها على شركه، فمشت إليه قريش تقول: فارقها ونحن نزوّجك أيّ امرأةٍ شئت من قريش. فقال: «لا والله، إني لا أفارق صاحبتي، وما أحبّ أن لي بامرأتي امرأةً من قريش» — فأثنى عليه النبي ﷺ بعدُ وقال: «حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي».

ثم أُسر أبو العاص في بدر، فبعثت زينب في فدائه بمالٍ وفيه قلادةٌ لها كانت لخديجة أدخلتها بها على زوجها. فلما رآها ﷺ رقّ رقّةً شديدة وقال: «إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا». ففعلوا. وشرط على أبي العاص أن يُخلي سبيل زينب إليه، ففعل ووفى.

فخرجت مهاجرة، فأدركها المشركون بذي طُوى، فروّعها هبّار بن الأسود بالرمح وهي في هودجها وكانت حاملًا فسقط حملها. ثم أُعيدت ثم خرجت ليلًا. وبقيت تشتكي من تلك الروعة حتى ماتت — فعدّها بعض أهل العلم شهيدة.

ثم أسلم أبو العاص بعد ست سنين وقدم مهاجرًا، فردّها إليه ﷺ بالنكاح الأول. وماتت سنة ٨هـ، فحزن عليها ونزل في حفرتها، وأمر النساء أن يغسلنها ثلاثًا أو خمسًا وأعطاهنّ حَقْوه (إزاره) وقال: «أشعِرنها إياه».

صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، وسيرة ابن هشام

رقية: هجرتان وبشارةٌ جاءت متأخرة يومًا

كانت تحت عُتبة بن أبي لهب، فلما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قال لهما أبوهما: رأسي من رأسكما حرامٌ إن لم تفارقا ابنتَي محمد، ففارقها قبل الدخول. فزوّجها ﷺ عثمان بن عفان.

فهاجرت معه إلى الحبشة — ويُروى بإسنادٍ لا يصح أنهما أول بيتٍ هاجر بعد لوطٍ وإبراهيم — ثم هاجرا إلى المدينة. ولما خرج المسلمون إلى بدر كانت في مرض الموت، فأمر ﷺ عثمان أن يتخلّف لتمريضها وضرب له بسهمه وأجره.

وماتت والمسلمون في بدر، فدُفنت، ثم قدم زيد بن حارثة بالبشارة بالنصر والناس يُسوّون التراب على قبرها. — نصرٌ عظيم وحزنٌ خاص في يومٍ واحد.

سيرة ابن هشام، والطبقات، وصحيح البخاري في تخلّف عثمان

أم كلثوم: الزوجة الثانية لذي النورين

كانت تحت عُتيبة بن أبي لهب ففارقها كما فارق أخوه أختها، وبقيت في بيت أبيها سنين. فلما ماتت رقية زوّجها ﷺ عثمان في السنة الثالثة للهجرة، فسُمّي ذا النورين.

وماتت سنة ٩هـ، فجلس ﷺ على قبرها وعيناه تدمعان، وقال: «من كان منكم لم يقارف الليلة أهله فليدخل» — فنزل أبو طلحة فدفنها. ويُروى بأسانيد لا تثبت أنه قال لعثمان: «لو أن عندنا ثالثةً لزوّجناكها».

ولمّا مات ﷺ لم يكن قد بقي من ولده أحدٌ إلا فاطمة؛ فهو ﷺ الذي عزّى الناس في موتاهم وقد فُجع في حياته بـستة من سبعة من أولاده.

صحيح البخاري، والطبقات لابن سعد

فاطمة: أمّ أبيها

أصغر بناته وأقربهنّ إليه، وكانت تُكنّى «أم أبيها» لكثرة ما كانت تقوم بأمره وتذبّ عنه. رأته وهو ساجدٌ عند الكعبة وقد ألقى عليه سفهاء قريش سلا الجزور وهي صبيّة، فأقبلت تسعى فأزالته عن ظهره وأقبلت عليهم تسبّهم.

قالت عائشة: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودَلًّا وهديًا وحديثًا برسول الله ﷺ من فاطمة؛ كانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وإذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلته وأجلسته في مجلسها.

تزوّجها عليّ بدرعه الحُطميّة، وعاشا عيشًا خشنًا: تطحن بالرحى حتى أثّرت في يدها، وتستقي بالقربة حتى أثّرت في نحرها، فجاءت تسأل أباها خادمًا فعلّمها التسبيح عند النوم وقال: «هو خيرٌ لكما من خادم». ولم يُعطها من الفيء شيئًا خاصًّا، وقال: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة».

وفي مرض موته ﷺ دعاها فسارّها فبكت، ثم سارّها فضحكت. فلما سألتها عائشة بعد وفاته قالت: أخبرني أنه يُقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقًا به وأني سيدة نساء أهل الجنة فضحكت. فكان كما قال: توفيت بعده بستة أشهر وهي ابنة نحو تسع وعشرين.

ولما رأت شدّة ما به من الكرب قالت: واكرب أبتاه! فقال: «ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم». فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه.

صحيح البخاري ومسلم
مسألة يقع فيها الخلط: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن بناته أربع كما تقدّم، وأنهنّ بناته من صلبه. وقد خالف بعض المتأخرين فزعم أن الثلاث الكبار ربائبه، وهو قولٌ ضعيف مخالفٌ لما عليه أهل السير وكتب الأنساب المعتمدة.
﴿ويطهّركم تطهيرًا﴾

فاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم

قال ﷺ في خطبته: «وأذكّركم الله في أهل بيتي» — ثلاثًا. ومحبة أهل بيته من تمام محبته ﷺ، وهي محبةٌ تجتمع عليها الأمة ولا تفرّق.

«فاطمة بَضعةٌ مني»

هي أصغر بناته وأقربهنّ إليه، وأشبه الناس به سمتًا وهديًا ومشيةً وكلامًا. قالت عائشة: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودَلًّا وهديًا برسول الله ﷺ من فاطمة؛ كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وإذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلته وأجلسته في مجلسها.

وقال ﷺ: «فاطمة بَضعةٌ مني، فمن أغضبها أغضبني»، وقال: «إنما فاطمة بضعة مني، يُريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها». وقال: «سيدة نساء أهل الجنة فاطمة».

وفي مرض موته ﷺ دعاها فسارّها فبكت، ثم سارّها فضحكت. فسألتها عائشة بعدُ فقالت: أخبرني أنه يُقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقًا به وأني سيدة نساء أهل الجنة فضحكت. فكان كما قال: توفيت بعده بستة أشهر.

صحيح البخاري ومسلم، وسنن الترمذي

«هما ريحانتاي من الدنيا»

قال ﷺ: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة»، وقال: «هما ريحانتاي من الدنيا». وكان يحمل الحسن على عاتقه ويقول: «اللهم إني أحبّه فأحبّه، وأحبّ من يحبه».

وأطال السجود في الصلاة حتى ظنّ الناس أن أمرًا حدث، فلما سلّم قال: «إن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته». وكان يخطب على المنبر فأقبل الحسن والحسين يعثران في قميصيهما، فنزل ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾، نظرت إلى هذين يعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما».

وقال في الحسن نبوءةً وقعت: «إن ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» — فكان ذلك في «عام الجماعة» حين تنازل الحسن عن الخلافة حقنًا للدماء. وأخبر ﷺ أن الحسين يُقتل بأرض العراق، وأُري تربتها.

صحيح البخاري ومسلم، وسنن الترمذي وأبي داود والنسائي

الحسن بن عليّ: السيّد الذي حقن الدماء

وُلد في رمضان سنة ٣هـ، فأذّن ﷺ في أذنه وحنّكه بريقه وسمّاه الحسن — وكانت العرب تسمّي بأسماء الجاهلية، فجاء باسمٍ جديد كما فعل جدّه معه. وعقّ عنه بكبش، وأمر بحلق رأسه والتصدّق بوزن شعره فضّة.

وكان أشبه الناس برسول الله ﷺ من صدره إلى رأسه. قال أبو بكر وهو يحمله على عاتقه: بأبي، شبيهٌ بالنبي ليس شبيهًا بعليّ — وعليٌّ يضحك.

ومن مشاهده مع جدّه: كان ﷺ يخطب على المنبر فأقبل الحسن والحسين يعثران في قميصيهما، فنزل ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾، نظرتُ إلى هذين يعثران في قميصيهما فلم أصبر حتى قطعتُ حديثي ورفعتهما». وأخذ الحسن مرةً تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال ﷺ: «كِخْ كِخْ، ارمِ بها؛ أما علمتَ أنّا لا نأكل الصدقة؟» — يعلّمه وهو طفل أن حرمة المال العام لا تسقط بالقرابة.

وقال ﷺ فيه نبوءة وقعت بعد نحو ثلاثين سنة: «إن ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» — فلما آلت إليه الخلافة بعد أبيه ورأى الأمة على شفا حربٍ عامة، تنازل عنها لمعاوية حقنًا للدماء سنة ٤١هـ، فسُمّي ذلك العام عام الجماعة. — تنازلَ عن مُلكٍ ليحفظ دماء المسلمين، فكان بذلك «سيّدًا» كما سمّاه جدّه.

صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي

الحسين بن عليّ: «حسينٌ منّي وأنا من حسين»

وُلد في شعبان سنة ٤هـ، وصنع به ﷺ ما صنع بأخيه. وقال: «حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينًا».

ومن مشاهده: سجد ﷺ في صلاته سجدةً أطالها حتى ظنّ الناس أن أمرًا حدث، فلما سلّم قالوا: يا رسول الله، سجدتَ بين ظهراني صلاتك سجدةً أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر! فقال: «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أُعجله حتى يقضي حاجته».

وكان يقول: «اللهم إني أحبّهما فأحبّهما»، ويضمّهما ويشمّهما ويقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». وقال: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة».

وأخبر ﷺ بمقتله: قالت أم سلمة: دخل الحسين على النبي ﷺ وأنا جالسة عند الباب، فرأيته يقلّب كفّيه وعيناه تذرفان، فقال: «إن جبريل أخبرني أن ابني هذا مقتول، وأتاني بتربةٍ من تربته حمراء». — واستُشهد رضي الله عنه في كربلاء يوم عاشوراء سنة ٦١هـ.

ومصيبة كربلاء من أعظم ما ابتُليت به الأمة، وقتلُ الحسين جريمةٌ عظيمة أجمع أهل العلم على تحريمها وبراءة الأمة من فاعلها. والهدي في ذكرها: الترحّم والاعتبار، لا اللطم والنياحة التي نهى عنها جدّه ﷺ، ولا سبّ الأمة كلها بجريمة قومٍ بأعيانهم.

مسند أحمد، وسنن الترمذي وابن ماجه

«اللهم هؤلاء أهل بيتي»

خرج ﷺ غداةً وعليه مِرْطٌ مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم الحسين فأدخله معه، ثم فاطمة فأدخلها، ثم عليّ فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

وفي المباهلة مع وفد نجران لما دعاهم إلى أن يبتهلوا فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين — ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ...﴾ — خرج ﷺ ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فلما رآهم أسقف نجران قال: إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلًا من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا. فصالحوه ولم يباهلوه.

و«أهل البيت» في الاستعمال الشرعي يشمل هؤلاء، ويشمل أزواجه ﷺ — لأن سياق آية التطهير في سورة الأحزاب كله خطابٌ لأزواج النبي ﷺ — ويشمل آل عليّ وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس ممن حُرّمت عليهم الصدقة. وقد قال ﷺ في الصلاة الإبراهيمية: «وعلى آل محمد».

صحيح مسلم، وحديث المباهلة عند مسلم والبيهقي
من كنوز السيرة

قصصٌ أخرى من حياته ﷺ

قصصٌ ثابتة تكمّل الصورة: مع أعدائه، ومع أهل بيته، ومع الغرباء، ومع نفسه في ساعات الشدة.

«صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة»

كان ياسر وزوجه سُميّة وابنهما عمّار من المستضعفين الذين لا عشيرة تمنعهم، فكان بنو مخزوم يخرجونهم إذا حميت الظهيرة فيعذّبونهم في رمضاء مكة. فكان رسول الله ﷺ يمرّ بهم ولا يملك لهم دفعًا — وهذا من أشدّ ما يبتلى به قائد: أن يرى أتباعه يُعذَّبون وهو لا يستطيع حمايتهم — فلا يزيد على أن يقول: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».

فطعن أبو جهل سُميّة فقتلها، فكانت أول شهيدة في الإسلام، ومات ياسر تحت العذاب. وأما عمّار فأكرهوه حتى نال منهم بلسانه، فجاء إلى النبي ﷺ يبكي، فجعل ﷺ يمسح عينيه ويقول: «ما لك؟» فأخبره، فسأله: «كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنًّا بالإيمان. قال: «فإن عادوا فعُد». ونزلت: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وقال له بعدُ: «تقتلك الفئة الباغية» — فكان كما قال.

الحاكم والبيهقي، وحديث «تقتلك الفئة الباغية» في الصحيحين

يوم رأى جسد أسد الله

لما انتهت أُحد جعل ﷺ يتفقّد أصحابه، فالتمس حمزة فوجده ببطن الوادي قد بُقر بطنه ومُثّل به: جُدع أنفه وأذناه، وأخرجت هند كبده فلاكتها. فوقف عليه ﷺ ولم يرَ منظرًا قط أوجع لقلبه منه، وقال: «لن أصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا قط أغيظ إليّ من هذا».

وجاءت صفيّة أخته تريد أن تنظر إليه، فأمر ابنها الزبير أن يردّها لئلا ترى ما بأخيها، فقالت: ولمَ؟ وقد بلغني أنه مُثّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله. فأذن لها فنظرت إليه واسترجعت واستغفرت له.

وكُفّن حمزة في بردةٍ قصيرة، كما لم يوجد لمصعب بن عمير إلا نمِرة، إذا غُطّي بها رأسه بدت رجلاه وإذا غُطّيت رجلاه بدا رأسه، فقال ﷺ: «غطّوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر». وكان ﷺ يصلي على الشهداء ويدفن الرجلين والثلاثة في القبر ويقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟» فيقدّمه في اللحد.

سيرة ابن هشام، وصحيح البخاري في دفن الشهداء

«من يمنعك مني؟» — الرجل الذي رفع السيف على رأسه

في غزوة ذات الرقاع نزل ﷺ في وادٍ كثير العِضاه، فتفرّق الناس يستظلّون بالشجر، ونزل ﷺ تحت سَمُرة وعلّق بها سيفه ونام. فجاء رجلٌ من المشركين — يقال له غَورث بن الحارث — فأخذ السيف واستلّه ووقف على رأسه ﷺ فاستيقظ والسيف صَلْتٌ في يده، فقال: من يمنعك مني؟ قال ﷺ: «الله». فسقط السيف من يده.

فأخذه رسول الله ﷺ وقال: «من يمنعك مني؟» قال: كن خير آخذ. قال: «تشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: لا، ولكني أعاهدك ألّا أُقاتلك ولا أكون مع قومٍ يقاتلونك. فخلّى سبيله. فرجع إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس.

صحيح البخاري ومسلم، والزيادة في آخره عند أحمد والحاكم

حجرٌ على البطن، وشهرٌ بلا نار

قالت عائشة: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعيرٍ يومين متتابعين حتى قُبض. وقالت: إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال — ثلاثة أهلّة في شهرين — وما أُوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقيل: فما كان يُعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء — إلا أن جيرانًا من الأنصار كانت لهم مَنائح يبعثون إليه من ألبانها فيسقينا.

وخرج ﷺ ذات يوم من الجوع فلقي أبا بكر وعمر وقد أخرجهما الجوع أيضًا، فقال: «ما أخرجكما هذه الساعة؟» قالا: الجوع. قال: «وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما». فانطلقوا إلى رجلٍ من الأنصار فأطعمهم رطبًا وذبح لهم، فلما أكلوا وشربوا قال ﷺ: «لتُسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة».

وربط الحجر على بطنه يوم الخندق من الجوع، ودخل عليه رجل فوجده يصلي على حصير قد أثّر في جنبه. ومع ذلك مرّت عليه غنائم حنين — آلاف الإبل والشياه — فوزّعها كلها ولم يبقِ لنفسه شيئًا.

صحيح البخاري ومسلم

كيف كان يجلس بين الناس؟

قال أنس: لم يكن شخصٌ أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك. وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس، حتى إن الغريب يدخل المسجد فلا يعرف أيّهم رسول الله حتى يسأل: «أيّكم محمد؟» — لا مجلس مرتفع، ولا حرس، ولا لباس يميّزه.

وجاءه ضِمام بن ثعلبة فأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله ودخل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال ﷺ: «أنا». فقال الرجل بجفاء البادية: يا ابن عبد المطلب، إني سائلك فمُشدِّدٌ عليك في المسألة فلا تجد عليّ في نفسك. فقال ﷺ بسعة صدر: «سل عمّا بدا لك». فسأله عن أركان الإسلام مستحلفًا إياه بالله في كل مسألة، والنبي ﷺ يقول: «اللهم نعم». فقال: آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسول من ورائي من قومي. فقيل: ما رأينا وافدَ قومٍ كان أفضل من ضمام.

صحيح البخاري ومسلم

حين خيّرهنّ بين الدنيا وبينه

اجتمع نساؤه ﷺ يسألنه من النفقة ما ليس عنده، فاعتزلهنّ شهرًا في مَشرُبة له، حتى شاع في المدينة أنه طلّق نساءه. فدخل عليه عمر فوجده مضطجعًا على حصيرٍ قد أثّر في جنبه، وتحت رأسه وسادة من أَدَم حشوها ليف، وعند رجليه قَرَظ، وعند رأسه أُهُب معلّقة — فابتدرت عيناه بالبكاء.

ثم نزل قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ۝ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فبدأ ﷺ بعائشة فقال: «إني ذاكرٌ لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك». فقالت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم فعلن أزواجه كلهنّ مثل ما فعلت عائشة.

صحيح البخاري ومسلم

الاستقادة: من له عندي مظلمة فليأخذها

ويُروى بإسنادٍ ضعيف أنه ﷺ خرج في مرضه معصوب الرأس يتوكّأ، فجلس على المنبر ثم قال: «أيها الناس، من كنت جلدتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمتُ له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذتُ له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه». فقام رجل يقول: يا رسول الله، لي عندك ثلاثة دراهم. فقال: «أعطه يا فضل».

وقال في تلك الأيام أيضًا: «ما من الناس أحدٌ أمنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر». وأوصى بالأنصار: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». — رجلٌ يحكم جزيرة العرب يخرج من الدنيا وقد أبرأ ذمّته من كل حقٍّ لأحد، ولم يُذكر أن أحدًا طالبه بمظلمة.

مسند أحمد والطبراني، وأصل الخطبة في السير

الابتسامة من وراء الستر

في صبيحة الاثنين الذي مات فيه، والناس صفوفٌ في صلاة الفجر خلف أبي بكر، كشف ﷺ سِتر حجرة عائشة ونظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، فتبسّم يضحك. قال أنس: فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤيته، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظنّ أنه خارجٌ إلى الصلاة. فأشار إليهم ﷺ بيده: أن أتمّوا صلاتكم، ثم دخل وأرخى الستر.

فما رأوه بعدها. — آخر مشهدٍ رآه نبيّ الأمة قبل أن يُقبض: أمّته قائمةٌ تصلي، فتبسّم. وكان آخر ما وصّى به: «الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم».

صحيح البخاري ومسلم
نساء حول الرسول ﷺ

الصحابيات: نصفٌ منسيّ من السيرة

لم تكن المرأة في السيرة حاشية؛ كانت أول من آمن، وأول من استُشهد، وممن حمل السلاح، وممن روى الشريعة، وممن أشار على النبي ﷺ فأخذ برأيها.

الرأي الذي أنقذ الموقف يوم الحديبية

لما فرغ ﷺ من كتاب الصلح قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا». قال الراوي: فوالله ما قام منهم رجلٌ واحد — من شدة ما وجدوا في أنفسهم من شروط الصلح. حتى قالها ثلاث مرات فلم يقم أحد. فدخل ﷺ على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت:

«يا نبي الله، أتحبّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلّم أحدًا منهم كلمةً حتى تنحر بُدنك وتدعو حالقك فيحلقك»

فخرج فلم يكلّم أحدًا حتى فعل ذلك: نحر بُدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوه قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا. — امرأةٌ فهمت أن القوم لا ينقصهم الأمر بل القدوة.

وهي هند بنت أبي أمية المخزومية، هاجرت الهجرتين، وفُرّق بينها وبين زوجها وابنها سنةً كاملة تخرج كل غداةٍ إلى الأبطح تبكي حتى ردّوهما إليها. ولما مات زوجها أبو سلمة علّمها ﷺ الدعاء: «اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» — قالت: فقلت في نفسي: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ ثم قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ.

صحيح البخاري، وصحيح مسلم

المرأة التي قاتلت دون رسول الله ﷺ يوم أُحد

خرجت نُسيبة بنت كعب يوم أُحد ومعها سِقاء تسقي الجرحى، فلما انكشف المسلمون عن النبي ﷺ اتّجهت إليه فقاتلت دونه بالسيف ورمت بالقوس حتى خلصت الجراحُ إليها؛ أُصيبت باثني عشر جرحًا، أشدها ضربةٌ على عاتقها من ابن قَمِئة بقيت لها سنة.

ويُروى عند الواقدي وابن سعد أنه ﷺ قال: «ما التفتُّ يمينًا ولا شمالًا يوم أُحد إلا وأراها تقاتل دوني»، وقال حين رأى جرحها: «ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟». ودعا لها ولأهلها: «اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة». فقالت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا.

وشهدت بعدها الحديبية وخيبر وحنين واليمامة، وقُطعت يدها في حرب مسيلمة وقُتل ابنها فيها.

الطبقات لابن سعد، ومسند أحمد

ذات النطاقين — والموقف الذي وصفها به ﷺ

حملت الطعام إلى الغار في أخطر ليالٍ في التاريخ، وشقّت نطاقها نصفين فربطت بأحدهما السُّفرة وانتطقت بالآخر، فقال ﷺ: «أبدلكِ الله بهما نطاقين في الجنة» — فسُمّيت ذات النطاقين. وكانت حاملًا بعبد الله بن الزبير فولدته بقُباء، فكان أول مولود في الإسلام بالمدينة ففرح المسلمون فرحًا شديدًا، لأن اليهود كانوا قد أشاعوا أنهم سحروهم فلا يولد لهم.

وحين لطمها أبو جهل على وجهها لأنها لم تدلّه على أبيها لم تجزع، وحين أعمى الله جدّها عن مال البيت خدعته بالأحجار لتُسكّنه. وعاشت مئة سنة لم تسقط لها سنّ ولم يُنكر لها عقل. وجاءتها أمها مشركةً في مدة الصلح تسألها صلةً، فسألت النبي ﷺ: أأصلها؟ قال: «نعم، صِلي أمك».

صحيح البخاري ومسلم

امرأةٌ سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات

ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت — وهو كلامٌ في الجاهلية يجعل الزوجة كأمّه فتحرم عليه أبدًا — وكانت قد أفنت شبابها معه وولدت له. فجاءت إلى النبي ﷺ تجادله وتشتكي وتقول: يا رسول الله، أكل شبابي ونثرتُ له بطني، حتى إذا كبر سنّي وانقطع ولدي ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك. وكان ﷺ يقول: «ما أراك إلا قد حرمتِ عليه» — لأنه لم ينزل عليه في ذلك شيء بعد.

فما برحت حتى نزل الوحي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ — وشُرّعت كفارة الظهار فبطلت العادة الجاهلية.

قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات؛ إني لأسمع كلام خولة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها، والله من فوق سبع سماوات يسمع. وكان عمر في خلافته يمرّ بها فتستوقفه فيقف طويلًا يسمع، فقيل له: تحبس أمير المؤمنين؟! فقال: «والله لو حبستني إلى الليل ما فارقتها إلا للصلاة — أتدرون من هذه؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، أفيسمع ربّ العالمين لخولة ولا يسمع لها عمر؟!».

سنن ابن ماجه والنسائي، وذكره البخاري تعليقًا، وسورة المجادلة

نساءٌ في ظلّ البيت النبوي

◂ أم أيمن (بركة): حاضنته من صغره، ورثها من أبيه فأعتقها. ويُروى أنه كان يقول: «أم أيمن أمي بعد أمي»، ويزورها بعد وفاة خديجة. وحين مات ﷺ زارها أبو بكر وعمر تأسّيًا بزيارته لها فوجداها تبكي، فقالا: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسوله؟ قالت: إني لأعلم، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيّجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.

◂ أسماء بنت عميس: هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر، ثم قدمت خيبر. فقال لها عمر مازحًا: سبقناكم بالهجرة! فقالت: كنتم مع رسول الله يُطعم جائعكم ويعلّم جاهلكم، وكنا في دارٍ بعيدة بغضاء في الحبشة، ثم أتت النبي ﷺ فقال: «ليس بأحقّ بي منكم، لهم هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان».

◂ أم رومان أم عائشة: أم الصدّيقة وراوية حديث الإفك، ويُروى مرسلًا بإسنادٍ ضعيف أنه ﷺ قال فيها: «من سرّه أن ينظر إلى امرأةٍ من الحور العين فلينظر إلى أم رومان».

صحيح مسلم، والبخاري، والطبقات لابن سعد (وحديث أم رومان ضعيف)

◆ رائدات في العلم

  • عائشة — روت أكثر من ٢٢٠٠ حديث، وكان أكابر الصحابة يسألونها في الفقه والفرائض والطب والشعر.
  • أم سلمة — ثاني أكثر أمهات المؤمنين رواية، ومرجعٌ في فقه المرأة.
  • الشِّفاء بنت عبد الله — كانت تكتب في الجاهلية، فعلّمت حفصة الكتابة، وولّاها عمر أمر السوق.
  • أم ورقة — جمعت القرآن، وأذن لها ﷺ أن تؤمّ أهل دارها، وكان يزورها ويسمّيها «الشهيدة».

◆ في الميدان والخدمة

  • الرُّبيّع بنت مُعوّذ — قالت: كنا نغزو مع النبي ﷺ نسقي القوم ونخدمهم ونردّ القتلى والجرحى إلى المدينة.
  • أم سليم — اتخذت خنجرًا يوم حنين قالت: إن دنا مني مشرك بقرت به بطنه.
  • رُفيدة الأسلمية — كان لها خيمة في المسجد تداوي فيها الجرحى، وأمر ﷺ بنقل سعد بن معاذ إليها.
  • أم عطية — غسّلت الميّتات وعلّمت النساء أحكام الغسل.

◆ ثباتٌ في الابتلاء

  • سُميّة — أول شهيدة في الإسلام، قُتلت تحت التعذيب ولم ترجع.
  • زِنّيرة — عُذّبت حتى ذهب بصرها فقالت: كذبوا وبيت الله، فردّ الله بصرها.
  • أم حبيبة — تنصّر زوجها في الحبشة فثبتت وحدها غريبة، فزوّجها الله نبيّه.
  • امرأة جُليبيب — رضيت برجلٍ دميم فقير قائلة: «لن يُضيّعني رسول الله».
  • الخنساء — الشاعرة التي أسلمت، ثم قدّمت أربعة أبناء في يومٍ واحد بالقادسية.
جيلٌ صنعه بيده

الأطفال والشباب حول النبي ﷺ

أكثر من حمل هذا الدين كانوا شبابًا: عليّ أسلم وهو ابن عشر، ومصعب فتى مكة المدلّل صار أول سفير، وأسامة قاد جيشًا وهو ابن ثماني عشرة. ولم يكن ﷺ يعامل الصغير كصغير، بل كرجلٍ يُصنع.

◆ ابن عباس — ١٣ سنة عند وفاته ﷺ

وضع ﷺ يده على كتفه ودعا: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل». وقال له وهو غلام رديفه على الدابة: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». فصار حبر الأمة وترجمان القرآن، وكان عمر يُدخله مجلس الشيوخ.متفق عليه، والترمذي

◆ عبد الله بن عمر

عُرض على النبي ﷺ يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة فردّه، ثم أجازه يوم الخندق. وقال ﷺ: «نِعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل» — فما ترك قيام الليل بعدها. رأى رؤيا فقصّها فأوّلها له ﷺ.متفق عليه

◆ أسامة بن زيد

«حِبّ رسول الله وابن حِبّه». كان ﷺ يُجلسه على فخذه والحسن على الأخرى ويقول: «اللهم إني أحبّهما فأحبّهما». وأمّره على جيشٍ فيه أبو بكر وعمر وهو ابن ثماني عشرة، وأنفذ أبو بكر بعثه بعد وفاة النبي ﷺ ولم يعزله.صحيح البخاري

◆ معاذ بن جبل

أسلم وهو ابن ثماني عشرة، وبعثه ﷺ إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا وهو دون الثلاثين. أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تدعنّ دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وقال: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ».أبو داود والنسائي، والترمذي

◆ مصعب بن عمير

أنعم فتى في مكة، كان يلبس أحسن الثياب ويتطيّب حتى يُعرف من ريحه، فحرمته أمه من كل شيء حين أسلم. أرسله ﷺ أول سفير إلى المدينة فأسلم على يديه سادتها، ثم استُشهد في أُحد فما وُجد له ثوبٌ يستره كله. ويُروى أنه ﷺ كان إذا رآه بعد الغنى والفقر يقول: «لقد رأيت هذا وما بمكة أحدٌ أنعم عند أبويه منه».الطبقات، والترمذي بإسناد ضعيف؛ وقصة كفنه في البخاري

◆ عمرو بن سلمة — إمامٌ وهو ابن سبع

كان قومه ينتظرون الفتح ليُسلموا، فلما أسلموا قالوا: ليؤمّنا أكثركم قرآنًا — فكنت أكثرهم قرآنًا لأني كنت ألتقط من الركبان — فقدّموه وهو ابن ست أو سبع سنين، وعليه بردةٌ صغيرة إذا سجد تقلّصت عنه.صحيح البخاري

◆ الغلامان في بدر

قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفتّ فإذا عن يميني وشمالي غلامان حديثا السنّ، فقال أحدهما سرًّا: يا عم، أرني أبا جهل، إني عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال الآخر مثلها. فما سرّني أني بين رجلين مكانهما — فحملا عليه فقتلاه، وهما معاذ ومعوّذ ابنا عفراء.متفق عليه

◆ النعمان بن بشير

جاء به أبوه إلى النبي ﷺ ليُشهده على عطيةٍ خصّه بها دون إخوته، فقال ﷺ: «أكل ولدك نحلتَ مثله؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم — فإني لا أشهد على جَور». فرجع الأب فردّ عطيته.متفق عليه

◆ الغلام الذي جلس عن يمينه

أُتي ﷺ بشراب فشرب وعن يمينه غلام — هو ابن عباس — وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال: لا والله، لا أُوثر بنصيبي منك أحدًا. فتلّه ﷺ في يده. — استأذن طفلًا في حقٍّ له، ولم يتجاوزه لأن الكبار أولى بالمجاملة.متفق عليه

◆ زيد بن ثابت

عُرض على النبي ﷺ يوم بدر وهو ابن ثلاث عشرة فاستصغره، فقال زيد: قد قرأت من القرآن كذا. فأمره أن يتعلّم كتاب يهود، قال: فتعلّمته في نصف شهر، فكنت أكتب له إذا كتب وأقرأ له إذا كُتب إليه. ثم صار كاتب الوحي وجامع القرآن.سنن أبي داود والترمذي

◆ كيف كان يربّيهم؟

بالثقة والتكليف المبكر، وبالخطاب المباشر: «يا غلام، سمّ الله»، «يا بنيّ»، «يا أُنيس». وبالتشجيع بالاسم، والدعاء لهم بأعيانهم، وباللعب معهم: كان يصفّ أبناء عمّه العباس ويقول: «من سبق إليّ فله كذا»، فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبّلهم ويضمّهم.من مجموع الأحاديث السابقة

◆ «الشباب في الظلّ»

ومن السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: «وشابٌّ نشأ في عبادة الله» — منزلةٌ خُصّ بها الشباب وحدهم في هذا الحديث.متفق عليه

كيف دخلوا؟

قصص إسلام الصحابة

لكل واحدٍ منهم بابٌ دخل منه: هذا دخل بآية، وهذا برؤيا، وهذا بحلمٍ من النبي ﷺ عليه، وهذا بعد أن جاء يريد قتله.

رابع أو خامس من أسلم — ثم جهر وحده

بلغ أبا ذر وهو في باديته خبرُ رجلٍ ظهر بمكة يزعم أنه نبي، فأرسل أخاه يتحسّس، فرجع فقال: رأيت رجلًا يأمر بمكارم الأخلاق وكلامًا ما هو بالشعر. فلم يقنعه، فشدّ عليه ثيابه وقدِم مكة، وكره أن يسأل عنه خوفًا. فمكث ثلاثين بين ليلةٍ ويوم ما له طعامٌ إلا ماء زمزم حتى تكسّرت عُكَن بطنه، ثم رآه عليّ فعرف أنه غريب فآواه ثلاث ليال دون أن يسأله، ثم دلّه على النبي ﷺ فأسلم من ساعته.

فقال له ﷺ: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري». فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لأصرخنّ بها بين ظهرانيهم. فخرج إلى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله! فثار إليه القوم فضربوه حتى أضجعوه، فجاء العباس فأكبّ عليه وقال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غِفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم؟ فأنقذه. ثم عاد في اليوم التالي ففعل مثلها.

ثم رجع إلى قومه فأسلم نصفهم، وجاءت غِفار وأسلم بعدُ إلى النبي ﷺ فقال: «غِفارُ غفر الله لها، وأسلمُ سالمها الله».

صحيح البخاري ومسلم

حشا أذنيه بالقطن... ثم أسلم

كان الطفيل سيّدًا في قومه وشاعرًا لبيبًا، فقدِم مكة، فمشى إليه رجال قريش وحذّروه: إن هذا الرجل ساحرٌ يفرّق بين الرجل وأبيه وأخيه وزوجه، فلا تكلّمه ولا تسمع منه. قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألّا أسمع منه شيئًا، حتى حشوت في أذنيّ كُرْسُفًا — قطنًا — حين غدوت إلى المسجد فرَقًا من أن يبلغني شيءٌ من قوله.

فرآه ﷺ يصلي عند الكعبة فسمع بعض قوله رغمًا عنه فإذا هو كلامٌ حسن. فقال في نفسه: واثُكل أمي! والله إني لرجلٌ لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل؟ فإن كان حسنًا قبلته وإن كان قبيحًا تركته. فتبعه إلى بيته وأخبره الخبر، فعرض عليه ﷺ الإسلام وتلا عليه القرآن، فقال: فوالله ما سمعت قولًا قط أحسن منه ولا أمرًا أعدل. فأسلم.

ثم رجع يدعو قومه دوسًا فأبطؤوا، فرجع إلى النبي ﷺ يقول: يا رسول الله، إن دوسًا قد عصت، فادعُ الله عليها. فاستقبل القبلة ورفع يديه فظنّ الناس أنه يدعو عليهم، فقال: «اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم». فأسلمت دوس، ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه.

سيرة ابن هشام، ودعاؤه لدوس في صحيح البخاري

ابن أكرم العرب: ثلاث علامات أزالت الشكّ

كان عدي نصرانيًّا ابنَ حاتم الطائي الذي يُضرب بكرمه المثل، وكان رئيسًا في قومه يأخذ الرُّبع من غنائمهم. فلما ظهر الإسلام هرب إلى الشام، وسُبيت أخته فمنّ عليها النبي ﷺ وكساها وحملها، فرجعت إليه تقول: ائتِ هذا الرجل راغبًا، فإنه إن يكن نبيًّا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكًا فلن تذلّ في عزّ اليمن.

فقدم على النبي ﷺ، فأخذه إلى بيته، فاعترضته امرأةٌ ضعيفة كبيرة في الطريق فوقف معها طويلًا يقضي حاجتها. قال عدي: فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك. ثم دخل بيته فألقى إليه وسادةً من أَدَم محشوة ليفًا وقال: «اجلس على هذه». قال: بل أنت. قال: «بل أنت». فجلس عليها وجلس النبي ﷺ على الأرض. قال: فقلت: والله ما هذا بأمر ملك.

ثم قال له ﷺ: «يا عديّ، ألست رَكوسيًّا؟ ألست تسير في قومك بالمِرباع وذلك لا يحلّ لك في دينك؟» قال: بلى. فعرفت أنه نبيٌّ مرسل يعلم ما يُجهل. ثم قال: «لعلّه إنما يمنعك ما ترى من حاجتهم — فوالله ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله يمنعك ما ترى من كثرة عدوّهم — فوالله ليوشكنّ أن تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله». فأسلم. قال عدي بعد سنين: فرأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى — ولئن طالت بكم حياةٌ لترون الثالثة.

صحيح البخاري، ومسند أحمد

ثلاثة أفلاذ كبد مكة في يومٍ واحد

بعد الحديبية كتب الوليد بن الوليد إلى أخيه خالد بن الوليد يقول: إن رسول الله ﷺ سألني عنك وقال: «أين خالد؟ ومثل خالد يجهل الإسلام؟ لو كان جعل نِكايته مع المسلمين على المشركين لكان خيرًا له». قال خالد: فسُرّي عني، وسرّني موقعه مني. وكان الله قد ألقى في قلبه: قد بقيتُ وأنا أعقل، فماذا بقي من مسالك أنجو بها؟.

فخرج مهاجرًا، فلقي في الطريق عمرو بن العاص — وكان راجعًا من الحبشة بعد أن رأى النجاشي وقد سبقه إلى الإسلام — وعثمان بن طلحة سادن الكعبة، فقدموا معًا على النبي ﷺ. فلما رآهم — ويُروى عند الواقدي — قال: «إن مكة قد رمتنا بأفلاذ كبدها».

فتقدّم خالد فسلّم بالنبوة فردّ عليه بوجهٍ طلْق وأسلم، وقال: يا رسول الله، ادعُ لي أن يغفر الله لي كل ما أوضعتُ فيه من صدٍّ عن سبيل الله. فقال: «الإسلام يَجُبّ ما كان قبله». ثم قال عمرو: يا رسول الله، أبايعك على أن يغفر لي ما تقدّم من ذنبي. فقال: «يا عمرو، بايع؛ فإن الإسلام يَجُبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تَجُبّ ما كان قبلها».

وبعد أشهر قليلة كان خالد قائدًا في مؤتة يُلقّب «سيف الله»، وعمرو أميرًا على سرية ذات السلاسل وفيها أبو بكر وعمر — وهما اللذان كانا بالأمس من أشدّ الناس على الإسلام.

مسند أحمد، وسيرة ابن هشام، وصحيح مسلم في «الإسلام يجبّ ما قبله»

جاء ليقتله بسيفٍ مسموم فخرج مسلمًا

بعد بدر جلس عمير بن وهب — وكان من شياطين قريش وممن يؤذون النبي ﷺ — مع صفوان بن أمية في الحِجْر يتذاكران قتلى بدر، فقال عمير: والله لولا دَينٌ عليّ ليس عندي قضاؤه وعيالٌ أخشى عليهم الضيعة، لركبتُ إلى محمد حتى أقتله. فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك وعيالك أُسوة عيالي — على أن يقتله. فتعاهدا وكتماها، وشحذ عمير سيفه وسمّه.

فقدم المدينة، فرآه عمر فقال: هذا عدو الله جاء لشرّ! فأدخله على النبي ﷺ آخذًا بحمالة سيفه. فقال ﷺ: «أرسله يا عمر، ادنُ يا عمير». فسأله: ما جاء بك؟ قال: جئتُ في أسيرٍ لي عندكم. قال: «فما بال السيف في عنقك؟» قال: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئًا؟ فقال ﷺ: «اصدقني، ما الذي جئت له؟» قال: ما جئت إلا لذاك. فقال ﷺ: «بل قعدتَ أنت وصفوان في الحِجْر فذكرتما أصحاب القليب، ثم قلتَ: لولا دَينٌ عليّ وعيال... فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني، والله حائلٌ بينك وبين ذلك».

فقال عمير: أشهد أنك رسول الله! والله ما كان معنا أحدٌ حين تعاهدنا، فما أخبرك بهذا إلا الله. فأسلم، ففرح به المسلمون حتى قال عمر: لَلخنزيرُ كان أحبّ إليّ منه حين طلع، ولَهو اليوم أحبّ إليّ من بعض ولدي. ثم رجع إلى مكة يدعو، فأسلم على يديه خلقٌ كثير.

سيرة ابن هشام، ودلائل النبوة للبيهقي

حيّان أسلما في ساعة

بعث ﷺ مصعب بن عمير إلى المدينة بعد بيعة العقبة الأولى يُقرئ الناس القرآن. فبينما هو جالس في حائطٍ من حوائط بني ظفر يدعو، جاء أُسيد بن حُضير سيّد بني عبد الأشهل شاهرًا حربته يقول: ما جاء بكما تسفّهان ضعفاءنا؟! فقال مصعب بهدوء: «أوَتجلس فتسمع؟ فإن رضيتَ أمرًا قبلتَه، وإن كرهتَه كُففنا عنك ما تكره». قال: أنصفت. فركز حربته وجلس، فتلا عليه القرآن، فقال أسيد: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ فاغتسل وأسلم.

ثم قال: إن ورائي رجلًا إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحدٌ من قومه — وهو سعد بن معاذ. فجاء سعد مغضبًا، فقال له مصعب مثل مقالته، فجلس فسمع فأسلم. ثم قام سعد إلى قومه فقال: «يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟» قالوا: سيّدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبة. قال: «فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله». قال الراوي: فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلمًا أو مسلمة.

سيرة ابن هشام

ومن لم يُسلم: أبو طالب وسُهيل ومن ارتدّ

ليست السيرة سلسلة نجاحات؛ فقد مات عمّه أبو طالب على ملّة قومه وقد حماه أربعين سنة، ومات عمّه أبو لهب عدوًّا، ورجع من عند النبي ﷺ سادةٌ كثيرون لم يقتنعوا. وارتدّ رجالٌ بعد إسلامهم، منهم عبيد الله بن جحش الذي هاجر إلى الحبشة ثم تنصّر ومات على ذلك.

ومنهم من طال إسلامه: أبو سفيان وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو أسلموا في آخر الأمر بعد الفتح، وأعطاهم ﷺ من غنائم حنين عطاءً عظيمًا تألّفًا لقلوبهم — فقال صفوان: أعطاني وهو أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليّ.

وفي هذا درسٌ صريح: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فما كان على النبي ﷺ إلا البلاغ، ولا على الداعية إلا البيان — وأما القلوب فبيد الله.

صحيح مسلم، وسيرة ابن هشام
ديوان المديح

أجمل ما قيل فيه ﷺ من الشعر

قيل فيه ﷺ من الشعر ما لم يُقل في بشر، من يوم استقبلته المدينة إلى اليوم. وهذه مختاراتٌ من عيونه: ما قيل في حياته، وما قيل في رثائه، وما قاله الشعراء بعده بقرون.

طلع البدر علينا

أنشدها أهل المدينة — النساء والصبيان على البيوت — يوم قدومه مهاجرًا، فما رأت يثرب يومًا أضوأ منه:

طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنا  ·  مِنْ ثَنِيّاتِ الوَداعِ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنا  ·  ما دَعا لِلّهِ داعِ
أَيُّها المَبْعوثُ فينا  ·  جِئْتَ بِالأَمْرِ المُطاعِ

وهي أشهر ما استُقبل به نبيّ في التاريخ، ولا تزال تُنشد بعد أربعة عشر قرنًا.

مشهورة عند أهل السير وإسنادها لا يثبت — ونبّه بعض المحققين إلى أنها قيلت عند مقدمه من تبوك لا الهجرة، والقولان مشهوران

لاميّة أبي طالب: «وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجهه»

قالها أبو طالب يدافع عن ابن أخيه في وجه قريش كلها، وهي من أشهر قصائد العرب:

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقى الغَمامُ بِوَجْهِهِ
ثِمالُ اليَتامى عِصْمَةٌ لِلأَرامِلِ
...
وَنَنْصُرُهُ حَتّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ
وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنائِنا وَالحَلائِلِ

وتُنسب إليه أبياتٌ أخرى — على رويٍّ آخر — تكشف أنه كان يعلم صدقه:

وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دينَ مُحَمَّدٍ
مِنْ خَيْرِ أَدْيانِ البَرِيَّةِ ديناً
لَوْلا المَلامَةُ أَوْ حِذارُ مَسَبَّةٍ
لَوَجَدْتَني سَمْحاً بِذاكَ مُبيناً

وكان ابن عمر يقول: ربما ذكرتُ قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ على المنبر يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: «وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه» (البخاري). وقد استسقى عمر بالعباس فقال: اللهم إنا كنا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا.

سيرة ابن هشام، وذكر البيت في صحيح البخاري في الاستسقاء

حسّان بن ثابت: منبرٌ في المسجد ولسانٌ يعدل جيشًا

وضع له ﷺ منبرًا في المسجد ينافح عنه، وقال: «إن الله يؤيّد حسّان بروح القدس ما نافح عن رسول الله». ومن عيون ما قال:

وَضَمَّ الإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلى اسْمِهِ
إِذا قالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ: أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذو العَرْشِ مَحْمودٌ وَهَذا مُحَمَّدُ

وقال في الردّ على من هجاه:

هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ
وَعِنْدَ اللَّهِ في ذاكَ الجَزاءُ
فَإِنَّ أَبي وَوالِدَهُ وَعِرْضي
لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقاءُ

وقال في وصفه — وتُنسب إليه وإلى غيره:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْني
وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّساءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ
كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَما تَشاءُ

صحيح البخاري ومسلم في فضله، وديوان حسان

كعب بن زهير: «بانت سعاد» — قصيدة اشترت حياة صاحبها

كان كعب قد هجاه فأهدر دمه، ثم جاء تائبًا فوضع يده في يده وأنشد بين يديه قصيدته التي تُعدّ من أشهر قصائد العربية:

نُبِّئْتُ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ أَوْعَدَني
وَالعَفْوُ عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ مَأْمولُ
...
إِنَّ الرَّسولَ لَنورٌ يُسْتَضاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللَّهِ مَسْلولُ

ويُروى أنه ﷺ كساه بُردته، فسُمّيت القصيدة «البردة» — وإسناد إلقاء البردة فيه ضعف — وأسلم كعب فحسن إسلامه.

رواها ابن إسحاق، وأخرج بعضها الحاكم والبيهقي

عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك: شعرٌ في المعركة

قال عبد الله بن رواحة يحمّس الجيش في مؤتة وهم ثلاثة آلاف أمام جموع الروم، ثم نزل فقاتل حتى استُشهد:

يا نَفْسِ إِنْ لَمْ تُقْتَلي تَموتي
هَذا حِمامُ المَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
وَما تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطيتِ
إِنْ تَفْعَلي فِعْلَهُما هُديتِ

وله في النبي ﷺ بيتٌ من أصدق ما قيل في دلائل النبوة:

لَوْ لَمْ تَكُنْ فيهِ آياتٌ مُبَيِّنَةٌ
كانَتْ بَديهَتُهُ تُنْبيكَ بِالخَبَرِ

وكان كعب بن مالك يهجو المشركين بالحرب ويذكّرهم بالوقائع، وقال ﷺ في شعرهم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه».

سيرة ابن هشام، ومسند أحمد

يوم فُجعت الأمة: ما قيل حين مات ﷺ

قال حسّان يرثيه:

كُنْتَ السَّوادَ لِناظِري
فَعَمِيَ عَلَيْكَ النّاظِرُ
مَنْ شاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ
فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحاذِرُ

وقال في المدينة بعده:

بِطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلرَّسولِ وَمَعْهَدُ
مُنيرٌ وَقَدْ تَعْفو الرُّسومُ وَتَهْمُدُ
وَلا تَنْمَحي الآياتُ مِنْ دارِ حُرْمَةٍ
بِها مِنْبَرُ الهادي الَّذي كانَ يَصْعَدُ

وقالت عمّته صفيّة بنت عبد المطلب:

أَلا يا رَسولَ اللَّهِ كُنْتَ رَجاءَنا
وَكُنْتَ بِنا بَرًّا وَلَمْ تَكُ جافِيا

ويُنسب إلى ابنته فاطمة — ولا تثبت النسبة بإسنادٍ صحيح — قولُها:

ماذا عَلى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدٍ
أَلّا يَشُمَّ مَدى الزَّمانِ غَوالِيا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصائِبُ لَوْ أَنَّها
صُبَّتْ عَلى الأَيّامِ صِرْنَ لَيالِيا

ديوان حسان، وكتب السير والتراجم

«مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ»

مدحه عمّه العباس بن عبد المطلب بأبياتٍ يتتبّع فيها طهارة أصله من آدم إلى مولده، فقال ﷺ حين سمعها ما يدلّ على رضاه:

مِنْ قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلالِ وَفي
مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ
...
وَأَنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتِ الْـ
ـأَرْضُ وَضاءَتْ بِنورِكَ الأُفُقُ

فنحن في ذلك الضياء وفي
نور الهدى وسُبُل الرشد نخترق.

رواه الحاكم والبيهقي والطبراني — وحسّنه بعض أهل العلم

البوصيري وشوقي: أشهر ما قيل في المديح النبوي

«بردة» البوصيري (ت ٦٩٦هـ) أشهر قصيدة مديح في تاريخ العربية، تُحفظ وتُشرح ويُعارضها الشعراء إلى اليوم. ومن أعدل ما فيها وأشدّه موافقةً للسنة قوله:

فَمَبْلَغُ العِلْمِ فيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ
وَأَنَّهُ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِمِ

على أن أهل العلم انتقدوا في البردة أبياتًا فيها غلوّ يصادم نهيه ﷺ: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». فتُقرأ بميزان: يُؤخذ حسنُها ويُترك ما جاوز الحدّ.

ثم عارضها أحمد شوقي (ت ١٩٣٢م) بـ«نهج البردة»، وله في مولده ﷺ مطلعٌ صار من أشهر أبيات العربية:

وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَمُ الزَّمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ

وقال في سيرته ودولته:

يَوْمٌ يَتيهُ عَلى الزَّمانِ صَباحُهُ
وَمَساؤُهُ بِمُحَمَّدٍ وَضّاءُ
الحَقُّ عالي الرُّكْنِ فيهِ مُظَفَّرٌ
في المُلْكِ لا يَعْلو عَلَيْهِ لِواءُ

بردة البوصيري، وديوان أحمد شوقي «الشوقيات»
ميزان المديح: المدح المشروع هو ما وصفه الله ورسوله به: رحمةً للعالمين، وخير خلق الله، وسيّد ولد آدم، وأعظمهم خُلقًا. وما جاوز ذلك إلى صرف خصائص الربوبية له — كدعائه من دون الله أو نسبة علم الغيب المطلق إليه — فهو الغلوّ الذي نهى عنه بنفسه، وقال: «إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله». فأصدق المدح: الاتّباع.
الكلمة سلاح

حسّان بن ثابت وشعراء النبي ﷺ

كانت القصيدة في الجاهلية إعلامَ العرب وسلاحها؛ ترفع قومًا وتضع آخرين. فلما هجت قريشٌ رسولَ الله ﷺ بالشعر، ردّ عليهم بشعراء المسلمين، وقال: «اهجُهم — أو هاجهم — وجبريل معك» — رواه البخاري ومسلم.

حسّان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه

شاعر الأنصار في الجاهلية والإسلام، أسلم قبل الهجرة، ولم يشهد المعارك لعذرٍ به، لكن لسانه كان يعدل جيشًا. وضع له رسول الله ﷺ منبرًا في المسجد يقوم عليه يفاخر عن رسول الله ﷺ، وكان ﷺ يقول: «إن الله يؤيّد حسّان بروح القدس ما نافح عن رسول الله».

ولمّا أراد أن يهجو قريشًا قال له ﷺ: «كيف بنسبي؟» فقال حسان: «والذي بعثك بالحق لأسلّنّك منهم كما تُسلّ الشعرة من العجين». وكان حسان ممن خاض في حديث الإفك على عائشة، ومع ذلك كانت تنهى عن سبّه وتقول: إنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ.

صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود

◆ في الردّ على من هجاه

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ
وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي
لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

من أشهر أبياته — أنشدها بين يدي النبي ﷺ

◆ في اقتران اسمه باسم الله

وَضَمَّ الإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ
إِذَا قَالَ فِي الخَمْسِ المُؤَذِّنُ: أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ

من مشهور شعره في مدحه ﷺ

◆ في وصف جماله ﷺ

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي
وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ
كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

تُنسب إليه في الديوان، وقيل لغيره

◆ في رثائه ﷺ

كُنْتَ السَّوَادَ لِنَاظِرِي
فَعَمِيَ عَلَيْكَ النَّاظِرُ
مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ
فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ

مما رثاه به بعد وفاته ﷺ

◆ ومن رثائه للمدينة بعده

بِطَيْبَةَ رَسْمٌ لِلرَّسُولِ وَمَعْهَدُ
مُنِيرٌ وَقَدْ تَعْفُو الرُّسُومُ وَتَهْمُدُ
وَلَا تَنْمَحِي الآيَاتُ مِنْ دَارِ حُرْمَةٍ
بِهَا مِنْبَرُ الهَادِي الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ

من قصيدته المشهورة في رثائه ﷺ

◆ يوم الخندق

حين تحزّبت الأحزاب لم يكن الشعر ترفًا؛ كان يرفع معنويات المسلمين ويهدّ معنويات العدو، حتى قال ﷺ: «ما يمنع الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟».مسند أحمد

كعب بن زهير: من مهدور الدم إلى صاحب البردة

كان كعب بن زهير شاعرًا مشهورًا ابنَ شاعرٍ مشهور، وقد هجا رسول الله ﷺ فأهدر دمه بعد الفتح. فكتب إليه أخوه بُجَير — وكان قد أسلم — ينصحه أن يأتي النبي ﷺ تائبًا، فإنه لا يقتل من جاءه تائبًا. فقدم كعبٌ المدينة متنكّرًا حتى جلس بين يديه ﷺ ووضع يده في يده — ولم يعرفه — وقال: يا رسول الله، إن كعب بن زهير جاء تائبًا مسلمًا فهل أنت قابلٌ منه؟ قال: نعم. قال: أنا كعب بن زهير. فهمّ به بعض الأنصار فنهاهم ﷺ.

ثم أنشد قصيدته المشهورة «بانت سعاد» بين يديه، وفيها يقول:

نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي
وَالعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
...
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ

ويُروى أنه ﷺ كساه بُردته — ومن هنا سُمّيت القصيدة «البُردة»؛ والقصة مشهورة في كتب السير، وإسناد إلقاء البردة فيه ضعف. وأسلم كعب فحسُن إسلامه.

رواها ابن إسحاق وأصحاب السير، وأخرج بعضها الحاكم والبيهقي

◆ شعراؤه الثلاثة

  • حسّان بن ثابت — كان يهجوهم بالمثالب والأنساب، وهو أشدّهم عليهم.
  • كعب بن مالك — كان يهجوهم بالحرب ويذكّرهم بالوقائع.
  • عبد الله بن رواحة — كان يعيّرهم بالكفر، وهو الذي حمّس الجيش يوم مؤتة ثم استُشهد.
  • وقال ﷺ: «إن من الشعر لحكمة»، وقال في أمية بن أبي الصلت لما أُنشد شعره: «إن كاد ليُسلم» — رواه مسلم.

◆ موقفه ﷺ من الشعر

  • لم يُحرّم الشعر، بل ميّز بين شعرٍ يخدم الحق وشعرٍ يخدم الباطل.
  • استمع للشعر وأثاب عليه، وأنشده أصحابه في حضرته وهو راضٍ.
  • قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا» — أي الشعر الذي يستغرق صاحبه عن ذكر الله والقرآن.
  • وهو ﷺ لم يكن شاعرًا: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ — لئلا يُلبس القرآنُ بكلام البشر.

◆ شعرٌ قيل فيه بعد وفاته

  • قال أبو بكر يوم وفاته: «طبتَ حيًّا وطبتَ ميتًا».
  • وقالت فاطمة: «يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه، من ربه ما أدناه».
  • ويُروى — بإسنادٍ لا يثبت — أن الأنصار أنشدوا: «طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا / مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ»، قيل يوم قدومه المدينة، وقيل عند رجوعه من تبوك.
  • وبقي مدحه ﷺ بابًا واسعًا في الشعر العربي إلى اليوم، أشهره «بردة» البوصيري — على ما فيها من غلوٍّ نبّه عليه أهل العلم.
أسماؤه ﷺ

«لي خمسة أسماء»

قال ﷺ: «لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» — متفق عليه. وله أوصافٌ أخرى في القرآن والسنة.

وفي صفته في التوراة كما قال عبد الله بن عمرو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحِرزًا للأميين، «أنت عبدي ورسولي، سمّيتُك المتوكّل، ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخّابٍ في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر» — رواه البخاري. وكنيته أبو القاسم، وقال: «تسمّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي» — متفق عليه.
مُحَمَّد — المحمود المكرَّر الحمد أَحْمَد — أحمد الناس لربه الْمَاحِي — يمحو الله به الكفر الْحَاشِر — يُحشر الناس على قدمه الْعَاقِب — لا نبي بعده نَبِيُّ الرَّحْمَة — في صحيح مسلم نَبِيُّ التَّوبَة — في صحيح مسلم نَبِيُّ المَلْحَمَة — في السنة المُقَفِّي — الذي قفّى الأنبياء الشَّاهِد وَالمُبَشِّر وَالنَّذِير — [الأحزاب: 45] السِّرَاج المُنِير — [الأحزاب: 46] خَاتَم النَّبِيِّين — [الأحزاب: 40] المُتَوَكِّل — في التوراة: «سمّيتُك المتوكّل» (البخاري) أَبُو القَاسِم — كنيته بابنه القاسم
أهل بيته الكرام

أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. وقد عاش ﷺ من الخامسة والعشرين إلى الخمسين بزوجةٍ واحدة أكبر منه سنًّا، وكانت أكثر زيجاته بعد الخمسين لحِكَمٍ تشريعية واجتماعية وسياسية: تكريمًا لأرامل الشهداء، وتأليفًا للقبائل، ونقلًا لعلم البيت النبوي إلى الأمة.

الزوجة الأولى — ٢٥ سنة

خديجة بنت خويلد

تزوجها قبل البعثة وله ٢٥ سنة، أول من آمن به، وواسته بمالها ونفسها يوم كذّبه الناس. أنجبت كل أولاده عدا إبراهيم. لم يتزوج عليها حتى توفيت، وبشّرها الله ببيتٍ في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. وظلّ يذكرها ويُكرم صديقاتها بعد موتها حتى غارت عائشة.

بعد عام الحزن

سَوْدة بنت زَمْعة

من المهاجرات الأوَل إلى الحبشة، مات زوجها فتزوجها ﷺ تكريمًا لها وجبرًا لخاطرها، وكانت امرأة كبيرة، وهبت يومها لعائشة ابتغاء مرضاته.

بنت الصدّيق

عائشة بنت أبي بكر

أحبّ أزواجه إليه بعد خديجة، وأفقه نساء الأمة؛ روت أكثر من ألفي حديث، وكان أكابر الصحابة يسألونها. نزلت براءتها من فوق سبع سماوات في سورة النور. وتوفي ﷺ في بيتها ودُفن فيه.

بنت الفاروق

حَفْصة بنت عمر

تزوجها سنة ٣هـ بعد وفاة زوجها خُنيس بن حذافة متأثرًا بجراح بدر. كانت صوّامة قوّامة، وعندها حُفظ المصحف الذي جُمع في عهد أبي بكر، وعنها نُسخت المصاحف في عهد عثمان.

أم المساكين

زينب بنت خُزيمة

لُقّبت في الجاهلية بأم المساكين لكثرة إطعامها إياهم. استُشهد زوجها فتزوجها ﷺ، وتوفيت بعد أشهر قليلة فصلّى عليها.

صاحبة الرأي

أم سَلَمة هند بنت أبي أمية

من أكمل النساء عقلًا ورأيًا. لما امتنع الصحابة عن التحلل يوم الحديبية أشارت عليه أن يخرج فينحر ويحلق دون أن يكلم أحدًا، ففعل، فقاموا يفعلون مثله. عاشت طويلًا وروت كثيرًا.

ابنة عمته

زينب بنت جحش

كانت تحت زيد بن حارثة — الذي كان يُدعى «زيد بن محمد» — فلما طلّقها زوّجه الله إياها بقرآنٍ يُتلى إبطالًا لعادة التبنّي: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾. كانت تفخر: زوّجكنّ أهاليكنّ وزوّجني الله من فوق سبع سماوات. وكانت صنّاعًا باليد تتصدق بكسبها كله.

بركةٌ على قومها

جُوَيْرية بنت الحارث

سيدة بني المصطلق، وقعت في السبي فكاتبت على نفسها فأدّى عنها ﷺ وتزوجها. فقال المسلمون: أصهار رسول الله! فأعتقوا ما بأيديهم من السبي — نحو مئة أهل بيت. قالت عائشة: ما رأيت امرأة أعظم بركة على قومها منها.

ابنة أبي سفيان

أم حبيبة رملة

هاجرت إلى الحبشة فتنصّر زوجها ومات، فثبتت على دينها وحيدة. فخطبها ﷺ وزوّجه إياها النجاشي وأصدق عنه، فجُبر بذلك كسرها وهي في الغربة. ولما جاء أبوها أبو سفيان المدينة قبل إسلامه طوت عنه فراش النبي ﷺ وقالت: أنت مشرك نجس.

من ذرية هارون

صَفِيّة بنت حُيَيّ

بنت سيد بني النضير، وقعت في سبي خيبر، فأعتقها ﷺ وجعل عتقها صداقها. ولما عيّرها بعضهم بيهوديّتها علّمها ﷺ أن تقول: كيف تكنّ خيرًا مني، وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد؟

آخر من تزوّج

مَيْمونة بنت الحارث

تزوجها في عمرة القضاء سنة ٧هـ وهي آخر من تزوّج ﷺ. قالت عائشة: كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم. وتوفيت بسَرِف حيث بنى بها.

أم إبراهيم

مارية القبطية

أهداها المقوقس عظيم القبط إلى النبي ﷺ، فولدت له ابنه إبراهيم، ففرح به فرحًا شديدًا، وصارت مارية أمَّ ولدٍ حرّةً بعده — ويُروى بإسنادٍ ضعيف أنه قال: «أعتقها ولدها». وتوفي إبراهيم رضيعًا فحزن عليه ﷺ.

صديقات خديجة: وفاءٌ بعد الموت بسنين

لم تكن محبته ﷺ لخديجة تنتهي بموتها. قالت عائشة رضي الله عنها: ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبي ﷺ ما غِرتُ على خديجة، وما رأيتُها قط، ولكن كان يُكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطّعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائق خديجة — أي يوزّع لحمها على صديقاتها. فربما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: «إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد».

وقالت: كان إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فغِرتُ يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشِّدق، قد أبدلك الله خيرًا منها! فغضب ﷺ حتى اهتزّ مقدّم شعره وقال (أحمد بإسناد حسن): «لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها: آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء». قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسوء أبدًا.

ومرة استأذنت عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة، فعرف استئذانها لشبهه باستئذان خديجة، فارتاع لذلك وقال: «اللهم هالة!» — يرتاح لصوتٍ يذكّره بها بعد سنين. وكان جبريل قد جاءه في حياتها فقال: «يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشّرها ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ لا صخب فيه ولا نصب».

وهذا من أبلغ ما يُتعلَّم منه: الوفاء ليس موقفًا بل خُلق. رجلٌ صار سيّد العرب، ولا تزال شاةٌ تُذبح فتُوزَّع على نساءٍ عجائز لا يملكن شيئًا، لا لشيء إلا أنهنّ كنّ صديقات امرأةٍ ماتت قبل عشر سنين.

صحيح البخاري ومسلم — من حديث عائشة رضي الله عنها

أولاده ﷺ

سبعة أولاد: ثلاثة بنين وأربع بنات، كلهم من خديجة إلا إبراهيم من مارية — وتوفوا جميعًا في حياته إلا فاطمة، فما دفن ابنًا إلا ابتُلي بفراقه وصبر.

◆ القاسم

أكبر أولاده، وبه كان يُكنّى «أبا القاسم». توفي صغيرًا بمكة قبل البعثة.

◆ عبد الله

الملقّب بالطاهر والطيّب لأنه وُلد بعد النبوة. توفي صغيرًا بمكة، وفي موته عيّره العاص بن وائل بأنه أبتر فنزلت سورة الكوثر.

◆ إبراهيم

ابنه من مارية، وُلد بالمدينة سنة ٨هـ وتوفي وله سنة وبضعة أشهر. وكسفت الشمس يوم موته فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم! فخطبهم وقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» — تصحيحٌ للعقيدة حتى في ساعة حزنه على ابنه.

◆ زينب

كبرى بناته، زوجة ابن خالتها أبي العاص بن الربيع. أُسر زوجها في بدر فبعثت في فدائه بقلادةٍ لها كانت لخديجة، فرقّ لها ﷺ وردّ عليها القلادة. ثم أسلم زوجها بعد ذلك فردّها إليه.

◆ رقية

زوجة عثمان بن عفان، هاجرت معه إلى الحبشة ثم إلى المدينة. مرضت أيام بدر فتخلّف عثمان بأمر النبي ﷺ لتمريضها، وتوفيت يوم جاء بشير النصر.

◆ أم كلثوم

زوّجها ﷺ عثمان بعد وفاة أختها رقية، فلُقّب عثمان «ذا النورين». ويُروى بإسنادٍ ضعيف: لو كان عندنا ثالثة لزوّجناه.

◆ فاطمة الزهراء

سيدة نساء أهل الجنة، وأشبه الناس به سمتًا وهديًا؛ كان إذا دخلت قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه. زوجة علي وأم الحسن والحسين. أسرّ إليها في مرضه أنها أول أهله لحوقًا به فضحكت، فكان كذلك — لحقت به بعد ستة أشهر.

بنو هاشم

أعمامه وعمّاته ﷺ

كان لعبد المطلب أولادٌ كثيرون، فمنهم من نصره وآمن، ومنهم من نصره ولم يؤمن، ومنهم من عاداه — وفي ذلك أوضح درس: الهداية بيد الله لا بيد النسب.

عمّه — أسلم

حمزة بن عبد المطلب

أسدُ الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة. أسلم في السنة السادسة من النبوة غضبًا له، فعزّ به الإسلام. استُشهد في أُحد ومُثّل به، فقال ﷺ: «سيد الشهداء حمزة».

عمّه — أسلم

العباس بن عبد المطلب

أُسر يوم بدر ففدى نفسه، ثم أسلم قبل الفتح. أجار أبا سفيان ليلة الفتح، وثبت يوم حنين آخذًا بلجام بغلة النبي ﷺ. ومن ذريّته الخلافة العباسية. وكان عمر يستسقي به بعد وفاة النبي ﷺ.

عمّه — نصره ولم يُسلم

أبو طالب

كافله بعد جده، وحاميه أربعين سنة، وقائل: «فوالله لا أُسلمك لشيء أبدًا». مات على ملة قومه، فقال ﷺ: «هو في ضَحضاحٍ من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل» — رواه مسلم.

عمّه — عاداه

أبو لهب (عبد العُزّى)

أشدّ الناس عليه، يتبعه في الأسواق يكذّبه، وامرأته أم جميل تحمل الشوك في طريقه. نزلت فيه سورة المسد. مات بعد بدر بأيام بمرضٍ نفر الناس منه.

عمّاته

صفيّة بنت عبد المطلب

عمته وأم الزبير بن العوام، أسلمت وهاجرت. وهي التي قتلت يهوديًّا اقترب من حصن النساء يوم الخندق — أول امرأة قتلت مشركًا في الإسلام. وقيل: لم يُسلم من عمّاته غيرها وغير أروى على خلاف.

ابن عمه

علي بن أبي طالب

نشأ في بيته، وأول من أسلم من الصبيان، وزوج فاطمة، ونام في فراشه ليلة الهجرة، وحامل الراية يوم خيبر، ورابع الخلفاء الراشدين.

ابن عمه

جعفر بن أبي طالب

أشبه الناس بالنبي ﷺ خَلقًا وخُلقًا، خطيب المهاجرين أمام النجاشي، واستُشهد في مؤتة فسُمّي «الطيّار» و«ذا الجناحين».

ابن عمه

عبد الله بن عباس

حبر الأمة وترجمان القرآن. دعا له ﷺ: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل»، فصار إمام التفسير.

مولاه وحِبّه

زيد بن حارثة وابنه أسامة

زيدٌ الوحيد من الصحابة الذي ذُكر اسمه في القرآن، أعتقه ﷺ وتبنّاه قبل إبطال التبني، واستُشهد أميرًا في مؤتة. وابنه أسامة «حِبّ رسول الله وابن حِبّه»، أمّره على جيشٍ فيه كبار المهاجرين وهو ابن ثماني عشرة.

حاضنته

أم أيمن (بركة)

ورثها من أبيه، حضنته صغيرًا، ويُروى أنه كان يقول: «أم أيمن أمي بعد أمي». زوّجها زيد بن حارثة فولدت أسامة. بكت يوم وفاته وقالت: أبكي على الوحي إذ انقطع من السماء.

خدمه

أنس بن مالك

أهدته أمه للنبي ﷺ وهو ابن عشر، فخدمه عشر سنين. دعا له بكثرة المال والولد وطول العمر فاستُجيب. روى أكثر من ألفي حديث في شمائله وحياته اليومية.

من مواليه

ثوبان وأبو رافع وسلمان

ثوبان مولاه الذي أحبّه، وأبو رافع الذي بشّره بإسلام العباس، وسلمان الفارسي الذي طاف الأرض بحثًا عن الحق حتى وجده.

الجيل الذي ربّاه

أصحابه رضي الله عنهم

أعظم دليلٍ على صدق المربّي هو ما صنعه في تلاميذه: أخذ رعاة الإبل فجعلهم قادة الأمم في ثلاثٍ وعشرين سنة. قال ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»، وقال: «لا تسبّوا أصحابي».

◆ العشرة المبشّرون بالجنة

  • أبو بكر الصديق — أول الخلفاء، وأفضل الأمة بعد الأنبياء.
  • عمر بن الخطاب — الفاروق، فُتحت في عهده فارس والشام ومصر.
  • عثمان بن عفان — ذو النورين، جامع القرآن على مصحفٍ واحد.
  • علي بن أبي طالب — باب مدينة العلم، رابع الخلفاء.
  • طلحة بن عبيد الله — وقى وجه النبي ﷺ يوم أُحد بيده حتى شُلّت.
  • الزبير بن العوام — حواريّ رسول الله ﷺ، وأول من سلّ سيفًا في الإسلام.
  • عبد الرحمن بن عوف — التاجر الزاهد الذي عفّ عن نصف مال أخيه.
  • سعد بن أبي وقاص — أول من رمى بسهم في سبيل الله، وفاتح القادسية.
  • سعيد بن زيد — زوج أخت عمر، وسبب إسلامه.
  • أبو عبيدة بن الجراح — أمين هذه الأمة، وفاتح الشام.

◆ أعلامٌ آخرون

  • بلال بن رباح — مؤذّن الإسلام، سمع ﷺ خشخشة نعليه في الجنة.
  • مصعب بن عمير — أول سفير، أنعم فتيان مكة فمات ولا كفن يستره.
  • معاذ بن جبل — أعلم الأمة بالحلال والحرام، يُبعث يوم القيامة أمام العلماء.
  • أُبيّ بن كعب — سيد القرّاء، أمره الله أن يُقرئ عليه النبي ﷺ.
  • زيد بن ثابت — كاتب الوحي وجامع القرآن، تعلّم السريانية في أيام.
  • أبو هريرة — أحفظ الصحابة، دعا له ﷺ بالحفظ فما نسي شيئًا.
  • عبد الله بن مسعود — أول من جهر بالقرآن في مكة، صاحب النعلين والسواك.
  • خالد بن الوليد — سيف الله المسلول.
  • سعد بن معاذ — سيد الأوس، اهتزّ لموته عرش الرحمن.
  • أبو ذر وأبو الدرداء وحذيفة — الزاهد، والحكيم، وصاحب سرّ النبي ﷺ.

◆ نساءٌ في السيرة

  • خديجة — أول مؤمنة، ومواسيته يوم كذّبه الناس.
  • سُميّة بنت خيّاط — أول شهيدة في الإسلام.
  • أسماء بنت أبي بكر — ذات النطاقين، وحاملة الزاد إلى الغار.
  • أم عمارة نسيبة — قاتلت يوم أُحد حتى جُرحت اثني عشر جرحًا.
  • أم سليم — أم أنس، جعلت مهرها إسلام زوجها أبي طلحة.
  • الشفاء بنت عبد الله — علّمت النساء الكتابة، وولّاها عمر أمر السوق.
  • خولة بنت ثعلبة — التي جادلت في زوجها فسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات.

◆ كيف ربّاهم؟

  • بالقدوة قبل القول: يعمل بيده في بناء المسجد وحفر الخندق.
  • بالتدرّج: عقيدةٌ ثلاث عشرة سنة قبل أن تنزل أكثر الأحكام.
  • بالتخصص: أبو عبيدة للأمانة، وخالد للحرب، وزيد للكتابة، ومعاذ للفقه.
  • بالتشجيع بالاسم: «نِعم الرجل أبو بكر»، «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر».
  • بالتصحيح دون تجريح: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله».
  • بالثقة والتفويض: أمّر أسامة وهو ابن ثماني عشرة على جيشٍ فيه كبار الصحابة.
معجم مختصر

تراجم أصحابه ﷺ

أكثر من مئة ألف صحابي شهدوا حجة الوداع، وهذه تراجم موجزة لأشهرهم: ما اشتُهر به كلٌّ منهم، وما قاله فيه النبي ﷺ.

أولًا: العشرة المبشّرون بالجنة

الخليفة الأول

أبو بكر الصدّيق

أول من أسلم من الرجال، وصاحبه في الغار، وأبو عائشة. أنفق ماله كله مرارًا، وأعتق سبعة من المعذَّبين. قال ﷺ: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر». مات سنة ١٣هـ ودُفن إلى جنبه ﷺ.

الفاروق

عمر بن الخطاب

أعزّ الله به الإسلام، ووافقه القرآن في مواضع. فُتحت في خلافته فارس والشام ومصر، ودوّن الدواوين وأرّخ بالهجرة. قال ﷺ: «ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجّك». استُشهد سنة ٢٣هـ وهو يصلي.

ذو النورين

عثمان بن عفان

تزوّج ابنتَي النبي ﷺ، وهاجر الهجرتين، وجهّز ثلث جيش العسرة، واشترى بئر رومة. جمع الناس على مصحفٍ واحد هو الذي بأيدينا. قُتل مظلومًا سنة ٣٥هـ وهو صائم يقرأ القرآن.

أبو الحسن

عليّ بن أبي طالب

أول من أسلم من الصبيان، وزوج فاطمة، ونام في فراشه ليلة الهجرة، وفاتح خيبر. قال عمر: «أقضانا عليّ». استُشهد سنة ٤٠هـ في الكوفة.

«طلحة الخير»

طلحة بن عبيد الله

أسلم على يد أبي بكر. وقى وجه النبي ﷺ بيده يوم أُحد حتى شُلّت أصابعه، وأصابه يومئذ بضعٌ وسبعون ضربة. قال ﷺ يومها: «من سرّه أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة».

حواريّ رسول الله

الزبير بن العوّام

ابن عمّة النبي ﷺ صفيّة، وابن أخي خديجة. أول من سلّ سيفًا في الإسلام لمّا شاع خبرُ أن النبي ﷺ أُخذ. قال ﷺ: «لكل نبيّ حواريّ، وحواريّي الزبير».

التاجر الزاهد

عبد الرحمن بن عوف

قال لأخيه الأنصاري الذي عرض عليه نصف ماله: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّني على السوق». فصار من أغنى الصحابة وأكثرهم صدقة، ويُروى أنه تصدّق بقافلةٍ كاملة دخلت المدينة.

فارس الإسلام

سعد بن أبي وقاص

أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله، وخال النبي ﷺ من بني زهرة. جمع له ﷺ أبويه يوم أُحد: «ارمِ فداك أبي وأمي». صبر على أمّه حين أضربت عن الطعام ولم يترك دينه. فاتح القادسية ومؤسّس الكوفة.

أخو عمر بالمصاهرة

سعيد بن زيد

من السابقين الأولين، وزوج فاطمة أخت عمر — وفي بيته كان إسلام عمر. أبوه زيد بن عمرو الحنيفي الذي مات قبل البعثة موحّدًا.

أمين هذه الأمة

أبو عبيدة بن الجرّاح

قال ﷺ: «لكل أمةٍ أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة». نزع الحلقتين من وجنة النبي ﷺ يوم أُحد بأسنانه فسقطت ثنيّتاه. قائد فتح الشام، ورفض الخروج من الطاعون فمات فيه.

ثانيًا: السابقون والمستضعفون

مؤذّن الإسلام

بلال بن رباح

حبشيّ، عُذّب بالصخرة على صدره وهو يقول: «أحدٌ أحد»، فاشتراه أبو بكر وأعتقه. أول مؤذّن، وسمع ﷺ خشخشة نعليه في الجنة. أذّن فوق الكعبة يوم الفتح، ولم يستطع إتمام الأذان بعد وفاته ﷺ.

«منّا آل البيت»

سلمان الفارسي

فارسيّ رحل من دينٍ إلى دين بحثًا عن الحق حتى بيع عبدًا في المدينة، فعرف النبي ﷺ بالعلامات وأسلم. يذكر أهل المغازي أنه صاحب فكرة الخندق. عاش زاهدًا وولي المدائن فكان يسكن كوخًا ويأكل من عمل يده.

الصادق اللهجة

أبو ذر الغفاري

رابع أو خامس من أسلم، وصرخ بالشهادة وحده في المسجد الحرام فضُرب. قال ﷺ: «ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء أصدق لهجةً من أبي ذر». مات وحيدًا بالرَّبَذة كما أخبره ﷺ.

ابن الشهيدين

عمّار بن ياسر

قُتل أبوه وأمه تحت التعذيب، وقال لهم ﷺ: «صبرًا آل ياسر». أُكره فنال منهم بلسانه فنزل: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان﴾. وقال ﷺ: «تقتلك الفئة الباغية» — فقُتل في صفّين.

صاحب النعلين

عبد الله بن مسعود

كان راعي غنم فأسلم سادسَ ستة. أول من جهر بالقرآن في مكة فضُرب. قال ﷺ: «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد». وقال في ساقيه الدقيقتين: «لهما أثقل في الميزان من أُحد».

ربح البيع

صهيب الرومي

لما هاجر أخذت قريش ماله، فترك لهم ماله كله وخرج بدينه، فيُروى أنه ﷺ قال: «ربح البيع أبا يحيى». ونزل فيه: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ عند بعض المفسّرين.

أول سفير

مصعب بن عمير

أنعم فتيان مكة، حرمته أمه من كل شيء فصبر. أرسله ﷺ إلى المدينة فأسلم على يديه سادتها، وحمل اللواء يوم أُحد حتى استُشهد فما وُجد له كفنٌ يستره.

ذو الجناحين

جعفر بن أبي طالب

أشبه الناس بالنبي ﷺ خلقًا وخُلقًا، خطيب المهاجرين أمام النجاشي. قُطعت يداه في مؤتة وهو يحمل الراية فاستُشهد، فقال ﷺ: «أبدله الله بهما جناحين يطير بهما في الجنة».

ثالثًا: أهل العلم والقرآن

سيّد القرّاء

أُبيّ بن كعب

قال له ﷺ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن». قال: وسمّاني لك؟ قال: «نعم». فبكى أُبيّ. من كتّاب الوحي، وأحد من جمع القرآن في حياته ﷺ.

كاتب الوحي

زيد بن ثابت

عُرض على النبي ﷺ في بدر فاستصغره، فتعلّم لغة يهود في نصف شهر بأمره. أكثر كتّاب الوحي، وجامع القرآن في عهد أبي بكر ثم عثمان. قال ﷺ: «أفرضكم زيد».

أعلمهم بالحلال والحرام

معاذ بن جبل

أسلم شابًّا وبُعث إلى اليمن قاضيًا ومعلّمًا. قال له ﷺ: «إني أحبك». وقال: «يُبعث يوم القيامة أمام العلماء برتوة». مات في طاعون عَمَواس شابًّا.

أحفظهم

أبو هريرة

أسلم عام خيبر ولزم الصُّفّة يشبع من الجوع طلبًا للعلم. بسط رداءه بأمر النبي ﷺ ثم ضمّه فما نسي شيئًا بعده. أكثر الصحابة رواية: أكثر من ٥٣٠٠ حديث. برّ أمه ودعا لها النبي ﷺ فأسلمت.

حبر الأمة

عبد الله بن عباس

ابن عمّ النبي ﷺ، دعا له: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل». كان عمر يُدخله مجلس الشيوخ ويسأله. إمام التفسير، وله في الفقه مذهب.

صاحب السرّ

حذيفة بن اليمان

أسرّ إليه ﷺ بأسماء المنافقين فسُمّي «صاحب سرّ رسول الله». بعثه ليلة الخندق ليأتيه بخبر الأحزاب في تلك الليلة الشاتية. كان عمر لا يصلي على ميّتٍ حتى ينظر: أيصلي عليه حذيفة أم لا؟

حكيم الأمة

أبو الدرداء

كان تاجرًا فترك التجارة للعبادة والعلم. قال ﷺ: «نِعم الفارس عويمر». آخى النبي ﷺ بينه وبين سلمان، وقصة عتاب سلمان له في التوسّط في العبادة مشهورة، فأقرّه ﷺ: «صدق سلمان».

الفقيه المتّبع

عبد الله بن عمر

هاجر صغيرًا، وأُجيز في الخندق. أشدّ الناس تتبّعًا لآثار النبي ﷺ حتى ينيخ راحلته حيث أناخ. روى أكثر من ٢٦٠٠ حديث، وامتنع عن الفتنة ولم يخض فيها.

رابعًا: القادة والأنصار

سيف الله المسلول

خالد بن الوليد

كان قائد خيل المشركين في أُحد، ثم أسلم قبل الفتح فسمّاه ﷺ «سيف الله». حفظ الجيش يوم مؤتة، وفتح العراق والشام. مات على فراشه فقال: «وما في جسدي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ أو طعنة».

حِبّ رسول الله

أسامة بن زيد

ابن زيد بن حارثة وأم أيمن. أمّره ﷺ على جيشٍ فيه أبو بكر وعمر وهو ابن ثماني عشرة. عاتبه ﷺ حين قتل من قال «لا إله إلا الله»، وحين شفع في حدٍّ من حدود الله.

اهتزّ لموته العرش

سعد بن معاذ

سيّد الأوس، أسلم فأسلم قومه في يوم. قال يوم بدر: «فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك». جُرح في الخندق وحكم في بني قريظة ثم مات، فقال ﷺ: «اهتزّ عرش الرحمن لموت سعد».

سيّد الخزرج

سعد بن عبادة

من نقباء العقبة، وكان كريمًا لا ينقطع طعامه عن بيت النبي ﷺ. حمل راية الأنصار يوم الفتح.

مضيّفه الأول

أبو أيوب الأنصاري

بركت ناقة النبي ﷺ عند بيته فنزل ضيفًا عليه سبعة أشهر. كان يتحرّج أن يعلو فوقه في السكن. خرج غازيًا في آخر عمره حتى مات عند أسوار القسطنطينية ودُفن هناك.

صاحب بَيرَحاء

أبو طلحة الأنصاري

تصدّق بأحبّ أمواله لما نزلت ﴿لن تنالوا البرّ﴾. ترّس على النبي ﷺ يوم أُحد بنفسه: «نحري دون نحرك». زوج أم سليم ووالد أنس بالتربية.

خادم النبي ﷺ

أنس بن مالك

خدمه عشر سنين فما قال له أفٍّ قط. دعا له بكثرة المال والولد وطول العمر فاستُجيب. من أكثر من روى في الشمائل والحياة اليومية.

راوي الصحيحين

جابر بن عبد الله

استُشهد أبوه في أُحد وترك دَينًا وسبع بنات، فبارك ﷺ في تمره فقُضي الدين. روى حديث حجة الوداع الطويل الذي عليه مدار صفة الحج.

فاتح مصر

عمرو بن العاص

كان من أشدّ الناس على المسلمين ثم أسلم قبل الفتح. أمّره ﷺ على سرية ذات السلاسل وفيها أبو بكر وعمر. قال فيه: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص».

أول فارس

المقداد بن الأسود

قال يوم بدر: «لا نقول لك كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك» — فأشرق وجه النبي ﷺ. وقيل: أول من قاتل على فرسٍ في الإسلام.

الزاهد الأول

عثمان بن مظعون

أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وأول من دُفن بالبقيع. قبّله ﷺ بعد موته ودموعه تسيل على وجهه. همّ بالتبتّل وترك النساء فردّه ﷺ عن ذلك.

سيّدا شباب الجنة

الحسن والحسين

ابنا عليّ وفاطمة، وريحانتاه من الدنيا. حمل ﷺ الحسن على عاتقه وقال: «اللهم إني أحبه فأحبه». وقال في الحسن: «سيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين». واستُشهد الحسين بكربلاء سنة ٦١هـ.

ضابطٌ في الحديث عن الصحابة: هم بشرٌ غير معصومين، وقع بينهم اختلافٌ واجتهاد، والموقف الشرعي هو الكفّ عمّا شجر بينهم والترضّي عنهم جميعًا. قال ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه». وما يُروى في الطعن على بعضهم أكثرُه من صناعة عصور الفتن لا من كتب الحديث المعتمدة.
حفظ الرسالة

كتّاب الوحي وحفظ القرآن

لم يترك ﷺ القرآن لذاكرة الرجال وحدها؛ بل اتخذ كتّابًا يكتبون كل ما ينزل فور نزوله، ويأمرهم بموضع الآية من سورتها.

◆ أشهر كتّاب الوحي

  • زيد بن ثابت — ألزمهم للكتابة، وهو الذي جمع القرآن بعدُ في عهد أبي بكر ثم عثمان.
  • أُبيّ بن كعب — من أوائل من كتب له بالمدينة.
  • الخلفاء الأربعة — أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
  • معاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد وحنظلة بن الربيع.
  • بلغ عددهم في بعض الإحصاءات أكثر من أربعين كاتبًا.

◆ كيف حُفظ القرآن؟

  • الحفظ في الصدور: كان الصحابة يأخذون عشر آيات فلا يجاوزونها حتى يتعلموا ما فيها.
  • الكتابة في السطور: على العُسُب واللِّخاف والرِّقاع والأكتاف.
  • العَرْضة السنوية: كان جبريل يعارضه القرآن كل رمضان، وعارضه في آخر سنةٍ مرتين.
  • الجمع في مصحف: في خلافة أبي بكر بعد استشهاد كثير من القرّاء في اليمامة.
  • توحيد المصاحف: في خلافة عثمان لما اختلف الناس في القراءة، فبقي إلى اليوم.

◆ ونهيه عن كتابة غير القرآن أولًا

  • نهى في أول الأمر عن كتابة شيءٍ غير القرآن خشية اختلاطه به.
  • ثم أذن لمن أمِن اللبس: كتب لأبي شاه خطبته، وقال: «اكتبوا لأبي شاه».
  • وأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص فكتب «الصحيفة الصادقة».
  • فبقي القرآن متميّزًا عن الحديث، ثم دُوّنت السنة بأسانيدها في القرون التالية.
الجبهة الداخلية والخارجية

المنافقون وخصومه ﷺ

واجه ﷺ عدوًّا معلنًا في مكة، وعدوًّا مستترًا في المدينة. وكان تعامله مع الثاني أعجب: عرفهم بأسمائهم ولم يقتل منهم أحدًا، وقال: «لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه».

عبد الله بن أُبيّ بن سلول

كان قومه قد أوشكوا أن يُتوّجوه ملكًا على المدينة قبل الهجرة، فلما جاء النبي ﷺ ذهب الملك، فأسلم ظاهرًا وأضمر الحقد. ومواقفه معروفة: انخذل بثلث الجيش يوم أُحد فردّ نحو ثلاثمئة مقاتل في أحرج ساعة، وقال في غزوة بني المصطلق: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، وكان من أشدّ من خاض في حديث الإفك وتولّى كِبره.

فاستأذن عمر في قتله فقال ﷺ: «لا، لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وجاءه ابنه — عبد الله وكان مؤمنًا صالحًا — يقول: يا رسول الله، إن كان لا بدّ من قتله فمُرني به فأنا أحمل إليك رأسه؛ فإني أخشى أن تأمر به غيري فتراني عيني قاتل أبي فأقتله فأدخل النار! فقال ﷺ: «بل نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».

ولما مات جاء ابنه يسأل قميص النبي ﷺ ليكفّنه فيه وأن يصلي عليه، ففعل ﷺ إكرامًا للابن ورجاءً في هداية قومه، وعمر يجاذبه ثوبه معترضًا. ثم نزل النهي: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾ فما صلّى على منافقٍ بعده. — حِلمٌ في الدنيا، وحُكمٌ من السماء.

صحيح البخاري ومسلم

حين يُتّخذ المسجد أداةً للتفريق

بنى نفرٌ من المنافقين مسجدًا قرب قباء وجاءوا يسألون النبي ﷺ أن يصلي فيه ليُضفوا عليه شرعية، متعلّلين بالمطر والحاجة والضعفاء. وكان ﷺ متجهّزًا لتبوك فقال: «إنا على سفر، فإذا رجعنا إن شاء الله». فلما رجع نزل الوحي يكشف الحقيقة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾، فأمر ﷺ بهدمه وتحريقه.

وفي المقابل أثنى الله على مسجد قباء: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ — فالمقياس النيّة والأثر، لا الشكل والاسم؛ مسجدان متجاوران، أحدهما يُهدم والآخر يُثنى عليه في القرآن.

سيرة ابن هشام، وتفسير سورة التوبة

لماذا لم يستأصلهم؟

◂ لم يحكم على النيات: عاملهم بظاهرهم، فأجرى عليهم أحكام الإسلام: يصلّون ويغنمون ويرثون.

◂ لم يفضحهم بأسمائهم: أسرّ بأسمائهم إلى حذيفة بن اليمان وحده — فكان يُسمّى «صاحب سرّ رسول الله»، وكان عمر في خلافته إذا مات ميّت نظر: أيصلي عليه حذيفة أم لا؟

◂ وازن بين المفسدتين: قتلهم يُنفّر الداخلين ويشوّه الدعوة، وتركهم أهون — ثم كشفهم القرآن سورةً بعد سورة حتى سُمّيت سورة التوبة «الفاضحة».

◂ صبر على أذاهم الشخصي: قسم غنائم فقال رجل: إن هذه قسمةٌ ما أُريد بها وجه الله! فاحمرّ وجهه ثم قال: «رحم الله موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر».

صحيح البخاري ومسلم

من آذاه، وكيف انتهى أمرهم

◂ أبو جهل (عمرو بن هشام) — «فرعون هذه الأمة»؛ عذّب آل ياسر، وحرّض على وضع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد، ودبّر خطة قتله. قُتل في بدر على يد غلامين من الأنصار، فقال ﷺ: «هذا فرعون هذه الأمة».

◂ أبو لهب — عمّه، وأشدّ الناس عليه؛ يتبعه في المواسم يكذّبه. نزلت فيه سورةٌ تُتلى، ومات بعد بدر بأيام بمرضٍ نفر منه أهله.

◂ أمية بن خلف — معذّب بلال، قُتل في بدر؛ صاح به بلال: «رأس الكفر أمية بن خلف» فأحاطت به الأنصار فقتلوه.

◂ عقبة بن أبي معيط — خنقه بردائه، وألقى الأذى على ظهره. أُسر في بدر فقُتل.

◂ الوليد بن المغيرة — قال في القرآن بعد أن فكّر وقدّر: «إن هذا إلا سحرٌ يؤثر»، فنزلت فيه ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وما بعدها. مات على شركه.

◂ النضر بن الحارث — كان يجلس بعد النبي ﷺ فيحدّث الناس بأخبار رستم وإسفنديار ويقول: بأيّ حديثٍ محمدٌ أحسن مني؟ فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ عند بعض المفسّرين.

ومع ذلك: أسلم من أبنائهم وأقاربهم خلقٌ كثير — عكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد، وصفوان بن أمية — فكانوا من قادة الإسلام. وهذا مصداق دعائه في الطائف: «أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله».

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام
في السوق والبيت والقضاء

معاملاته ﷺ: التاجر والقاضي والمَدين

عمل بالتجارة قبل النبوة، وبعدها اشترى وباع واستدان ورهن وقضى بين الناس — فكانت حياته اليومية تشريعًا عمليًّا لا نظريًّا.

◆ في البيع والشراء

  • اشترى من جابر جمله ثم أعطاه الثمن وردّ عليه الجمل.
  • مرّ على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال: أصابته السماء. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشّ فليس مني».
  • نهى عن تلقّي الركبان قبل وصولهم السوق، وعن بيع الحاضر للبادي، وعن النجش (رفع السعر بلا نية شراء).
  • نهى عن بيع الغرر وما ليس عندك، وأجاز السَّلَم بشرط: «في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم».
  • «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى».

◆ في الدَّين والرهن

  • مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير أخذها لأهله.
  • استلف بَكرًا فردّ خيرًا منه وقال: «إن خياركم أحسنكم قضاءً».
  • كان يستعيذ من الدَّين: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمَغرم». فقيل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم! فقال: «إن الرجل إذا غرِم حدّث فكذب ووعد فأخلف».
  • امتنع عن الصلاة على من مات وعليه دَينٌ لا وفاء له، حتى فتح الله عليه فقال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن ترك دَينًا فعليّ».
  • «مَطْل الغنيّ ظلم» — وأمر بإنظار المعسر: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظلّه الله في ظلّه».

◆ في القضاء

  • «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع؛ فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار» — إعلانٌ أن حكم القاضي لا يحلّ حرامًا.
  • «لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى رجالٌ دماء قوم وأموالهم، ولكن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر».
  • «لا يقضينّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان».
  • «إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضِ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول».
  • وفي قصة المخزومية التي سرقت وشفع فيها أسامة: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟... وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

◆ في العمل والكسب

  • «ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده».
  • «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطبٍ على ظهره فيبيعها خيرٌ له من أن يسأل الناس».
  • «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» — رواه الترمذي وحسّنه، وضعّفه آخرون.
  • «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه»، وجعل من خصماء الله يوم القيامة: رجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعطه أجره.
  • «ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه ولا يُفطن له فيُتصدّق عليه».
كل ما في هذا القسم مخرَّج في الصحيحين والسنن. ولا يُقصد به الإفتاء في نازلة بعينها؛ فمسائل المعاملات لها تفاصيل يرجع فيها إلى أهل العلم.
بينه وبين ربه

عبادته ﷺ: صلاته وصيامه وحجّه

أُسّست عبادته على أمرين: الدوام — «أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ» — والتوسّط بلا رهبنةٍ ولا تفريط. قال ﷺ: «إن هذا الدين يُسر، ولن يشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه».

◆ صلاته المكتوبة

  • «صلّوا كما رأيتموني أصلي» — علّمهم بالفعل لا بالوصف.
  • يقول للمُسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء... ثم اطمئنّ» — يعلّمه ثلاث مرات بلا زجر.
  • يخفّف إذا أمّ الناس مراعاةً للضعيف والكبير وذي الحاجة، ويطيل إذا صلّى لنفسه.
  • «وجُعلت قرّة عيني في الصلاة»، وكان يقول لبلال: «أرِحنا بها يا بلال» — راحةٌ لا كلفة.
  • يصلي وهو مريض حتى صلّى في آخر أيامه جالسًا يُهادى بين رجلين.

◆ قيامه بالليل

  • ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يطيلها ويحسنها.
  • ينام أول الليل ويقوم آخره، وربما نام بعد الوتر.
  • يقوم حتى تتفطّر قدماه، فيقال له: أليس قد غفر لك؟ فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟».
  • يفتتح قيامه بدعاء: «اللهم ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض...».
  • «إذا مرض أحدكم أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا».

◆ صيامه

  • يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم.
  • أكثر ما كان يصوم من التطوّع: شعبان، ويصوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر.
  • «صيام يوم عرفة يكفّر سنتين»، و«عاشوراء يكفّر سنة».
  • يعجّل الفطر ويؤخّر السحور، ويفطر على رطباتٍ قبل أن يصلي.
  • واصل الصوم يومين فنهى أصحابه عن الوصال وقال: «إني لست كهيئتكم، إني أُطعَم وأُسقى».

◆ اعتكافه وذكره

  • يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله، واعتكف عامًا عشرين يومًا.
  • إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشدّ مئزره.
  • كان يذكر الله على كل أحيانه: عند اللبس والأكل والنوم والسفر والمطر والهلال ودخول السوق.
  • يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة، وقيل مئة.
  • «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم... ذكر الله».

◆ حجّه وعمرته

  • حجّ بعد الهجرة حجة واحدة هي حجة الوداع، وحجّ قبل الهجرة حِججًا.
  • اعتمر أربع عُمَر، كلهنّ في ذي القعدة إلا التي مع حجّته: عمرة الحديبية (صُدّ عنها)، وعمرة القضاء، وعمرة الجِعرانة، وعمرته مع حجّته.
  • علّم الناس المناسك بفعله وقال: «لتأخذوا عني مناسككم».
  • ما سُئل يومئذٍ عن شيء قُدّم ولا أُخّر إلا قال: «افعل ولا حرج» — تيسيرٌ في أشقّ العبادات.
  • خطب في عرفة، وبات بمزدلفة، ورمى الجمرة راكبًا، وطاف طواف الإفاضة.

◆ قراءته للقرآن

  • كانت قراءته مدًّا مرتّلة، يقطّع قراءته آيةً آية.
  • قال لابن مسعود: «اقرأ عليّ». قال: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟! قال: «إني أحبّ أن أسمعه من غيري» — فقرأ حتى بلغ ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد﴾ فقال: «حسبك» — وإذا عيناه تذرفان.
  • قام ليلة بآية يردّدها حتى أصبح: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾.
  • يعارضه جبريل القرآن كل رمضان، وعارضه في آخر عام مرتين.
  • «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه».
مخرَّجٌ في الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصفةُ حجّه في حديث جابر الطويل عند مسلم.
من مجالسه

سألوه فأجاب: أسئلة الصحابة وأجوبته ﷺ

كان مجلسه مفتوحًا: يسأله الأعرابي والغريب والمرأة والغلام، فيجيب بما يناسب السائل. وهذه أشهر الأسئلة التي رُفعت إليه وأجوبتها كما في الصحيح.

◆ عن الإيمان والدين

  • ما الإسلام؟ «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت».
  • ما الإيمان؟ «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه».
  • ما الإحسان؟ «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
  • متى الساعة؟ «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» — ثم ذكر أماراتها. وقال لمن ألحّ: «ماذا أعددتَ لها؟» قال: حبّ الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت».

◆ عن أفضل الأعمال

  • أيّ العمل أفضل؟ — أجاب كلَّ سائلٍ بما يناسبه: «إيمانٌ بالله وجهادٌ في سبيله»، ولآخر: «الصلاة على وقتها ثم برّ الوالدين ثم الجهاد». وسُئل: أيّ الإسلام خير؟ فقال: «تُطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفتَ ومن لم تعرف».
  • أيّ الإسلام خير؟ «من سلِم المسلمون من لسانه ويده».
  • أيّ الصدقة أفضل؟ «أن تصدّق وأنت صحيحٌ شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى».
  • أيّ الجهاد أفضل؟ «كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائر». وقال لمن استأذنه في الجهاد وله والدان: «ففيهما فجاهد».
  • أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ «أدومها وإن قلّ».

◆ عن الحقوق والناس

  • من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ «أمك» ثم «أمك» ثم «أمك» ثم «أبوك».
  • ما حقّ المسلم على المسلم؟ «ستّ: إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتبعه».
  • ما حقّ الزوجة؟ «أن تُطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقبّح، ولا تهجر إلا في البيت».
  • كم أعفو عن الخادم؟ سكت، ثم قال: «اعفُ عنه في كل يومٍ سبعين مرة».
  • الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، أمِن الكِبر؟ «إن الله جميلٌ يحبّ الجمال؛ الكِبر بَطَر الحقّ وغَمْط الناس».

◆ عن الذنوب والتوبة

  • ما أكبر الكبائر؟ «الشرك بالله، وعقوق الوالدين» — وكان متكئًا فجلس فقال: «ألا وقول الزور» فما زال يكررها حتى قالوا: ليته سكت.
  • أيّ الذنب أعظم؟ «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك».
  • رجلٌ أصاب من امرأةٍ قبلةً، أعليه كفارة؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال: ألي خاصةً؟ قال: «لجميع أمتي كلهم».
  • وحكى لهم قصة قاتل المئة نفس، وفيها قول العالِم له: «ومن يحول بينك وبين التوبة؟» — فتحًا لباب الرجاء.
  • ما البرّ وما الإثم؟ «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطّلع عليه الناس».

◆ أسئلة أهل الكتاب

  • سألت اليهود عن الروح فسكت حتى نزل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.
  • وسألوه عن ذي القرنين وأصحاب الكهف امتحانًا، فتأخّر الوحي أيامًا ثم نزلت سورة الكهف.
  • وسأله عبد الله بن سلام عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي: أول أشراط الساعة، وأول طعام أهل الجنة، ولِمَ ينزع الولد إلى أبيه أو أمّه — فأجابه، فقال: أشهد أنك رسول الله.
  • وسأله يهوديّ فقال: «والذي اصطفى موسى على البشر» فلطمه رجل، فقال ﷺ: «لا تخيّروني على موسى».

◆ أسئلة الطريق والمعاش

  • أعقلها وأتوكّل أم أُطلقها وأتوكّل؟ «اعقلها وتوكّل».
  • إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، أفنتوضأ بماء البحر؟ «هو الطهور ماؤه، الحلّ مَيتته».
  • أيّ الكسب أطيب؟ «عمل الرجل بيده، وكل بيعٍ مبرور».
  • الرجل يقاتل شجاعةً وحميّةً ورياءً، أيّ ذلك في سبيل الله؟ «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».
  • إن الأسعار قد غلت فسعّر لنا! فقال: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدٌ يطالبني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مال» — فامتنع عن التسعير حفظًا لحق الناس.
مخرَّجة في الصحيحين والسنن. وتأمّل منهجه: يجيب الواحد بجوابٍ ويجيب غيره عن السؤال نفسه بجوابٍ آخر — لأنه يعالج السائل لا السؤال.
في يد المنتصر

الأسرى في سيرته ﷺ

مقياسُ أخلاق الأمم يظهر حين تُمسك بعدوّها. وهذه وقائع ثابتة في تعامله مع من وقعوا في يده، في زمنٍ كان الأسير فيه يُقتل أو يُستعبد أو يُعذَّب.

سبعون أسيرًا: أوصى بهم خيرًا ففُضِّلوا على آسريهم

قال ﷺ لأصحابه في أسرى بدر: «استوصوا بالأسارى خيرًا». قال أحدهم — وهو أبو عزيز بن عمير أخو مصعب: كنت في رهطٍ من الأنصار، فكانوا إذا قدّموا غداءهم أو عشاءهم خصّوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ بنا، ما تقع في يد رجلٍ منهم كِسرة خبزٍ إلا نفحني بها — فكان الأسير يأكل الخبز والآسر يأكل التمر.

ويُروى في السيرة أنه ﷺ سمع أنين عمّه العباس في وثاقه فلم ينم تلك الليلة، فقال الأنصار: ما لك لا تنام؟ قال: «سمعت أنين العباس»، فأرخوا وثاقه فنام. وأخذ الفداء منهم، وجعل فداء من لا مال له ممن يُحسن الكتابة أن يعلّم عشرة من صبيان المدينة — أول فداءٍ بالعلم في التاريخ. ومنّ على من لا يجد شيئًا بلا فداء.

سيرة ابن هشام، ومسند أحمد

القلادة التي بكى لها

كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنته زينب من أسرى بدر، فبعثت زينب في فدائه بمالٍ وفيه قلادةٌ لخديجة كانت أدخلتها بها على زوجها. فلما رآها ﷺ رقّ لها رقّةً شديدة وقال لأصحابه: «إن رأيتم أن تُطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها الذي لها فافعلوا». فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردّوا عليها مالها. — وهو لا يملك أن يأمرهم في حقٍّ لهم، فاستأذنهم.

سنن أبي داود ومسند أحمد

أسيرٌ في المسجد ثم أعزّ أهل اليمامة إسلامًا

أُسر ثمامة بن أثال سيّد اليمامة، فرُبط في سارية من سواري المسجد. فكان ﷺ يمرّ به فيقول: «ما عندك يا ثمامة؟» فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت. ثلاثة أيام على هذا.

ثم قال ﷺ: «أطلقوا ثمامة». فانطلق إلى نخلٍ قريب فاغتسل ثم رجع إلى المسجد فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. يا محمد، والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ». — الإطلاق بلا شرطٍ صنع ما لم يصنعه السجن.

متفق عليه

ستة آلاف سبيّ رُدّوا في يومٍ واحد

بعد حنين وقع في السبي نحو ستة آلاف من ذراري هوازن ونسائهم، فقُسّمت الغنائم. ثم جاء وفد هوازن مسلمين يسألون ردّ السبي، فقال ﷺ: «أحبّ الحديث إليّ أصدقه؛ اختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال». فاختاروا السبي.

فقام في الناس فقال: «إن إخوانكم هؤلاء جاءونا تائبين، وإني رأيتُ أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ منكم أن يطيّب بذلك فليفعل، ومن أحبّ أن يكون على حظّه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل». فقال الناس: قد طيّبنا لرسول الله. فردّ عليهم سبيهم كله.

وفي هذا السبي كانت الشيماء أخته من الرضاعة، فبسط لها رداءه وأجلسها عليه وخيّرها ومتّعها.

صحيح البخاري، وسيرة ابن هشام

ما قرّره في شأن الأسرى والحرب

◂ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ — جعل إطعام الأسير من موجبات الجنة، والأسرى يومئذٍ مشركون.

◂ «لا تُعذّبوا بعذاب الله» — ونهى عن التمثيل والتحريق ولو بالعدو.

◂ نهى عن التفريق بين الوالدة وولدها في السبي: «من فرّق بين والدةٍ وولدها فرّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة».

◂ وأوصى أمراءه: «اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدًا».

◂ ومنَّ على أسرى كثيرين بلا فداء: أطلق ثمامة، وأطلق أبا العاص، ومنَّ على أسرى بني المصطلق حين تزوّج جويرية فأعتق الناسُ مئة أهل بيت.

ومن الإنصاف أن يُقال: كانت في الحروب وقائع شديدة جرت وفق أعراف ذلك الزمان ونصوصٍ في نقض العهود، وقد تناولناها في مواضعها من الموقع. والمقصود هنا بيان القاعدة العامة التي قرّرها ﷺ، وهي — بمقياس القرن السابع الميلادي — قفزةٌ لا نظير لها.

[الإنسان: 8]، وسنن الترمذي وأبي داود، والصحيحين
﴿وشاورهم في الأمر﴾

الشورى في حياته ﷺ

وهو الموحى إليه، أُمر بالمشاورة: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. ويُروى عن أبي هريرة: «ما رأيتُ أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله ﷺ» (الترمذي، وفي إسناده انقطاع) — ومعناه تشهد له الوقائع الثابتة التالية.

◆ في بدر — ثلاث مشاورات

  • استشارهم في أصل الخروج حين تبيّن أن النفير جاء ولم تكن العير، فقال المقداد: «نقاتل عن يمينك وعن شمالك».
  • ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس» — يريد الأنصار، لأن بيعتهم كانت على منعه في ديارهم، ففهمها سعد بن معاذ فقال: «فسِر بنا على بركة الله».
  • ثم في موضع النزول: قال الحُباب بن المنذر: أمنزلٌ أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي». فأشار بالتقدّم إلى أدنى ماء، فقال ﷺ: «لقد أشرتَ بالرأي» ونزل عليه (كما في كتب المغازي عن عروة وموسى بن عقبة مرسلًا).
  • ثم استشارهم في الأسرى، فأخذ برأي أبي بكر في الفداء.

◆ في أُحد

  • كان رأيه ﷺ البقاء في المدينة، ورأى أكثرهم — وفيهم شبابٌ فاتتهم بدر — الخروج.
  • فنزل على رأي الأكثرية ولبس لأمته.
  • فلما ندموا وقالوا: استكرهناك، قال: «ما ينبغي لنبيٍّ لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله» — لم يرجع عن قرارٍ اتُّخذ بالشورى.
  • ثم نزل بعد الهزيمة: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ — أُمر بمشاورتهم مرةً أخرى بعد الخطأ نفسه.

◆ في الخندق

  • أخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق — فكرةٌ أعجمية لم تعرفها العرب، أخذ بها من رجلٍ لا نسب له فيهم.
  • وشاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة، فقالا: إن كان أمرًا من الله فامضِه، وإن كان الرأي فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية إلا قِرًى أو بيعًا، أفحين أعزّنا الله بك نعطيهم؟! فقال: «إنما هو شيء أصنعه لكم» وترك الصلح.
  • وأخذ برأي نُعيم بن مسعود في التخذيل بين الأحزاب.

◆ في الحديبية والإفك

  • في الحديبية لمّا امتنع الناس عن التحلّل استشار أم سلمة، فأشارت أن يخرج فينحر ويحلق بلا كلام — ففعل، فقاموا يفعلون مثله.
  • وفي حادثة الإفك استشار عليًّا وأسامة، وسأل بريرة خادمة عائشة، وسأل زينب بنت جحش — يستقصي قبل أن يحكم.
  • وفي الأذان شاورهم فيما يجمع الناس للصلاة، فذُكر البوق والناقوس والنار، حتى رأى عبد الله بن زيد الأذان فأقرّه.
  • وفي تأبير النخل قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» — فرّق بين الوحي والخبرة البشرية.

◆ قواعد الشورى عنده

  • لا شورى فيما نزل به الوحي — «إن كان أمرًا من الله فامضِه».
  • يُستشار أهل الاختصاص: سلمان في التحصين، والحباب في المنازل، وأم سلمة في النفوس.
  • ينزل على الرأي ولو خالف رأيه — كما في أُحد.
  • لا يعاقب المشير إذا أخطأ، ولا يعيّره بالنتيجة.
  • ويُصرّح بفضل الرأي لصاحبه: «لقد أشرتَ بالرأي».
  • والعزم بعدها: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ — شورى قبل القرار، وحزمٌ بعده.

◆ ومن أخذ برأيهم

  • أبو بكر في الأسرى، وعمر في مواضع وافق فيها الوحي.
  • سلمان الفارسي — أعجميّ حديث عهدٍ بالمدينة.
  • الحُباب بن المنذر — رجلٌ من الأنصار في مسألة عسكرية.
  • أم سلمة — امرأة في أحرج موقف سياسي.
  • بريرة — جاريةٌ سُئلت في أخطر قضية تمسّ بيته.
  • ونُعيم بن مسعود — حديث إسلامٍ لم يعرفه الناس بعد.
منهج الجواب

كيف كان يفتي ﷺ ويجيب؟

سُئل عن كل شيء: الطهارة والحيض والحرب والمال والغيب، فكان لجوابه منهجٌ يُدرَس: تارةً يجيب، وتارةً يسكت حتى ينزل الوحي، وتارةً يسأل السائل قبل أن يجيبه.

◆ يجيب بحسب حال السائل

  • سُئل «أيّ العمل أفضل؟» فأجاب كلَّ سائلٍ بجواب: هذا بالجهاد، وهذا ببرّ الوالدين، وهذا بالصلاة على وقتها — يعالج السائل لا السؤال.
  • رخّص لشيخٍ في القُبلة وهو صائم ونهى عنها شابًّا، فقيل له، فقال ما معناه: الشيخ يملك إربه والشابّ لا يملك.
  • أوصى أبا ذر بترك الإمارة لضعفه، وأمّر أسامة وهو ابن ثماني عشرة.
  • وقال لمن سأله عن أعمالٍ ينالها: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له» — وصفةٌ لرجلٍ بعينه.

◆ يتوقّف حتى ينزل الوحي

  • سُئل عن الروح فسكت حتى نزل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾.
  • وسُئل عن أصحاب الكهف وذي القرنين فتأخّر الوحي أيامًا حتى نزلت الكهف — وعُوتب أن قال «غدًا أخبركم» ولم يقل: إن شاء الله.
  • وفي حادثة الإفك مكث شهرًا لا يوحى إليه فيها وهو يتألّم.
  • وفي الظِّهار قال لخولة: «ما أراك إلا قد حرمتِ عليه» حتى نزل الحكم.
  • و«لا أدري» علمٌ: توقّف في مسائل حتى يأتيه البيان.

◆ يكره كثرة السؤال

  • «ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».
  • «إن أعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم فحُرّم من أجل مسألته».
  • ولمّا قال: «إن الله كتب عليكم الحجّ» فقال رجل: أكلَّ عام؟ فسكت، ثم قال: «لو قلتُ نعم لوجبت».
  • وكانوا يفرحون بالأعرابي يقدم فيسأل — لأنهم نُهوا عن السؤال وهو يُعذر بجهله.

◆ يفتي بالمآل والمصلحة

  • ترك هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم خشية فتنة حديثي العهد.
  • ترك قتل المنافقين لئلا يُقال: محمد يقتل أصحابه.
  • أمر بترك الأعرابي حتى يفرغ من بوله في المسجد دفعًا لمفسدةٍ أكبر.
  • ونهى عن بيع الحاضر للبادي وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (مسلم).

◆ يجيب بأكثر مما سُئل

  • سُئل عن ماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته» — أجاب عن الطهارة وزاد حكم الميتة لعلمه بحاجتهم.
  • وسُئل عن الوضوء بماءٍ قليل، فبيّن أصل الطهارة كاملًا.
  • وسأله رجل عن اللقطة فبيّن حكمها وحكم ضالّة الغنم والإبل معًا.

◆ ويصحّح المفهوم لا اللفظ فقط

  • قال رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده».
  • وقيل: أنت سيّدنا. فقال: «السيّد الله»، وقال: «لا يستجرينّكم الشيطان».
  • ولمّا كسفت الشمس يوم موت ابنه ونسبوا الكسوف إليه، صعد المنبر فأبطل ذلك مع حزنه.
  • ولمّا قالوا: مُطرنا بنَوء كذا، بيّن أن الرزق من الله.
«بعثني معلّمًا ميسّرًا»

منهجه ﷺ في التعليم

قال معاوية بن الحكم — وقد أخطأ في الصلاة: فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه؛ ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. هذه أدواته التي استعملها في تعليم أمّة.

◆ السؤال قبل الجواب

«أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا...» — يبدأ بسؤالٍ يهيّئ الذهن فيرسخ الجواب.رواه مسلم

◆ الرسم والتوضيح

خطّ خطًّا مربّعًا، وخطًّا في وسطه خارجًا منه، وخطوطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط، ثم قال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض» — وسيلةٌ بصرية قبل ألف وأربعمئة سنة.رواه البخاري

◆ ضرب المثل

«مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». و«مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجّة: طعمها طيب وريحها طيب». و«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا» وشبّك بين أصابعه.متفق عليه

◆ التكرار ثلاثًا

«كان إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلّم عليهم سلّم عليهم ثلاثًا». وكان يكرر التحذير: «ألا وقول الزور» — فما زال يكررها حتى قالوا: ليته سكت.رواه البخاري

◆ مراعاة الفروق

سُئل: أيّ العمل أفضل؟ فأجاب ابن مسعود: «الصلاة على وقتها، ثم برّ الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله»، وأجاب أبا ذر: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله»، وأجاب أبا هريرة: «إيمانٌ بالله ورسوله… ثم حجٌّ مبرور» — يجيب كل واحدٍ بما يناسب حاله لا بجوابٍ واحد للجميع.متفق عليه

◆ التدرّج

«إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات... فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة» — خطة دعوةٍ مرتّبة لمعاذ.متفق عليه

◆ التشويق والتلميح

«ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى. «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟» — يفتح شهية السامع قبل أن يعطيه المعلومة.رواه مسلم، والثاني متفق عليه

◆ التعليم بالقصة

قصّ عليهم قصة الثلاثة الذين أوَوا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة فتوسّلوا بصالح أعمالهم، وقصة أصحاب الأخدود، وقصة الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا — قصصٌ تحمل الحكم في سياقٍ يُحفظ.متفق عليه، وقصة الأخدود رواها مسلم

◆ التعليم بالموقف

مرّ بجديٍ أَسَكّ ميت فأخذ بأذنه وقال: «أيّكم يحبّ أن هذا له بدرهم؟» قالوا: ما نحبّ أنه لنا بشيء. قال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».رواه مسلم

◆ الرفق بالمخطئ

«دعوه وأريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء» للأعرابي، و«ادنُه» للشاب الذي استأذن في الزنا، و«يا غلام، سمّ الله» للغلام في الطعام — لم يبدأ بالتوبيخ قط.متفق عليه

◆ عدم الإطالة

«كان يتخوّلنا بالموعظة كراهية السآمة علينا» — يتحيّن الأوقات المناسبة ولا يعظ كل يوم لئلا يملّوا. وقالت عائشة: «كان يحدّث حديثًا لو عدّه العادّ لأحصاه».متفق عليه

◆ فداء العلم

جعل فداء أسير بدر الذي يُحسن الكتابة أن يعلّم عشرة من صبيان المدينة — أول مرة في التاريخ يُفدى أسيرُ حربٍ بالتعليم.مسند أحمد

الذين عرفوه من كتبهم

من أهل الكتاب: أسلموا فآمنوا مرّتين

قال ﷺ: «ثلاثةٌ يُؤتَون أجرهم مرتين: رجلٌ من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بمحمد…». وهؤلاء نماذج ممن كان ينتظره فلمّا جاء عرفه.

حَبر يهود المدينة

عبد الله بن سلام

كان من علماء يهود، فلما قدِم ﷺ المدينة ذهب لينظر إليه، فلما تبيّن وجهه قال: «عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب». فأسلم وكتم إسلامه وقال: يا رسول الله، إن يهود قومٌ بُهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا. فسألهم فقالوا: سيّدنا وابن سيّدنا وأعلمنا وابن أعلمنا. فخرج فأعلن إسلامه، فقالوا: شرّنا وابن شرّنا! فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.صحيح البخاري، وجملة «ليس بوجه كذّاب» عند الترمذي

اختبر حلمه فأسلم

زيد بن سَعْنة

حَبرٌ من يهود قال: ما بقي من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتها في وجه محمد إلا اثنتين: يسبق حلمُه جهلَه، ولا تزيده شدّة الجهل عليه إلا حلمًا. فأسلفه تمرًا إلى أجل، ثم جاءه قبل الأجل يجذب رداءه ويقول: يا محمد، ألا تقضيني حقي؟ فقال عمر: يا عدوّ الله! فقال ﷺ: «أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا يا عمر: أن تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي؛ اذهب به فاقضه وزده عشرين صاعًا». فأسلم زيد.ابن حبان والحاكم وصحّحاه، وفي إسناده كلامٌ عند بعض أهل العلم

الحبر الذي مات شهيدًا

مُخَيريق

حَبرٌ من يهود بني النضير، غنيّ كثير الأموال والنخل، عرف صفة النبي ﷺ في كتابه. فلما كان يوم أُحد — وهو يوم سبت — قال لقومه: يا معشر يهود، والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحقّ. قالوا: إن اليوم يوم السبت! قال: «لا سبت لكم». فأخذ سلاحه وخرج فقاتل حتى قُتل، وأوصى بأمواله للنبي ﷺ، فقال ﷺ: «مخيريق خير يهود». وكانت أمواله عامّة صدقاته بالمدينة.سيرة ابن هشام

الباحث عن الحق

سلمان الفارسي

مجوسيٌّ من أصبهان، تنصّر ثم رحل من عالمٍ إلى عالم في الشام والموصل ونصيبين وعمّورية، حتى وصفوا له نبيًّا يُبعث بثلاث علامات: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ومهاجَره أرضٌ بين حرّتين. فبيع عبدًا في المدينة، فلما تحقّق من العلامات انكبّ عليه يقبّله ويبكي.مسند أحمد

ملك الحبشة

النجاشي (أصحمة)

ملكٌ نصراني آوى المهاجرين وردّ هدايا قريش وقال: «اذهبا، فوالله لا أسلمهم إليكم». بكى حتى اخضلّت لحيته لمّا سمع سورة مريم وقال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. ثم أسلم وزوّج النبيَّ ﷺ أمَّ حبيبة وأصدق عنها. فلما مات نعاه ﷺ في اليوم الذي مات فيه وصلّى عليه صلاة الغائب.مسند أحمد، ومتفق عليه

نصرانيّ من الشام

تميم الداري

أسلم سنة ٩هـ، وهو راوي حديث الجسّاسة الذي حدّث به النبيَّ ﷺ فصعد المنبر وحدّث به الناس وقال: «وافق الذي كنت أحدّثكم». وكان تميم بعد ذلك من أكثر الناس تلاوةً وقيامًا حتى قام ليلةً بآيةٍ واحدة يردّدها.رواه مسلم، والأثر الأخير في الزهد لابن المبارك

سيّد طيّئ النصراني

عديّ بن حاتم

هرب إلى الشام ثم عاد فأسلم بعد أن رأى ثلاث علامات: تواضعه («ما هذا بملك»)، وإيثاره بالوسادة، وعلمه بما يخفى («ألست ركوسيًّا تأخذ المرباع وهو لا يحلّ لك؟»). ثم أخبره بنبوءات فرآها بعينه: أمن الظعينة من الحيرة، وفتح كنوز كسرى.صحيح البخاري، والسؤال عن الركوسية والمرباع عند أحمد والترمذي

وأمّا الذين لم يُسلموا

هرقل وورقة والراهب

ورقة بن نوفل صدّقه أول يوم وتمنّى أن يعيش لينصره ثم مات. وهرقل عرف صدقه بأسئلته الدقيقة وقال: «فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين» — ثم خاف على ملكه فأمسك. — المعرفة وحدها لا تكفي؛ فالإيمان يحتاج إلى تخلٍّ عن الهوى والمصلحة.صحيح البخاري

القاعدة

كيف عاملهم قبل إسلامهم؟

عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه في مرضه فعرض عليه الإسلام فأسلم، وقام لجنازة يهودي وقال: «أليست نفسًا؟»، وأكل من طعامهم وأجاب دعوتهم، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي، وكتب لنصارى نجران أمانًا على كنائسهم ورهبانهم، وقال: «من ظلم معاهدًا فأنا حجيجه يوم القيامة».صحيح البخاري، وسنن أبي داود

بالحجّة لا بالغلبة

حواراته ومناظراته ﷺ

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ — وهذه نماذج من حواره مع المشركين وأهل الكتاب والمخطئين.

«أفرغتَ يا أبا الوليد؟»

أرسلت قريش عتبة بن ربيعة — سيّدًا حكيمًا — يساوم النبي ﷺ. فجاء فعرض عليه: إن كنت تريد مالًا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد شرفًا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد مُلكًا ملّكناك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًّا لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ.

فأنصت له ﷺ حتى فرغ ولم يقاطعه، ثم قال: «أفرغتَ يا أبا الوليد؟» قال: نعم. قال: «فاسمع مني». ثم قرأ عليه صدر سورة فصّلت حتى بلغ السجدة فسجد، ثم قال: «قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك».

فرجع عتبة إلى قريش مبهوتًا، فقالوا: ما وراءك؟ قال: «والله لقد سمعتُ قولًا ما سمعتُ مثله قط؛ والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه؛ فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت نبأ». فقالوا: سحرك والله بلسانه!

وتأمّل أدب الحوار: أنصت للخصم حتى فرغ، ثم استأذنه في الكلام، ثم قدّم حجّته ولم يجادل في العرض — فما ردّ عليه بشتيمةٍ ولا استهزاء.

سيرة ابن هشام، ودلائل النبوة للبيهقي

نصارى يصلّون في مسجده

قدم عليه ستون راكبًا من نصارى نجران فيهم أساقفتهم وعلماؤهم، فأنزلهم في مسجده، فلما حانت صلاتهم قاموا يصلّون في المسجد إلى المشرق، فأراد الناس منعهم فقال ﷺ: «دعوهم».

وناظرهم في عيسى عليه السلام، ونزل صدر سورة آل عمران في ذلك، ثم دعاهم إلى المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ… ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. فخرج ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فلما رآهم أسقفهم قال: إني لأرى وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل جبلًا من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا. فصالحوه على الجزية وكتب لهم عهد أمان.

رواه مسلم، وسيرة ابن هشام، وابن القيم في زاد المعاد

حوارٌ غيّر قلبًا في دقائق

جاء فتًى شابّ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فصاح به الناس، فقال ﷺ: «ادنُه»، فدنا حتى جلس بين يديه. فقال: «أتحبّه لأمّك؟» قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: «ولا الناس يحبّونه لأمهاتهم». ثم قال: «أتحبّه لابنتك؟ لأختك؟ لعمّتك؟ لخالتك؟» — وفي كل مرة يقول: لا والله. ويقول: «ولا الناس يحبّونه لبناتهم… وأخواتهم… وعمّاتهم… وخالاتهم».

ثم وضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه وحصّن فرجه». قال الراوي: فلم يكن بعدُ ذلك الفتى يلتفت إلى شيء.

لم يزجره ولم يفضحه ولم يعظه بكلامٍ عامّ؛ بل أقنعه من داخله بسؤالٍ يعرف جوابه، ثم دعا له. وهذا أرقى ما يُعرف اليوم في تغيير القناعات.

مسند أحمد — وصححه جماعة

«كم إلهًا تعبد؟»

قال ﷺ لـالحُصين — والد عمران — وكان مشركًا: «كم إلهًا تعبد اليوم؟» قال: سبعة: ستّة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: «فأيّهم تُعدّ لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء. قال: «يا حصين، أما إنك لو أسلمتَ علّمتك كلمتين تنفعانك». فلما أسلم قال: علّمني الكلمتين. قال: «قل: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شرّ نفسي».

— بدأ من نقطة اتفاقٍ يعترف بها الخصم نفسه، ثم بنى عليها. وهذا منهج القرآن: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ… فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾.

رواه الترمذي وقال: غريب — وفي إسناده ضعف، وذكرناه لحُسن منهج الحوار فيه

◆ قواعد الحوار عنده ﷺ

  • الإنصات التام حتى يفرغ المخالف: «أفرغتَ يا أبا الوليد؟».
  • البدء بالمشترك: ﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
  • السؤال قبل الإخبار، ليصل المحاوَر إلى الجواب بنفسه.
  • عدم التعرّض للأشخاص: يردّ الفكرة ولا يشتم صاحبها.
  • تقدير عقل المخالف: ويُروى في خبر إسلام خالد أنه قال له: «قد كنت أرى لك عقلًا».
  • ترك النتيجة لله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.

◆ وما لم يفعله قط

  • لم يسبّ آلهتهم سبًّا يستفزّهم بلا فائدة، بل نزل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
  • لم يُكره أحدًا على الدخول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾.
  • لم يقطع رزق مخالفٍ ولا حرمه من العدل.
  • لم يجادل في التفاصيل قبل تقرير الأصل — بدأ بالتوحيد ثلاث عشرة سنة.
  • ولم يغضب لنفسه قط، إنما لله: «ما انتقم لنفسه في شيءٍ قط».
«اجعل لنا يومًا»

تعليمه ﷺ للنساء ومجالسهنّ

في مجتمعٍ كان يئد البنات، خصّص للنساء مجلسًا للتعليم، وخطب فيهنّ في العيد، وأجاب أسئلتهنّ، وردّ على من ظنّ أنهنّ خارج الخطاب.

◆ يومٌ خاصّ للتعليم

قالت النساء: يا رسول الله، غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك. فوعدهنّ يومًا لقيهنّ فيه فوعظهنّ وأمرهنّ، فكان فيما قال: «ما منكنّ امرأة تقدّم ثلاثةً من ولدها إلا كانوا حجابًا لها من النار». فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: «واثنين».متفق عليه

◆ خطبته لهنّ في العيد

لما فرغ من خطبة العيد ظنّ أنه لم يُسمع النساء، فأتاهنّ ومعه بلال فوعظهنّ وذكّرهنّ وأمرهنّ بالصدقة — فجعلن يُلقين الحُلي والخواتم في ثوب بلال. — لم يكتفِ بأن يبلغهنّ الخبر، بل ذهب إليهنّ بنفسه.متفق عليه

◆ أسئلةٌ لا تُستحيا منها

جاءت أم سُلَيم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسلٍ إذا احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء» — وكانت أم سلمة حاضرةً ترويه. وجاءت المرأة تسأل عن الحيض والطهر فيجيب. وكانت عائشة تقول: نِعم النساءُ نساءُ الأنصار، لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين.متفق عليه

◆ أخذ برأيهنّ

أشارت أم سلمة يوم الحديبية فأنقذت الموقف. وشاور أم سلمة في غيرها، وأخذ برأي خديجة في أول الوحي، وسمع شكوى خولة حتى نزل القرآن. — لم يكن سماعُه لهنّ مجاملة، بل عملًا برأيهنّ.صحيح البخاري، وسورة المجادلة

◆ حضورهنّ الحياة العامة

حضرن الصلاة في المسجد: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». وحضرن العيد حتى الحُيّض يشهدن الخير ودعوة المسلمين. وخرجن في الغزو يسقين ويداوين ويردّدن القتلى. وبايعن بيعةً مستقلة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾.متفق عليه، والممتحنة: 12

◆ ونقل العلم عنهنّ

روت عائشة أكثر من ٢٢٠٠ حديث، وكان أكابر الصحابة يرجعون إليها. قال أبو موسى: ما أشكل علينا — أصحابَ رسول الله ﷺ — حديثٌ قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. وروت أم سلمة وحفصة وأم عطية وأسماء وغيرهنّ، فصار نصف السنة في شؤون البيت مرويًّا عن نساء.سنن الترمذي، وكتب التراجم

«أُوتيتُ جوامع الكلم»

بلاغته وفصاحته ﷺ

نشأ في قريش وأُرضع في بني سعد، فاجتمعت له فصاحة الحاضرة وسلامة البادية. وقال ﷺ: «بُعثتُ بجوامع الكلم» (متفق عليه). أمّا ما اشتهر من قوله «أنا أفصح العرب…» فلا يثبت بهذا اللفظ — وكلامه أصلٌ في البلاغة العربية بعد القرآن.

◆ جوامع الكلم

  • «الدين النصيحة» — كلمتان تختصران بابًا.
  • «لا ضرر ولا ضرار» — قاعدة فقهية كاملة في ثلاث كلمات.
  • «إنما الأعمال بالنيات» — عليها مدار أعمال القلوب.
  • «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» — أصل القضاء في العالم.
  • «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه».
  • «المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده».

◆ صفة نطقه

  • كلامه فصلٌ يفهمه كل من سمعه: لا نَزْرٌ ولا هَذَر.
  • «كان يحدّث حديثًا لو عدّه العادّ لأحصاه» — لتمهّله ووضوحه.
  • يعيد الكلمة ثلاثًا لتُفهم عنه.
  • «كأن كلامه خرزات نظمٍ يتحدّرن» — من وصف أم معبد.
  • ولم يكن يسرد الكلام سردًا كسردكم — كما قالت عائشة.

◆ أساليبه البيانية

  • التشبيه: «مثل الجليس الصالح… كحامل المسك»، «المؤمن كالبنيان».
  • الاستعارة: «الحُمّى من فيح جهنم»، «الخيل معقودٌ في نواصيها الخير».
  • الطباق: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
  • السجع الطبيعي بلا تكلّف: «اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، وأعطِ ممسكًا تلفًا».
  • الحوار والسؤال: «أتدرون من المفلس؟».
  • الحصر والتوكيد: «إنما»، «والذي نفسي بيده».

◆ ألفاظٌ سارت مثلًا

  • «الآن حَمِيَ الوطيس» — قالها يوم حنين، ولم تُسمع من عربيٍّ قبله.
  • «مات حتف أنفه» — من ألفاظه.
  • «لا يُلدغ المؤمن من جُحرٍ مرتين».
  • «الحرب خدعة».
  • «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى».
  • «كلّ الصيد في جوف الفَرا» — من أمثال العرب استعملها.

◆ ومن مواقفه البيانية

  • وفد بني تميم فاخروه بخطيبهم وشاعرهم، فأجابهم بثابت بن قيس وحسّان، فقالوا: «إن خطيبه لأخطب من خطيبنا وشاعره لأشعر من شاعرنا».
  • وخطب فأوجز حتى قيل: «إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئِنّةٌ من فقهه».
  • وسمع من الخطباء والشعراء فأثنى على الحقّ منه: «إن من الشعر لحكمة»، و«أصدق كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل».
  • وكان يتألّف القلوب بالكلمة: «يا أبا عُمير»، «قم أبا تراب»، «ربح البيع أبا يحيى».

◆ ومع ذلك — لم يكن شاعرًا

  • ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ — لئلا يُلبس القرآن بكلام البشر.
  • وكان إذا جرى على لسانه شطرُ بيتٍ لم يُقمه على وزنه.
  • وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.
  • فاجتمع فيه: أمّيّةٌ في التعلّم، وذروةٌ في البيان — وهذا وحده آية.
﴿فتبيّنوا﴾

كيف تعامل ﷺ مع الأخبار والشائعات؟

واجه أخطر ما تواجهه المجتمعات: خبرًا كاذبًا يمسّ عِرضه، وخبرًا كاذبًا يكاد يشعل حربًا. وكان منهجه واحدًا: التثبّت قبل الحكم.

◆ حادثة الإفك

  • خاض المنافقون في عِرض أهله شهرًا كاملًا، وخاض معهم بعض المسلمين.
  • لم يحكم بالظنّ: استشار عليًّا وأسامة، وسأل الخادمة بريرة، وسأل زينب بنت جحش — وهي ضرّتها — فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ عليها إلا خيرًا.
  • ثم قال لعائشة في وجهها: «إن كنتِ ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله» — صارحها ولم يُشِع.
  • ثم نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، ونزل تشريعٌ عامّ في التثبّت وحدّ القذف.
  • وأصلٌ نزل فيها: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾.

◆ خبر بني المصطلق

  • بعث الوليد بن عقبة ساعيًا إلى بني المصطلق، فخرجوا يستقبلونه فظنّهم يريدون قتله، فرجع فأخبر أنهم منعوا الزكاة وأرادوا قتله.
  • فهمّ ﷺ أن يبعث إليهم — ثم تبيّن أن الخبر خطأ، وجاء وفدهم يستنكرون.
  • فنزلت الآية التي صارت قاعدة الإعلام إلى اليوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

◆ شائعة طلاق نسائه

  • اعتزل نساءه شهرًا في مَشرُبة، فشاع في المدينة أنه طلّقهنّ.
  • جاء عمر يستأذن ثلاثًا فأُذن له، فسأل: أطلّقتهنّ؟ قال: «لا».
  • فخرج عمر إلى باب المسجد فنادى بأعلى صوته: لم يطلّق النبيُّ ﷺ نساءه — فأُطفئت الشائعة بالتصريح لا بالصمت.

◆ شائعة مقتله يوم أُحد

  • صرخ صارخ: قُتل محمد! — فانخذل كثيرٌ من الناس وجلس بعضهم يلقون بأيديهم.
  • فقال أنس بن النضر: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ونزل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.
  • ولمّا رآه المسلمون حيًّا اجتمعوا حوله — فكان تصحيح الخبر بذاته هو النصر المعنوي.

◆ قواعد قرّرها في نقل الخبر

  • «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع».
  • «إن الرجل ليتكلّم بالكلمة… يهوي بها في النار سبعين خريفًا».
  • «من حدّث عني بحديثٍ يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين».
  • «من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار» — وهو حديثٌ متواتر.
  • «إياكم والظنّ؛ فإن الظنّ أكذب الحديث».
  • ونهى عن النميمة ونقل الكلام بين الناس: «لا يدخل الجنة نمّام».

◆ وما ينفع اليوم

  • لا تنقل قبل أن تتثبّت — والآية نزلت في خبرٍ من مسلم، فكيف بمن لا يُعرف؟
  • احمل الخبر على أحسن محامله — ﴿ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا﴾.
  • صحّح الشائعة علنًا كما نادى عمر بأمره.
  • لا تُشِع ما يمسّ الأعراض ولو ظننته صحيحًا؛ فحدّ القذف نزل في ذلك.
  • والساكت عن ردّ الباطل شريكٌ في انتشاره: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
تحت الضغط

كيف أدار ﷺ الأزمات؟

مرّت به أزماتٌ من كل نوع: حصارٌ وجوعٌ وهزيمةٌ وخيانةٌ وشائعةٌ وموتُ الأحبّة. وهذه طريقته في كل واحدة منها — وهي دروسٌ تصلح لكل من يقود أو يُبتلى.

◆ أزمة الحصار والجوع

  • شارك في الحرمان: ربط الحجر على بطنه من الجوع (البخاري)، وحفر الخندق بيده.
  • رفع السقف المعنوي وقت أشدّ الجوع: بشّرهم بفتح فارس والروم واليمن وهم يحفرون.
  • لم يُنكر الواقع ولم يزيّنه: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة».
  • وقسّم العمل: لكل عشرة أربعون ذراعًا، والطعام يُجمع ويُوزّع.

◆ أزمة الهزيمة

  • بعد أُحد: لم يُلقِ اللوم ولم يُعاقب، ونزل ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ﴾.
  • شرح السبب بصراحة: نزل نحو ستين آية تحلّل الهزيمة ولا تجمّلها.
  • بادر بعملٍ يعيد الثقة: خرج في اليوم التالي إلى حمراء الأسد بالجرحى أنفسهم.
  • وكرّم الشهداء وتعهّد أُسرهم: زار أُسر شهداء أُحد، وقال بعد مؤتة: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا».

◆ أزمة الخيانة الداخلية

  • حين نقضت قريظة العهد والأحزاب على الأبواب: أرسل من يتحقّق قبل أن يعلن، وأمرهم أن يورّوا الخبر عن الناس لئلا تنهار المعنويات.
  • واستعمل الحرب النفسية: بعث نُعيمًا يخذّل بينهم — «الحرب خدعة».
  • ومع حاطب: سأل ولم يحكم، ثم قبل عذره ومنع قتله.
  • ومع المنافقين: عرفهم ولم يفضحهم، وأسرّ بأسمائهم إلى حذيفة وحده.

◆ أزمة الخوف والفزع

  • فزع أهل المدينة ليلًا إلى صوت، فسبقهم إليه بنفسه على فرسٍ عُريٍ ثم رجع يقول: «لن تُراعوا، لن تُراعوا».
  • وفي الغار وأقدام الطلب فوق رؤوسهم: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟».
  • ويوم حنين وقد انكشف الناس: ثبت وحده ونادى بالاسم: «يا أصحاب السَّمُرة!».
  • والقائد يُرى في الأزمة: لم يختبئ في موقفٍ قط.

◆ أزمة الفقد

  • عند موت ابنه: «العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» — أذن بالحزن ومنع السخط.
  • وعند شهداء بئر معونة: قنَت شهرًا يدعو — صرّف الألم في عمل.
  • وعند موت أصحابه: تعهّد أسرهم وقضى ديونهم: «من ترك دَينًا فعليّ».
  • ومنع النياحة وأباح الدمعة — فرّق بين المشاعر والسلوك.

◆ خلاصة منهجه

  • يبدأ بالأسباب ثم يتوكّل: الخندق والدليل والزاد ثم «إن الله معنا».
  • يشارك أتباعه في الألم ولا يتميّز عليهم.
  • يصدُق معهم في تشخيص الخطأ ولا يجمّل.
  • لا يُعاقب على الاجتهاد ولا يُسقط أحدًا بخطأ.
  • يعطي أملًا محدّدًا لا أمانيّ عامة: فتح فارس والروم بأسمائها.
  • ويبقى على المبدأ في أضيق لحظة: ردّ أبا جندل وفاءً بعهدٍ وهو يتألّم.
جزءٌ من ستٍّ وأربعين

رؤاه ﷺ والمبشّرات

قال ﷺ: «لم يبقَ من النبوة إلا المبشّرات». قالوا: وما المبشّرات؟ قال: «الرؤيا الصالحة». وبدأت نبوّته بالرؤيا الصادقة ستة أشهر قبل الوحي.

◆ من رؤاه

  • رؤيا الهجرة: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرضٍ بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب».
  • رؤيا اللبن: «بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الريّ يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر». قالوا: فما أوّلته؟ قال: العلم.
  • رؤيا الحديبية: رأى أنه يدخل المسجد الحرام آمنًا محلّقين، فتحقّقت في عمرة القضاء بعد سنة.
  • رؤيا السوارين: رأى في يديه سوارين من ذهب فكبُرا عليه، فأُوحي إليه أن انفخهما فطارا، فأوّلهما الكذّابين: مسيلمة والأسود العنسي.
  • رؤيا القميص: «رأيت الناس عُرضوا عليّ وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، وعُرض عليّ عمر وعليه قميص يجرّه». قالوا: فما أوّلته؟ قال: الدين.

◆ رؤى الصحابة

  • الأذان: رآه عبد الله بن زيد في المنام، ورآه عمر في الليلة نفسها، فأقرّه ﷺ وقال: «إنها لرؤيا حق».
  • ليلة القدر: أُري رجالٌ من الصحابة أنها في السبع الأواخر، فقال ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر».
  • ابن عمر: رأى مَلَكين أخذاه إلى النار، فقصّها على أخته حفصة فقصّتها على النبي ﷺ فقال: «نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» — فما ترك القيام بعدها.

◆ أدب الرؤيا كما علّمهم

  • «الرؤيا الصالحة من الله، والحُلم من الشيطان».
  • من رأى ما يحبّ: فليحمد الله وليحدّث بها من يحب.
  • ومن رأى ما يكره: فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليستعذ بالله من شرّها، ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضرّه.
  • «الرؤيا على رِجل طائر ما لم تُعبَّر، فإذا عُبّرت وقعت» — فلا تُعرض إلا على ناصحٍ عالم.
  • وحذّر من الكذب فيها: «من تحلّم بحُلمٍ لم يره كُلّف أن يعقد بين شعيرتين».

◆ ضابطٌ مهم

  • الرؤيا ليست تشريعًا ولا حجّة في إثبات حكم؛ الأحكام من الكتاب والسنة فقط.
  • رؤيا غير النبي ﷺ لا يُبنى عليها يقين، ولو رأى الرائي النبيَّ ﷺ نفسه فأمره بما يخالف الشرع لم يُعمل به.
  • «ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بي» — والعبرة أن يراه على صفته الثابتة في الأحاديث.
أحاديث هذا القسم في الصحيحين، إلا رؤيا الأذان و«الرؤيا على رِجل طائر» ففي السنن بإسناد صحيح.
الملائكة والجنّ

عالم الغيب في السيرة

لم تكن معركة الدعوة في الأرض وحدها؛ وردت في السيرة مشاهد ثابتة عن الملائكة والجن، نذكرها كما وردت من غير زيادة ولا تهويل.

◆ جبريل عليه السلام

صاحب الوحي، رآه ﷺ على صورته مرتين له ستمئة جناح قد سدّ الأفق. وكان يعارضه القرآن كل رمضان، وجاءه في صورة رجلٍ يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان ليعلّم الناس دينهم — حديث جبريل المشهور.متفق عليه

◆ ملائكة بدر

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وقال ﷺ: «هذا جبريل آخذٌ برأس فرسه عليه أداة الحرب». وقال في أهل بدر: «ما تعدّون أهل بدر فيكم؟» قالوا: خيارنا. قال: «كذلك هم عندنا من أفضل الملائكة».[الأنفال: 9]، وصحيح البخاري

◆ مَلَك الجبال

عرض عليه بعد الطائف أن يُطبق على أهل مكة الأخشبين، فأبى ﷺ وقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده».متفق عليه

◆ وفد الجنّ

في طريق عودته من الطائف قام يصلي بنَخلة ويقرأ القرآن، فاستمع إليه نفرٌ من الجن فقالوا: أنصتوا. فلما قُضي ولّوا إلى قومهم منذرين. ونزلت في ذلك سورة الجن وآيات في سورة الأحقاف. ثم لقيهم بعدُ فعلّمهم وحدّد لهم زادهم.[الجن]، [الأحقاف: 29]، وصحيح مسلم

◆ الشيطان في الصلاة

«إن عفريتًا من الجنّ تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ربّ هبْ لي مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي — فردّه الله خاسئًا».متفق عليه

◆ السَّكينة والحفظ

﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ في الغار، ونزلت السكينة على المؤمنين في الحديبية وحنين. ورجلٌ يقرأ سورة الكهف فتغشّته سحابةٌ فيها دويّ، فقال ﷺ: «تلك السكينة تنزّلت للقرآن».[التوبة: 40]، ومتفق عليه

ضابط: ما ورد في هذا الباب يُؤخذ من النصوص الثابتة فقط، ولا يُزاد عليه بحكايات المجالس. وقد امتلأت كتب القصّاص بأخبارٍ في هذا الباب لا أصل لها، والسيرة الثابتة غنيّة عنها.
كيف نزلت الأحكام؟

تدرّج التشريع في حياته ﷺ

لم تنزل الشريعة دفعةً واحدة؛ نزلت على مراحل تراعي طاقة الناس. قالت عائشة: «إنما نزل أول ما نزل منه سورةٌ من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر — لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا» — رواه البخاري.

الخمر٤ مراحل
أولًا: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا ورزقًا حسنًا﴾ — إشارة. ثم ﴿فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر﴾ — موازنة. ثم ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ — حظرٌ جزئي. ثم ﴿فاجتنبوه﴾ — تحريمٌ قاطع، فأُريقت في سكك المدينة حتى سالت.
الصلاة
كانت في أول الإسلام ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم فُرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء، ثم زيدت في صلاة الحضر إلى أربع وأُقرّت في السفر ركعتين.
القبلة
صلّى إلى بيت المقدس نحو ستة عشر شهرًا بعد الهجرة، وهو يقلّب وجهه في السماء، حتى نزلت ﴿فولّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾ — فاستدار المصلّون في أثناء الصلاة نفسها.
الصيام
صام عاشوراء وأمر به، ثم فُرض رمضان في السنة الثانية فصار عاشوراء تطوّعًا. وكان في أول الأمر من نام قبل الفطر حرُم عليه الطعام، ثم خُفّف بقوله ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض﴾.
الجهاد
ثلاث عشرة سنة كفّ اليد: ﴿كفّوا أيديكم وأقيموا الصلاة﴾. ثم إذنٌ بالدفاع: ﴿أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا﴾. ثم أمرٌ بقتال من قاتل: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾.
الربا
تدرّج بالتنفير ثم التحريم: ﴿وما آتيتم من ربًا ليربو﴾، ثم ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة﴾، ثم ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾. وأعلن ﷺ في حجة الوداع وضعه كله وبدأ بربا عمّه العباس.
الحجاب
نزلت آية الحجاب في السنة الخامسة تقريبًا بعد زواجه من زينب، ثم آيات الجلباب والزينة في النور والأحزاب. وكان قبلها لباسٌ على عادة العرب.
التبنّي
كان زيد يُدعى «زيد بن محمد»، فأُبطل التبنّي بـ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ — مع بقاء الإحسان والكفالة، فبقي زيد حبيبه وأميرًا على جيوشه.
الرقّ
لم يُلغَ بقرارٍ واحد في مجتمعٍ قائمٍ عليه، بل جُفّفت منابعه ووُسّعت مصارف العتق: كفارات، ومكاتبة، وسهمٌ من الزكاة ﴿وفي الرقاب﴾، وترغيبٌ متصل: «من أعتق رقبةً أعتق الله بكل عضوٍ منها عضوًا منه من النار».
المواريث
كان التوارث أولًا بالمؤاخاة والهجرة، ثم نُسخ ذلك بآيات الفرائض في سورة النساء، فصار الميراث بالنسب والنكاح والولاء.
الدرس: التدرّج لا يعني التنازل عن الحكم، بل ترتيب الأولويات وتهيئة النفوس. ولذلك بُنيت العقيدة ثلاث عشرة سنة قبل أن ينزل أكثر التشريع — وهو أصلٌ في كل إصلاح.
﴿وقال ربكم ادعوني﴾

من أدعيته وأذكاره ﷺ

كان يذكر الله على كل أحيانه، ودعاؤه جوامع: كلماتٌ قليلة تجمع خير الدنيا والآخرة. وكان أكثر دعائه: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

◆ جوامع دعائه

  • «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي».
  • «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى».
  • «اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم».
  • «اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها».
  • «اللهم اغفر لي ذنبي كله: دقّه وجلّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرّه».

◆ دعاء الاستخارة

  • قال جابر: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلّمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل:
  • «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسّره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به» — ويسمّي حاجته. رواه البخاري.

◆ عند الهمّ والكرب

  • سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت...».
  • «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم» — دعاء الكرب.
  • «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله».
  • «حسبنا الله ونعم الوكيل» — قالها إبراهيم في النار، وقالها المسلمون بعد أُحد.
  • «يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث».

◆ استعاذاته

  • «اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدَّين وغلبة الرجال».
  • «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك».
  • «اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها».
  • «اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري».

◆ أذكار اليوم

  • الصباح والمساء: «أصبحنا وأصبح الملك لله»، وآية الكرسي، والمعوّذات ثلاثًا.
  • دبر كل صلاة: «اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» — علّمها معاذًا لمحبته له.
  • عند النوم: التسبيح ثلاثًا وثلاثين والحمد مثلها والتكبير أربعًا وثلاثين — «خيرٌ لكما من خادم».
  • عند الخروج من البيت: «بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله».
  • عند المطر: «اللهم صيّبًا نافعًا». وعند الريح: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها».

◆ أدعية المواقف

  • ليلة بدر: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض».
  • في الطائف — ويُروى بإسنادٍ فيه ضعف —: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي... إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي»، والثابت في الصحيحين من ذلك اليوم حديث مَلَك الجبال.
  • لدَوس ولقومه: «اللهم اهدِ دوسًا وائتِ بهم»، ولثقيف: «اللهم اهدِ ثقيفًا» (الترمذي). وكان يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه فقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (متفق عليه)، ورُوي أنه قالها يوم أُحد.
  • عند الوفاة: «اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى».

◆ آدابه في الدعاء

  • يبدأ بحمد الله والصلاة على النبي ﷺ ثم يدعو.
  • يرفع يديه ويكرر الدعاء ثلاثًا، ويُقبل بقلبه: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة».
  • ينهى عن الاستعجال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: دعوت فلم يُستجب لي».
  • ينهى عن الدعاء على النفس والأهل والمال، وعن الاعتداء في الدعاء.
  • ويحبّ الجوامع ويدع ما سوى ذلك.
مخرَّجة في الصحيحين والسنن، وجمعها النووي في «الأذكار» وابن القيم في «الوابل الصيّب».
﴿صلّوا عليه وسلّموا تسليمًا﴾

الصلاة عليه ﷺ: صيغتها وفضلها

لما نزلت ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ قالوا: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ فعلّمهم الصلاة الإبراهيمية.

«اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد»

متفق عليه — الصيغة التي علّمها أصحابه

«من صلّى عليّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا»

رواه مسلم

«البخيل من ذُكرتُ عنده فلم يصلّ عليّ»

رواه الترمذي وحسّنه

«أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضةٌ عليّ»

رواه أبو داود

قال أُبيّ بن كعب: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذًا تُكفى همّك ويُغفر لك ذنبك»

رواه الترمذي — في فضل جعل الدعاء صلاةً عليه

«ما من أحدٍ يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام»

رواه أبو داود

◆ مواضع تتأكّد فيها

  • في التشهد الأخير من كل صلاة.
  • يوم الجمعة وليلتها.
  • عند ذكر اسمه ﷺ.
  • عند دخول المسجد والخروج منه.
  • بعد إجابة المؤذّن، وقبل الدعاء.

◆ ما ينبغي تجنّبه

  • الرمز إليها بالحروف (ص، صلعم) — والأدب كتابتها كاملة.
  • الغلوّ في الصيغ المحدثة التي لم تثبت، مع وجود ما علّمه بنفسه.
  • مخالفة تحذيره: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله».
  • وأعظم الصلاة عليه: اتّباع سنته — فالمحبة عملٌ لا لسانٌ فقط.
لكلٍّ حقّ

منظومة الحقوق التي قرّرها ﷺ

قال لسلمان حين رأى أبا الدرداء يهجر أهله للعبادة: «إن لربّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا؛ فأعطِ كل ذي حقٍّ حقّه» — فأقرّه النبي ﷺ وقال: «صدق سلمان». وهذه المنظومة كاملةً.

◆ حقّ الله

  • «حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا».
  • «وحقّ العباد على الله ألّا يعذّب من لا يشرك به شيئًا».
  • الصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحجّ لمن استطاع.
  • «وأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

◆ حقّ النفس والبدن

  • «إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا».
  • «صم وأفطر، وقم ونم» — نهى عن الرهبنة وإرهاق النفس.
  • «لا ضرر ولا ضرار» — ولو على نفسك.
  • «إن الله يحبّ أن تُؤتى رخصه».
  • و«المؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف».

◆ حقّ الوالدين والرحم

  • «أمك» ثلاثًا ثم «أبوك» — في أحقّ الناس بحسن الصحبة.
  • «رِضا الرب في رِضا الوالد».
  • «رغِم أنفه… من أدرك والديه عند الكِبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة».
  • «من أحبّ أن يُبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه».
  • والبرّ بعد الموت: الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة صديقهما.

◆ حقّ الزوج والولد

  • «ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف»، و«لا تضرب الوجه ولا تُقبّح».
  • «خيركم خيركم لأهله».
  • «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيّع من يقوت».
  • «اعدلوا بين أولادكم» — وردّ عطيةً خُصّ بها ولدٌ دون إخوته.

◆ حقّ الجار والمسلم

  • «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورّثه».
  • «والله لا يؤمن — ثلاثًا — من لا يأمن جاره بوائقه».
  • حقّ المسلم ستّ: ردّ السلام، وإجابة الدعوة، والنصح، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتّباع الجنازة.
  • «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يُسلمه ولا يحقره».
  • و«لا يحلّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث».

◆ حقّ الضعيف والأجير

  • «أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم».
  • «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه».
  • «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا».
  • «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله».
  • و«ابغوني الضعفاء؛ فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم».

◆ حقّ المخالف والمعاهد

  • «من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته… فأنا حجيجه يوم القيامة».
  • «من قتل معاهدًا لم يَرَح رائحة الجنة».
  • ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، و﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
  • وقام لجنازة يهودي وقال: «أليست نفسًا؟».
  • و«لهم دينهم وللمسلمين دينهم» — نصّ صحيفة المدينة.

◆ حقّ الطريق والحيوان والأرض

  • حقّ الطريق: «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
  • «إماطة الأذى عن الطريق صدقة».
  • «إن الله كتب الإحسان على كل شيء… وليُرِح ذبيحته».
  • «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر».
  • و«المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار».
كيف كان يعاتب؟

من عاتبهم ﷺ — وكيف عاتب

لم يكن يجامل على حساب الحق، ولم يكن يجرح وهو يصحّح. وهذه مواضع عاتب فيها أقرب الناس إليه، وفيها منهجٌ كامل في تصحيح الخطأ.

◆ حاطب بن أبي بلتعة

كتب إلى قريش يخبرهم بمسير النبي ﷺ إلى الفتح، فأُخذ الكتاب. فدعاه فقال: «يا حاطب، ما هذا؟» — سأله ولم يحكم عليه. فاعتذر بأنه أراد حماية أهله بمكة ولم يفعله ارتدادًا. فصدّقه ﷺ، ومنع عمر من قتله وقال: «وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».متفق عليه

◆ كعب بن مالك

تخلّف عن تبوك بلا عذر وصدق ولم يعتذر بالكذب، فأمر بمقاطعته خمسين ليلة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت. ثم نزلت توبته من فوق سبع سماوات. قال كعب: «ما أنعم الله عليّ نعمةً بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ».متفق عليه

◆ أسامة بن زيد

قتل رجلًا قال «لا إله إلا الله» ظنًّا أنه قالها تعوّذًا. فما زال ﷺ يكرّرها: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟! فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» حتى تمنّى أسامة أنه لم يكن أسلم قبل ذلك اليوم. ثم شفع أسامة في حدٍّ فقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟».متفق عليه

◆ معاذ بن جبل

أطال بالناس في صلاة العشاء حتى انصرف رجل، فقال ﷺ: «أفتّانٌ أنت يا معاذ؟» — ثلاثًا. ثم علّمه: «فلولا صلّيت بـ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿والشمس وضحاها﴾». — عتابٌ لمن قال له قبلها: «يا معاذ، والله إني لأحبك».متفق عليه

◆ الرماة يوم أُحد

خالفوا أمره ونزلوا من الجبل طلبًا للغنيمة فانقلبت المعركة. فلم يشمت ولم يطردهم، بل نزل القرآن يعالج الحدث في نحو ستين آية من آل عمران، ثم قال الله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ — أُمر بمشاورتهم مرةً أخرى بعد الخطأ نفسه.آل عمران، والصحيحان

◆ خالد بن الوليد

قتل من بني جَذيمة بعد أن قالوا «صبأنا» ولم يُحسنوا قول «أسلمنا». فرفع ﷺ يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» مرتين، ثم بعث عليًّا بمالٍ فودى لهم قتلاهم وأموالهم حتى ميلغة الكلب — تبرّؤٌ علني وتعويضٌ كامل، ثم أبقاه قائدًا.صحيح البخاري

◆ أبو ذر

عيّر رجلًا بأمّه فقال ﷺ: «يا أبا ذر، أعيّرته بأمّه؟ إنك امرؤٌ فيك جاهلية». فتاب أبو ذر وندم، ثم علّمه ﷺ: «إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطعمه مما يأكل وليُلبسه مما يلبس». (وما يُروى أنه وضع خدّه على الأرض ليطأه الرجل لا يثبت.)متفق عليه

◆ الثلاثة الذين تقالّوا

قال أحدهم: أصوم ولا أفطر، والثاني: أقوم ولا أنام، والثالث: لا أتزوج النساء. فجاء ﷺ فقال: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنّتي فليس مني».متفق عليه

◆ ذو الخويصرة

قال له وهو يقسم: اعدل يا محمد! فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل». ومنع عمر من قتله وقال: «إن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم… يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».متفق عليه

◆ منهجه في العتاب

◂ يسأل قبل أن يحكم: «ما هذا يا حاطب؟» ◂ لا يفضح: «ما بال أقوامٍ يفعلون كذا؟» ◂ يعاتب على قدر الخطأ لا على قدر غضبه ◂ يبيّن الصواب بعد المنع ◂ لا يُسقط الرجل بخطأ: أبقى خالدًا قائدًا وأسامة أميرًا ◂ ولا يعاتب لنفسه: «ما انتقم لنفسه قط».من مجموع الأحاديث السابقة

◆ ومن عاتبه ربّه فيهم

عاتبه الله في ابن أم مكتوم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾، وفي الإذن للمتخلّفين ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾، وفي أسرى بدر، وفي تحريم ما أحلّ الله له — فبلّغ ذلك كله لأمّته ولم يكتم منه حرفًا.القرآن الكريم

◆ وأثر عتابه

لم يخرج أحدٌ من عتابه ناقمًا: كعب سمّى صدقه أعظم نعمة، وأبو ذر تاب وندم، وأسامة تمنّى لو لم يكن أسلم قبلها، وخالد بقي سيف الله. — عتابٌ يبني ولا يهدم.خلاصة

﴿وتلك الأمثال نضربها للناس﴾

الأمثال النبوية

كان ﷺ يقرّب المعنى المجرّد بصورةٍ محسوسة تعلق في الذهن. وهذه أشهر أمثاله، وكلٌّ منها درسٌ كامل في سطرين.

◆ الجليس

«مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكِير: فحامل المسك إما أن يُحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحًا خبيثة».متفق عليه

◆ المؤمن والقرآن

«مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأُتْرُجّة: طعمها طيّب وريحها طيّب. والمؤمن الذي لا يقرأ كالتمرة: طعمها طيب ولا ريح لها...».متفق عليه

◆ الخامة من الزرع

«مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تُفيّئها الريح مرةً وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرةً واحدة».متفق عليه

◆ المطر

«مثل أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوّله خيرٌ أم آخره».رواه الترمذي وحسّنه

◆ الأمة جسدٌ واحد

«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد: إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».متفق عليه

◆ السفينة

«مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها... فإن أرادوا أن يخرقوا خرقًا فتركوهم هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا».رواه البخاري

◆ الغيث والأرض

«مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا: فكانت منها طائفةٌ طيّبة قبلت الماء فأنبتت، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، وأصاب طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تُمسك ماءً ولا تُنبت كلأ».متفق عليه

◆ الفَراش والنار

«مثلي كمثل رجلٍ استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفَراش وهذه الدوابّ التي تقع في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها. فأنا آخذٌ بحُجَزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها».متفق عليه

◆ الصلوات الخمس

«أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنّ الخطايا».متفق عليه

◆ اللَّبِنة

«مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لَبِنةٍ من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وُضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».متفق عليه

◆ الدنيا والراكب

«ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها».رواه الترمذي وصححه

◆ البنيان

«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا» — وشبّك بين أصابعه.متفق عليه

◆ خطّ الأجل

خطّ خطًّا مربّعًا وخطًّا في وسطه خارجًا منه وخطوطًا صغارًا، ثم قال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار الأعراض: فإن أخطأه هذا نهشه هذا».رواه البخاري

◆ النخلة

«إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدّثوني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفس ابن عمر أنها النخلة فاستحيا أن يتكلّم لصغره. فقال ﷺ: «هي النخلة».متفق عليه

البيت المسلم

الأسرة والنكاح في هديه ﷺ

أسّس ﷺ بيتًا يُقتدى به، وشرّع للناس أحكام بيوتهم: من الخِطبة إلى التربية، ومن الوليمة إلى الفراق إن وقع.

◆ الخِطبة والاختيار

  • «تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك».
  • وللمرأة كذلك: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه».
  • أمر بالنظر قبل الخِطبة: «انظر إليها، فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما».
  • لا نكاح بلا رضا: «لا تُنكح الأيّم حتى تُستأمر، ولا البكر حتى تُستأذن»، وردّ نكاح فتاةٍ زوّجها أبوها وهي كارهة.
  • «لا يخطب الرجل على خِطبة أخيه حتى ينكح أو يترك».

◆ المهر والوليمة

  • «خير الصداق أيسره»، وزوّج رجلًا بما معه من القرآن حين لم يجد ولو خاتمًا من حديد.
  • أمهر أزواجه مهورًا يسيرة، ومهر فاطمة كان ثمن درع عليّ.
  • «أولِم ولو بشاة» — قالها لعبد الرحمن بن عوف. وأولم على صفيّة بتمرٍ وسمنٍ وأقِط.
  • أمر بإعلان النكاح والدفّ فيه: «فصلٌ ما بين الحلال والحرام: الصوت والدفّ».
  • ودعا للمتزوج: «بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير».

◆ بين الزوجين

  • «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
  • «لا يفرك مؤمنٌ مؤمنة؛ إن كره منها خلقًا رضي منها آخر».
  • «استوصوا بالنساء خيرًا»، وما ضرب امرأةً قط بيده.
  • القوامة مسؤولية لا تسلّط: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته».
  • وحرّم إفشاء سرّ الفراش، وأمر بالملاطفة: كان يشرب من موضع فم عائشة، ويسابقها.
  • وحقوق مالية: «ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف»، و«كفى بالمرء إثمًا أن يُضيّع من يقوت».

◆ تربية الأولاد

  • حُسن الاسم، والعقيقة، والتحنيك، وحلق الرأس والصدقة بوزنه.
  • العدل بينهم: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» — وردّ عطيةً خُصّ بها ولدٌ دون إخوته.
  • التعليم بالتدرّج: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع».
  • الرحمة والملاعبة: «من لا يَرحم لا يُرحم»، وحمل أُمامة في الصلاة، وقبّل الحسن.
  • وبِرّ الوالدين مقابل ذلك: قال: «أمك» ثلاثًا ثم «أبوك».

◆ إذا وقع الخلاف

  • الإصلاح أولًا: ﴿فابعثوا حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها﴾.
  • الطلاق آخر الدواء، ولا يقع في حيض ولا في طهرٍ جامعها فيه.
  • ويُروى: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» — وأكثر المحققين على ضعفه مرفوعًا، ومعناه أن الطلاق لا يُلجأ إليه إلا عند الحاجة.
  • وبعد الفراق: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ — ونهى عن التشفّي وأكل المهر.
  • وحفظ حقّ الأم في الحضانة، وحقّ الأب في النفقة، وحقّ الولد فيهما معًا.

◆ أبواب البيت

  • الاستئذان ثلاثًا، والتسليم عند الدخول: «فإن أُذن لك فادخل وإلا فارجع».
  • ذكر الله عند الدخول والطعام، وإغلاق الأبواب وتغطية الآنية ليلًا.
  • «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» — أي لا تُخلوها من الصلاة والذكر.
  • وصلة الرحم: «من أحبّ أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه».
عند الفقد

هديه ﷺ في الجنائز والعزاء

دفن ﷺ ستةً من أولاده السبعة، وشيّع أصحابه وأحبّته، فكان هديه في الحزن نموذجًا: دمعةٌ بلا سخط، وصبرٌ بلا جفاء.

◆ حزنه ودمعه

  • عند وفاة ابنه إبراهيم: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».
  • وأُتي بابن ابنته وهو يجود بنفسه ففاضت عيناه، فقال سعد: ما هذا؟ قال: «هذه رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده».
  • وبكى على قبر أمه فأبكى من حوله.
  • ونهى عن النياحة وشقّ الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية — فالفرق بين الحزن المباح والسخط المحرّم في اللسان والفعل لا في الدمعة.

◆ تعزيته للناس

  • أرسل إلى ابنته وقد احتُضر ابنها: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجلٍ مسمّى، فلتصبر ولتحتسب».
  • «ما من مسلمٍ يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم».
  • لما جاء خبر شهداء مؤتة قال لأهل جعفر: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم».
  • وأمهل آل جعفر ثلاثًا ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم» (أبو داود).

◆ في الجنازة

  • الإسراع بها: «أسرعوا بالجنازة؛ فإن تكُ صالحةً فخيرٌ تقدّمونها إليه».
  • القيام لها حتى لجنازة يهودي، فقيل: إنها يهودي! فقال: «أليست نفسًا؟»
  • «من شهد الجنازة حتى يُصلّى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن فله قيراطان» — قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين».
  • ونهى عن سبّ الأموات: «لا تسبّوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدّموا».
  • وأمر بقضاء دَين الميت قبل كل شيء: «نفس المؤمن معلّقةٌ بدينه حتى يُقضى عنه».

◆ زيارة القبور

  • «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تُذكّر الآخرة».
  • علّمهم ما يقولون: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون».
  • ونهى عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها والصلاة إليها.
  • وحذّر في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» — يحذّر أمته أن تصنع بقبره ما صنعوا.
  • ونهى عن اتخاذ قبره عيدًا: «ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم».
من مجلس القضاء

نوازل وقضايا قضى فيها ﷺ

لم تكن الشريعة نظريات؛ نزلت على وقائع بعينها. وهذه قضايا حقيقية رُفعت إليه فقضى فيها، وصارت أصولًا يُبنى عليها الفقه إلى اليوم.

◆ المخزومية التي سرقت

  • سرقت امرأةٌ من بني مخزوم — من أشراف قريش — فأهمّ قريشًا شأنها وقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ إلا أسامة حِبّ رسول الله؟
  • فكلّمه أسامة، فتلوّن وجهه وقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟!»
  • ثم قام خطيبًا: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
  • ثم قُطعت يدها، وحسنت توبتها بعد. — أشدّ نصٍّ في تاريخ العدالة على مساواة الشريف بالوضيع.

◆ الزبير وجاره في الماء

  • خاصم الزبيرَ رجلٌ من الأنصار في شراج الحَرّة التي يسقون بها النخل.
  • فقال ﷺ: «اسقِ يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» — قضاءٌ فيه رفقٌ بالخصم.
  • فغضب الأنصاري وقال: أن كان ابن عمّتك؟! فتلوّن وجه النبي ﷺ ثم قال: «اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر» — أي استوفِ حقّك كاملًا.
  • قال الزبير: فأحسبُ هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.

◆ المرأتان والولد

  • ذكر ﷺ قصة امرأتين معهما ابناهما، فجاء الذئب فأخذ ابن إحداهما، فتنازعتا في الباقي.
  • فقضى به داود للكبرى. فخرجتا على سليمان فأخبرتاه، فقال: «ائتوني بالسكين أشقّه بينهما».
  • فقالت الصغرى: لا تفعل، هو ابنها! فقضى به للصغرى.
  • قال أبو هريرة: والله إن سمعتُ بالسكين قط إلا يومئذ — ما كنا نسميها إلا المدية. — قصةٌ ساقها ﷺ ليعلّم أن الفراسة أداةٌ من أدوات القاضي.

◆ اللِّعان

  • جاء عويمر العجلاني يسأل: أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا: أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟
  • فنزلت آيات اللعان في سورة النور، فلاعن بينهما وفرّق بينهما.
  • وفي قضية هلال بن أمية مع امرأته قال ﷺ: «أبصروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خَدَلّج الساقين فهو لشريك بن سحماء». فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﷺ: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» — الحكم بالبيّنة لا بالظنّ ولو كان راجحًا.

◆ الرجل الذي جاء يعترف

  • جاء ماعز يقرّ على نفسه، فأعرض عنه ﷺ، فتحوّل إلى الشقّ الآخر فأعرض، أربع مرات.
  • ثم سأل قومه: «أبه جنون؟» قالوا: لا. «أشرب خمرًا؟» فاستنكهه رجل فلم يجد ريح خمر.
  • وقال للغامدية حين أقرّت: «اذهبي حتى تلدي»، ثم «حتى ترضعيه»، ثم لما جاءت والصبي في يده كِسرة خبز أقام الحدّ. وقال: «لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مكسٍ لغُفر له».
  • وقال في ماعز لما سبّه رجل: «لقد تاب توبةً لو قُسّمت بين أمّةٍ لوسعتهم». — الحدود تُدرأ بالشبهات ولا يُستقصى في إثباتها، والتائب مكرَّم لا ممتهَن.

◆ قضاءٌ في مسائل شتّى

  • القسامة: في قتيلٍ وُجد بخيبر، فبدأ بأيمان المدّعين ثم المدّعى عليهم، ثم وداه من عنده تطييبًا للنفوس.
  • الشُّفعة: قضى بها للجار والشريك في الأرض والدار.
  • الخَراج بالضمان: من اشترى عبدًا فاستغلّه ثم ردّه بعيبٍ، فالغلّة له لأنه كان ضامنًا.
  • الولد للفراش: في نزاع سعد وعبد بن زمعة، قضى به لصاحب الفراش وقال: «وللعاهر الحجر».
  • ضمان المتلَف: كسرت عائشة قصعة ضرّتها، فقال: «طعامٌ بطعام وإناءٌ بإناء».
  • لا ضرر ولا ضرار: قاعدةٌ جامعة قضى بها في نوازل الجوار والمرافق.
وكان يقول للناس قبل أن يقضي: «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع؛ فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعةً من النار» — أي أن حكم القاضي لا يُحلّ الحرام في الباطن. متفق عليه.
الأرض أمانة

الأرض والماء والزرع والحيوان في هديه ﷺ

في مجتمعٍ صحراوي شحيح الماء، وضع ﷺ قواعد في الزراعة والمياه والحيوان تُقرأ اليوم على أنها من أوائل ما عرفه البشر في حماية الموارد.

◆ الزرع والغرس

  • «ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمة إلا كان له به صدقة».
  • «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألّا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» — عملٌ نافع حتى في آخر لحظة.
  • «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له» — تشجيعٌ على استصلاح الأرض المهملة.
  • ونهى عن قطع شجر الحرمين وعن قطع السِّدر عبثًا، ونهى في الحرب عن تحريق النخل وقطع الشجر.

◆ الماء

  • «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» — موارد لا تُحتكر.
  • ونهى عن بيع فضل الماء، وحثّ على تسبيله: بئر رومة اشتراها عثمان فجعلها للناس.
  • نهى عن الإسراف: كان يتوضأ بالمُدّ ويغتسل بالصاع (متفق عليه). ويُروى أنه مرّ بسعدٍ وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جار» (ابن ماجه، وفي إسناده كلام).
  • وكان يتوضأ بالمُدّ ويغتسل بالصاع — أي بقدرٍ يسير جدًّا من الماء.
  • ونهى عن تلويث الماء: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم»، ونهى عن التخلّي في الموارد وقارعة الطريق والظلّ.

◆ الحيوان

  • «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر» — قالها في رجلٍ سقى كلبًا يأكل الثرى من العطش فغُفر له.
  • وامرأةٌ دخلت النار في هرّةٍ حبستها فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.
  • «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته».
  • نهى عن التحريش بين البهائم، وعن اتخاذ شيءٍ فيه الروح غرضًا للرمي، وعن الوسم في الوجه والضرب فيه.
  • ولعن من مثّل بالحيوان، وأنكر على من أخذ فرخَي طائرٍ فجعلت أمّهما تفرش عليهم فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها».
  • وأنكر على صاحب الجمل الذي شكا إليه الجوع والإتعاب: «أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟».

◆ الطريق والمرافق

  • «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»، وجعلها شعبةً من الإيمان.
  • ورأى رجلًا يُغفر له لأنه أزال غصن شوكٍ عن طريق المسلمين.
  • وحدّد حقّ الطريق إذا جلسوا فيه: «غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
  • ونهى عن اللعّانَين: التخلّي في طريق الناس أو ظلّهم.
  • وحمى النقيع مرعًى عامًّا، ومنع الاحتكار في الأقوات: «لا يحتكر إلا خاطئ».
جردٌ كامل

ماذا لقي ﷺ في سبيل هذه الرسالة؟

تُقرأ السيرة أحيانًا كسلسلة انتصارات، وهي في حقيقتها سلسلة ابتلاءات. وهذا جردٌ لما لقيه — ليُعلم أن هذا الدين وصل إلينا بثمن.

◆ في نفسه وجسده

  • خنقه عقبة بن أبي معيط بردائه خنقًا شديدًا وهو يصلي حتى جاء أبو بكر فدفعه.
  • وُضع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد فما رفع رأسه حتى جاءت فاطمة فأزالته.
  • نُثر التراب على رأسه وهو ماشٍ، فدخل بيته والتراب على رأسه فجعلت ابنته تغسله وتبكي.
  • وفي السيرة أنه رُمي بالحجارة في الطائف حتى دميت قدماه وامتلأ نعلاه دمًا.
  • شُجّ وجهه يوم أُحد وكُسرت رَباعيته ودخلت حلقتان من المِغفر في وجنته.
  • سُمّ في خيبر، وكان يقول في مرض موته: «ما زالت أُكلة خيبر تعاودني».
  • وسُحر حتى كان يُخيَّل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، فعافاه الله.

◆ في عِرضه وسمعته

  • اتُّهم بأنه ساحر، كاهن، شاعر، مجنون — وهي تهمٌ متناقضة لا تجتمع في رجل.
  • قيل: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ — أي أن رجلًا أعجميًّا يلقّنه، وردّ القرآن بأن لسان ذاك أعجمي وهذا عربيٌّ مبين.
  • خاض المنافقون في عِرض أهله في حادثة الإفك شهرًا كاملًا وهو صامت لا يجد جوابًا حتى نزل الوحي.
  • قال قائل في قسمة غنائم: إن هذه قسمةٌ ما أُريد بها وجه الله، فاحمرّ وجهه ثم قال: «رحم الله موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر».

◆ في أصحابه

  • رأى آل ياسر يُعذّبون فلا يملك دفعًا: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».
  • رأى بلالًا تحت الصخرة، وخبّابًا يُسحب على الرمضاء حتى أطفأ ودك ظهره النار.
  • غُدر بـسبعين من القرّاء في بئر معونة فقنَت شهرًا يدعو، وما رُئي أشدّ حزنًا منه.
  • قُتل سبعون في أُحد وعلى رأسهم عمّه حمزة ومُثّل به.
  • استُشهد زيد وجعفر وابن رواحة في يومٍ واحد بمؤتة، وعيناه تذرفان وهو يخبر بذلك.

◆ في أهله وولده

  • مات أبوه قبل أن يراه، وأمّه وهو ابن ست، وجدّه وهو ابن ثمان.
  • فُجع في حياته بـستة من سبعةٍ من أولاده: القاسم وعبد الله وإبراهيم وزينب ورقية وأم كلثوم.
  • مات عمّه أبو طالب ناصرُه، وزوجُه خديجة سكنُه، في عامٍ واحد.
  • طُلّقت ابنتاه من ابنَي أبي لهب نكايةً به.
  • وذكر ابن إسحاق أن المشركين روّعوا ابنته زينب في هجرتها حتى أسقطت حملها.

◆ في معاشه وأمنه

  • حُوصر في شِعب أبي طالب ثلاث سنين حتى أكلوا ورق الشجر وسُمع تضاغي الصبيان.
  • أُخرج من بلده وبيته ومال إليه أقرب الناس بالقتل، فخرج ليلًا خائفًا يترقّب.
  • جُعلت في رأسه مئة ناقة لمن يأتي به حيًّا أو ميتًا.
  • ربط الحجر على بطنه من الجوع في الخندق — ويُروى أنه ربط حجرين.
  • حوصرت مدينته بعشرة آلاف مقاتل، وخانه من في داخلها في اللحظة نفسها.
  • ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في طعام أهله.

◆ وكيف قابل ذلك كله؟

  • في الطائف لمّا عرض عليه ملك الجبال إهلاكهم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» — متفق عليه.
  • وكان يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» — متفق عليه — وهي حاله يوم أُحد.
  • يوم الفتح وقد ملك رقابهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
  • مع اليهودية التي سمّته: تركها ولم يعاقبها في المشهور.
  • مع الأعرابي الذي جبذه حتى أثّر في عاتقه: ضحك وأمر له بعطاء.
  • ومع ابن أُبيّ الذي آذاه سنين: كفّنه في قميصه ومشى في جنازته.
﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ — وقال ﷺ: «ولقد أُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد، ولقد أُخِفتُ في الله وما يُخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يومٍ وليلة وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأكله ذو كبدٍ إلا شيءٌ يواريه إبط بلال» — رواه الترمذي وصححه.
اليد العليا

الصدقة والإنفاق في عهده ﷺ

كان أجود الناس، ولم يُسأل شيئًا قط فقال: لا. وأسّس نظامًا للزكاة يجمعه سعاةٌ ويُصرف في مصارفه، فتحوّل العطاء من مزاجٍ فردي إلى نظامٍ دوريّ.

◆ جودُه هو

  • «كان أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلَهو أجود بالخير من الريح المرسلة».
  • أعطى رجلًا غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه يقول: أسلِموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة.
  • ما سُئل على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولا يبيت عنده دينار ولا درهم.
  • قال بلال: ما أمسى عند رسول الله ﷺ شيءٌ يُمسيه إلا أنفقه.
  • ومع ذلك حرّم الصدقة على نفسه وآله: «إنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد».

◆ فضل الصدقة

  • «الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار».
  • «ما نقصت صدقةٌ من مال».
  • «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة».
  • «سبعةٌ يظلّهم الله في ظلّه… ورجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».
  • «أفضل الصدقة أن تصدّق وأنت صحيحٌ شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى».
  • «كل معروفٍ صدقة»، حتى «تبسّمك في وجه أخيك صدقة».

◆ نماذج من أصحابه

  • أبو بكر: جاء بماله كله فقال: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
  • عثمان: جهّز ثلث جيش العسرة، واشترى بئر رومة، ووسّع المسجد.
  • عبد الرحمن بن عوف: ويُروى أنه تصدّق بقافلةٍ كاملة دخلت المدينة بما فيها (أحمد، وإسناده ضعيف)، والثابت كثرة صدقته وإنفاقه في جيش العسرة.
  • أبو طلحة: تصدّق بـ«بَيرَحاء» أحبّ أمواله لمّا نزلت ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾.
  • الرجل الفقير الذي جاء بصاعٍ من تمر فلمزه المنافقون، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾.
  • والأنصار يوم المؤاخاة: عرضوا نصف أموالهم وبيوتهم.

◆ نظام الزكاة

  • فُرضت في السنة الثانية للهجرة، وبُعث لها السعاة إلى القبائل.
  • وصّى سعاته: «وإياك وكرائم أموالهم» — لا يأخذ خيار المال.
  • وقال لمعاذ: «تُؤخذ من أغنيائهم فتُردّ على فقرائهم» — محليّة الصرف قبل الترحيل.
  • حاسب عامله ابن اللُّتبيّة على ما قال إنه أُهدي إليه: «أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟».
  • ومصارفها في القرآن ثمانية: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
  • وشرع زكاة الفطر طُهرةً للصائم وطُعمةً للمساكين، وأمر بإخراجها قبل الصلاة.

◆ أدب العطاء

  • ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.
  • ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264].
  • «ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه ولا يُفطن له فيُتصدّق عليه».
  • «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، و«خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى».
  • و«اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى» — مع النهي عن سؤال الناس إلا لضرورة.

◆ الوقف والصدقة الجارية

  • من أوائل الأوقاف في الإسلام: أرض عمر بخيبر، قال له ﷺ: «إن شئت حبّست أصلها وتصدّقت بها».
  • «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له».
  • بئر رومة وقفُ عثمان، وحوائط مُخيريق وقفٌ للنبي ﷺ جعلها صدقات.
  • «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة».
  • و«ما من مسلمٍ يغرس غرسًا فيأكل منه إنسانٌ أو طيرٌ أو بهيمة إلا كان له به صدقة».
الحصن بالذكر

الرقية والتحصين في هديه ﷺ

علّم أصحابه أن يتحصّنوا بالذكر والدعاء وقراءة القرآن، مع الأخذ بالأسباب الحسّية. وضبط الباب بضوابط تمنع أن يُستغلّ باسم الدين.

◆ كيف كان يرقي نفسه

  • كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفّيه ونفث فيهما فقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوّذتين، ثم يمسح ما استطاع من جسده — ثلاث مرات.
  • وكان يرقي نفسه في مرضه بالمعوّذات، فلما اشتدّ به الوجع كانت عائشة تقرأ عليه وتمسح بيده رجاء بركتها.
  • ويقول عند الوجع: يضع يده على موضع الألم ويقول: «بسم الله» ثلاثًا، ثم «أعوذ بعزّة الله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر» سبعًا.
  • ويستعيذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق.

◆ رقيته لأصحابه

  • كان يرقي المريض ويقول: «أذهب الباس ربّ الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا».
  • ويرقي الحسن والحسين: «أعيذكما بكلمات الله التامّة من كل شيطانٍ وهامّة ومن كل عينٍ لامّة».
  • وقال في العين: «العين حق»، وأمر العائن أن يغتسل فيُصبّ الماء على المعين.
  • وأذن في الرقية ما لم تكن شركًا: «اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا».
  • ورقى الصحابيُّ سيّدَ الحيّ بـفاتحة الكتاب فبرأ، فأقرّه وقال: «وما أدراك أنها رقية؟».

◆ أذكار التحصين

  • آية الكرسي عند النوم: «لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح».
  • خواتيم البقرة: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه».
  • ذكر الصباح والمساء: «بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» ثلاثًا.
  • «أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق» ثلاثًا حين ينزل منزلًا.
  • «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له… مئة مرة، كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك».
  • وأذكار البيت والخروج والدخول والطعام — فالحصن ذكرٌ دائم لا تعويذةٌ مادّية.

◆ ضوابط تحمي الباب

  • لا يكون فيها شركٌ ولا استعانةٌ بجنّ ولا طلاسم ولا ما لا يُفهم معناه.
  • تكون بكلام الله وأسمائه وبالمأثور، وبلسانٍ عربيٍّ مفهوم.
  • لا يُعتقد أنها تنفع بذاتها؛ بل الشافي هو الله.
  • نهى عن التمائم والتعلّق بها: «من تعلّق تميمةً فقد أشرك» (أحمد).
  • وحذّر من الكهّان والعرّافين: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة».
  • ولا تُتّخذ الرقية بديلًا عن العلاج الطبي؛ فقد أمر بالتداوي وأرسل الطبيب إلى أُبيّ. ومن يستغلّ هذا الباب لأخذ الأموال أو للسيطرة على الناس فهو مخالفٌ لهديه ﷺ.
تنبيه مهم: هذا القسم وصفٌ لهدي النبي ﷺ في الذكر والدعاء، وليس بديلًا عن مراجعة الطبيب. ومن أصابه مرضٌ عضوي أو نفسي فالواجب عليه العلاج عند المختصّين مع الدعاء والرقية — وهذا هو الجمع بين الأسباب والتوكّل الذي علّمه ﷺ.
تفاصيل صغيرة

آدابٌ جامعة من هديه ﷺ

تفاصيل يومية صغيرة في حجمها، كبيرة في أثرها على شكل المجتمع: كيف تستأذن، وكيف تجلس، وكيف تمشي، وكيف تسافر، وكيف تعتذر.

◆ السلام والاستئذان

  • «أفشوا السلام بينكم تحابّوا»، و«لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا».
  • يسلّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير.
  • الاستئذان ثلاثًا: «فإن أُذن لك وإلا فارجع»، ولا يقف مستقبل الباب.
  • إذا قيل: من؟ لا يقول «أنا» — قالها جابر فقال ﷺ: «أنا أنا!» كأنه كرهها.
  • «العين تزني»: أمر بغضّ البصر، وقال للفضل وهو ينظر: فلوى عنقه.

◆ المجلس

  • «لا يُقيمنّ أحدكم رجلًا من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا».
  • «إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يُحزنه».
  • كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولا يُعرف من بين أصحابه إلا بالسؤال.
  • كفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».
  • وينهى عن الجلوس في الطرقات إلا بحقّها، ويأمر بردّ السلام وغضّ البصر وكفّ الأذى.

◆ السفر

  • «السفر قطعةٌ من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته فليعجّل إلى أهله».
  • «إذا كان ثلاثةٌ في سفر فليؤمّروا أحدهم» — لا فوضى ولو كانوا ثلاثة.
  • يكره السفر وحده: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكب».
  • يستحبّ الخروج يوم الخميس، وأول النهار، ويدعو: «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل».
  • وقيل في الحِكم: الرفيق قبل الطريق. ودعوة المسافر مستجابة.
  • وإذا رجع بدأ بالمسجد فصلّى ركعتين، ونهى أن يطرق أهله ليلًا.

◆ المسجد

  • «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس».
  • ينهى عن البصاق فيه، وعن نشد الضالّة فيه، وعن البيع والشراء فيه.
  • وينهى عن أكل الثوم والبصل النيّئ ثم حضور المسجد أذًى للناس والملائكة.
  • «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها».
  • وكان مسجده مفتوحًا: فيه الصُّفّة، وخيمة رفيدة للتمريض، وحلقات العلم، ولعب الحبشة يوم عيد.

◆ الاعتذار والصلح

  • «لا يحلّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث؛ وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
  • «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة».
  • «ليس الكذّاب الذي يُصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا».
  • «من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه فليتحلّله منها اليوم قبل ألّا يكون دينارٌ ولا درهم».
  • ويُروى أنه ﷺ قال في مرض موته: «من كنت جلدتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه» (الطبراني، وفي إسناده ضعف).

◆ الوقت والعمل

  • «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ».
  • «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك…».
  • «اللهم بارك لأمتي في بكورها» — وكان إذا بعث سريّة بعثها أول النهار.
  • «إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتقنه».
  • «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز».
إدارة الناس

وصاياه ﷺ لمن ولّاهم أمرًا

بعث ﷺ أمراء وقضاةً وسعاةً ومعلّمين إلى اليمن والبحرين ونجران وغيرها، وكان لا يبعث أحدًا إلا أوصاه — وهذه وصاياه، وهي أصلٌ في إدارة الناس إلى اليوم.

◆ في التيسير على الناس

  • «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» — لمعاذ وأبي موسى إلى اليمن.
  • «إن الله لم يبعثني معنّتًا ولا متعنّتًا، ولكن بعثني معلّمًا ميسّرًا».
  • «إذا أمّ أحدكم الناس فليخفّف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة».
  • «إن هذا الدين يُسر، ولن يشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه».

◆ في العدل والمظالم

  • «وإياك وكرائم أموالهم، واتّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
  • «اللهم من ولي من أمر أمّتي شيئًا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن رفق بهم فارفق به».
  • «ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيّةً ثم لم يحُطها بنصيحةٍ إلا لم يجد رائحة الجنة».
  • «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته».
  • وحاسب عامله على الهدايا: «أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟».

◆ في القضاء

  • «إذا جلس إليك الخصمان فلا تقضِ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول».
  • «لا يقضينّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان».
  • «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر».
  • «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر».
  • ودعا لعليّ لما بعثه قاضيًا: «اللهم اهدِ قلبه وثبّت لسانه».

◆ في الإمارة نفسها

  • «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها».
  • «لا نولّي هذا العمل من سأله ولا من حرص عليه» — منع من طلبها لنفسه.
  • «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا… لا تأمّرنّ على اثنين ولا تولّينّ مال يتيم» — نصح بترك ما لا يُحسنه.
  • «إذا كان ثلاثةٌ في سفر فليؤمّروا أحدهم» — لا فوضى ولو في أصغر جماعة.
  • «اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ كأن رأسه زبيبة» — العبرة بالكفاءة لا بالنسب.

◆ في الدعوة والتبليغ

  • «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله… فإن هم أطاعوك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات…» — تدرّجٌ مرتّب.
  • «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» — اعرف من تخاطب قبل أن تتكلّم.
  • «فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمر النَّعَم».
  • «بلّغوا عني ولو آية».

◆ في الحرب

  • «اغزوا باسم الله… ولا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدًا».
  • «ادعُهم إلى الإسلام قبل أن تقاتلهم».
  • «لا تتمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية؛ فإذا لقيتموهم فاصبروا».
  • ونهى عن قتل النساء والصبيان (متفق عليه)، وأوصى أبو بكر قادته بعده على نهجه: ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا ولا امرأةً ولا وليدًا، ولا تتعرّضوا لأصحاب الصوامع.
  • وتبرّأ علنًا من خطأ قائدٍ: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» ثم ودى القتلى.
٩ هـ وما بعدها

الوفود التي قدمت عليه ﷺ

لمّا فُتحت مكة قالت العرب: «إن ظهر عليهم فهو نبيّ» — فتقاطرت الوفود على المدينة من كل الجزيرة حتى بلغت نحو سبعين وفدًا. وهذه أشهرها وما جرى فيها.

◆ وفد عبد القيس

من البحرين، قالوا: إنا نأتيك من شُقّةٍ بعيدة وبيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مضر، فلا نصل إليك إلا في شهرٍ حرام؛ فمُرنا بأمرٍ فصلٍ نخبر به من وراءنا. فقال: «مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى»، ثم أمرهم بالإيمان بالله وحده وفسّره لهم.متفق عليه

◆ وفد بني تميم

جاءوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد اخرج إلينا! فنزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وفاخروه بالشعر والخطابة فردّ عليهم بثابت بن قيس وحسّان، فقالوا: إن خطيبه لأخطب من خطيبنا وشاعره لأشعر من شاعرنا، وأسلموا.سيرة ابن هشام، والحجرات

◆ وفد ثقيف

أهل الطائف الذين رموه بالحجارة قبل عشر سنين. جاءوا مسلمين واشترطوا شروطًا فأبى إلا الإسلام كاملًا، وأنزلهم في المسجد ليسمعوا القرآن ويروا المصلّين. — عاد الذين طردوه وفدًا في مسجده.سيرة ابن هشام

◆ وفد نجران

ستون راكبًا من النصارى بأساقفتهم، أنزلهم مسجده وأذن لهم أن يصلّوا فيه إلى المشرق، وناظرهم في عيسى، ثم دعاهم إلى المباهلة فتراجعوا وصالحوه، وكتب لهم أمانًا على كنائسهم ورهبانهم.صحيح مسلم، والسير

◆ وفد طيّئ — عدي بن حاتم

جاء نصرانيًّا مرتابًا فأسلم بعد أن رأى تواضعه وعلمه، وأخبره بنبوءتين رآهما بعينه: أمن الظعينة من الحيرة إلى الكعبة، وفتح كنوز كسرى.صحيح البخاري

◆ وفد بني سعد بن بكر — ضِمام بن ثعلبة

أعرابيّ سأله مستحلفًا بالله عن أركان الإسلام، ثم قال: «آمنتُ بما جئتَ به، وأنا رسول من ورائي من قومي». فقيل: ما رأينا وافد قومٍ كان أفضل من ضمام.متفق عليه

◆ وفد بني حنيفة

وفيهم مسيلمة، طلب أن يجعل له الأمر من بعده فأبى ﷺ وقال — وفي يده قطعة جريد: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها». ثم ادّعى النبوة فسُمّي الكذّاب، وقُتل في اليمامة.متفق عليه

◆ وفد بني عامر

قبل الهجرة: عرضوا النصرة مقابل أن يكون لهم الأمر بعده، فقال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» — فرفضوا ورجع بلا نصرة، ولم يساوم على الدين.سيرة ابن هشام

◆ وفد مُزَينة وأسلم وغِفار

قبائل دخلت في الإسلام كاملةً، وقال فيها: «غِفارُ غفر الله لها، وأسلمُ سالمها الله»، وأنزل بعضهم في المدينة.صحيح البخاري

◆ وفد هوازن

جاءوا بعد حنين يطلبون سبيهم، فخيّرهم بين السبي والمال فاختاروا السبي، فاستنزل الناس عن حقّهم فردّ ستة آلاف سبيّ في يومٍ واحد.صحيح البخاري

◆ كيف كان يستقبلهم؟

يلبس أحسن ثيابه ويأمر أصحابه بذلك، ويُنزلهم في المسجد أو عند أصحابه، ويجيزهم بالعطايا — وأوصى في مرض موته: «أجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم». ويبعث معهم معلّمين يفقّهونهم وسعاةً يجمعون زكاتهم.صحيح البخاري، والسير

◆ ثمرة عام الوفود

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ۝ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ — فهم عمر وابن عباس أنها نَعْيُ رسول الله ﷺ إلى نفسه: تمّ البلاغ فاقترب الأجل.صحيح البخاري

عاصمة الدولة الأولى

المدينة النبوية: مجتمعٌ يُبنى من الصفر

لم تكن يثرب مدينةً موحّدة حين قدِمها؛ كانت قرى وحصونًا ونخيلًا وقبائل متناحرة ويهودًا وحلفاء. فحوّلها ﷺ في عشر سنين إلى عاصمةٍ لدولةٍ امتدّت إلى الشام واليمن.

◆ سكّانها قبل الهجرة

  • الأوس والخزرج — قبيلتان من الأزد اليمانية، بينهما ثاراتٌ متطاولة آخرها حرب بُعاث قبل الهجرة بخمس سنين، أنهكت الطرفين — فكانت تمهيدًا لقبولهم صلحًا جامعًا.
  • ثلاث قبائل يهودية: قينقاع (صاغة وتجّار)، والنضير وقريظة (أهل نخيلٍ وحصون)، ولكلٍّ حلفاء من الأوس أو الخزرج.
  • وكان اليهود يستفتحون على المشركين بنبيٍّ يُبعث، فلما جاء من غيرهم كفر به أكثرهم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.

◆ اقتصادها

  • مدينةٌ زراعية بالدرجة الأولى: النخيل والحبوب، بخلاف مكة التجارية الصخرية.
  • أسّس ﷺ سوقًا للمسلمين بعد أن كان السوق بيد يهود، ويُروى أنه قال: «هذا سوقكم، فلا يُنتقَصنّ ولا يُضربنّ عليه خَراج» (ابن ماجه، وفي إسناده ضعف).
  • أدخل نظام المزارعة والمساقاة، ونظّم سقي الحوائط، وقضى في نزاع الماء بين الزبير وجاره.
  • حرّم صيدها وشجرها: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة».

◆ تنظيمها

  • المسجد مركز المدينة: صلاة، وتعليم، وقضاء، ومجلس شورى، ودار وفود، ومأوى للفقراء.
  • مساجد فرعية في أحياء القبائل، والجُمعة تجمعهم في المسجد النبوي.
  • الحرس والدوريات على مداخلها، والخندق شمالًا وقت الخطر.
  • استخلاف والٍ عليها كلما خرج غازيًا — ابن أم مكتوم مرارًا.

◆ فضلها في السنة

  • «اللهم اجعل بالمدينة ضعفَي ما جعلت بمكة من البركة».
  • «المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها من هو خيرٌ منه».
  • «على أنقابها ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجّال».
  • وسمّاها طَيْبة وطابة، وكان إذا قدِم من سفرٍ فرأى جُدُرها أوضع راحلته من حبّها.
«صلّوا كما رأيتموني أصلي»

صفة وضوئه وصلاته ﷺ

أدقّ ما نُقل في السيرة: عبادةٌ يومية وصفها أصحابه حركةً حركة، حتى صارت الصلاة اليوم تُؤدّى كما رآها الصحابة قبل أربعة عشر قرنًا.

◆ وضوؤه

  • يبدأ بالتسمية والسواك: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
  • يغسل كفّيه ثلاثًا، ثم يمضمض ويستنشق من غَرفةٍ واحدة، ثم وجهه ثلاثًا.
  • ثم يديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم يمسح رأسه: يُقبل بيديه ويُدبر، ويمسح أذنيه.
  • ثم رجليه إلى الكعبين، ويخلّل أصابعه، ويُسبغ الوضوء.
  • ولا يُسرف في الماء: توضّأ بالمُدّ (نحو ملء الكفّين) واغتسل بالصاع.
  • ويقول بعده: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله».

◆ قيامه وقراءته

  • يستقبل القبلة ويرفع يديه حذو منكبيه ويقول: الله أكبر.
  • يستفتح بدعاء: «سبحانك اللهم وبحمدك...» أو «اللهم باعد بيني وبين خطاياي...».
  • يضع يمينه على شماله على صدره، وينظر إلى موضع سجوده.
  • يقرأ الفاتحة ثم سورة؛ ويطيل في الفجر، ويقصّر إذا أمّ الناس.
  • يقرأ مرتّلًا آيةً آية، وربما رفع صوته حتى يُسمع من في الحجرة.

◆ صلاة الاستسقاء

  • خرج إلى المصلّى متواضعًا متبذّلًا متضرّعًا، فصلّى ركعتين، وحوّل رداءه، ورفع يديه يدعو (أبو داود والترمذي).
  • ودخل رجلٌ يوم الجمعة وهو يخطب فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادعُ الله يغيثنا. فرفع يديه: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» — فما نزل حتى مُطروا أسبوعًا، ثم قال في الجمعة التالية: «اللهم حوالينا ولا علينا» (متفق عليه).

◆ ركوعه وسجوده

  • يركع فيسوّي ظهره حتى لو صُبّ عليه الماء لاستقرّ، ويُمكّن يديه من ركبتيه.
  • يقول: «سبحان ربي العظيم»، ثم يرفع: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد».
  • يسجد على سبعة أعضاء: الجبهة والأنف، والكفّين، والركبتين، وأطراف القدمين.
  • يجافي عضديه عن جنبيه حتى يُرى بياض إبطيه، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب.
  • «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
  • ويعتدل بين الركن والركن حتى كانت صلاته قريبًا من السواء.

◆ تشهده وسلامه

  • يفترش في التشهد الأول ويتورّك في الأخير، ويشير بالسبابة يدعو بها.
  • يقرأ التشهد ثم الصلاة الإبراهيمية، ثم يستعيذ من أربع: عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجّال.
  • يسلّم عن يمينه وعن شماله: «السلام عليكم ورحمة الله».
  • ثم يستغفر ثلاثًا ويقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام».

◆ خشوعه فيها

  • كان لصدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء.
  • «وجُعلت قرّة عيني في الصلاة»، و«أرِحنا بها يا بلال».
  • إذا حزَبه أمرٌ فزع إلى الصلاة.
  • ينهى عن الالتفات فيها: «هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد».
  • ويأمر بالإقبال: «إذا قام أحدكم في الصلاة فإنما يناجي ربه».

◆ رفقه بالمصلّين

  • «إذا أمّ أحدكم الناس فليخفّف، فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة».
  • غضب على معاذ حين أطال بقومه: «أفتّانٌ أنت يا معاذ؟».
  • يخفّف إذا سمع بكاء الصبي رحمةً بأمّه.
  • حمل أُمامة بنت ابنته وهو يصلي بالناس: إذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
  • وصلّى في مرض موته جالسًا والناس خلفه قيام.
مجموعةٌ من أحاديث الصحيحين والسنن. ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب صفة الصلاة المسندة، ولمسائل الفقه إلى أهل العلم.
«روّحوا القلوب ساعةً بساعة»

الترويح واللعب والفروسية في سيرته

لم يكن بيت النبوة عبوسًا؛ كان فيه سباقٌ ومزاح ولعبٌ وضحك. وقد أنكر ﷺ على من أراد أن يتشدّد فيترك النوم والطعام والزواج، وقال: «فمن رغب عن سنّتي فليس مني».

◆ سباقه مع عائشة

قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقتُه، فلمّا حملتُ اللحم سابقني فسبقني فقال: «هذه بتلك». — نبيٌّ يسابق زوجته في الطريق مرتين، بينهما سنون.رواه أبو داود وأحمد

◆ لعب الحبشة في المسجد

كان الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد يوم عيد، فأقامها ﷺ خلفه وسترها بردائه وهي تنظر من فوق منكبه حتى ملّت — وقال: «لتعلم يهود أن في ديننا فُسحة».متفق عليه، والزيادة الأخيرة عند أحمد

◆ الغناء في العرس

زُفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال ﷺ: «يا عائشة، ما كان معكم لهوٌ؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو». وأمر بإعلان النكاح والدفّ فيه: «فصلٌ ما بين الحلال والحرام: الصوت والدفّ».صحيح البخاري، والترمذي

◆ الرمي والفروسية

مرّ بقومٍ يترامون فقال: «ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا». وسابق بين الخيل المُضمَّرة من الحفياء إلى ثنيّة الوداع، وجعل بين الفرسان جوائز. وقال: «كل شيءٍ ليس من ذكر الله فهو لهوٌ إلا أربعًا» وذكر منها ملاعبة الرجل امرأته وتأديب فرسه.متفق عليه، والنسائي

◆ المصارعة

ويُروى أن رُكانة — وكان من أشدّ الناس — صارعه ﷺ فصرعه — قوةٌ بدنية أرادها الله فيه، ولم يمنعه وقارُه من قبول التحدّي.رواه أبو داود والترمذي، وفي إسناده كلام وله شواهد

◆ مزاحه ﷺ

قال أصحابه: يا رسول الله، إنك تداعبنا! فقال: «إني لا أقول إلا حقًّا». ومن مزاحه: «يا ذا الأذنين» لأنس، و«إني حاملك على ولد الناقة»، وقوله للعجوز: «لا تدخل الجنة عجوز» ثم فسّر أنهنّ يُنشأن شبابًا.رواه الترمذي وأبو داود

◆ اللعب مع الأطفال

كان يصفّ أبناء عمّه العباس ويقول: «من سبق إليّ فله كذا» فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبّلهم (أحمد). وحمل أمامة في الصلاة. وسأل أبا عمير عن عصفوره. وكان يمرّ بالصبيان فيسلّم عليهم ويحملهم على دابته.صحيح البخاري ومسلم

◆ الحدّ الفاصل

الترويح مباحٌ ما لم يجرّ إلى محرّم أو يشغل عن واجب. ولذلك أنكر ﷺ على الثلاثة الذين تقالّوا عبادته فعزم أحدهم على صيام الدهر والآخر على قيام الليل كله والثالث على ترك النساء، فقال: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء».متفق عليه

«لتأخذوا عني مناسككم»

صفة حجّته ﷺ خطوةً بخطوة

وصفها جابر بن عبد الله في أطول حديثٍ في صفة عبادة، وعليه مدار الحج إلى اليوم. حجّ ﷺ حجّةً واحدة بعد الهجرة، فخرج معه بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتمّ به.

ذو القعدةالإعلان
أذّن في الناس أنه حاجٌّ هذا العام، فقدم المدينة بشرٌ كثير. قال جابر: فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُليفة.
٢٥ ذو القعدةذو الحُليفة
ولدت أسماء بنت عميس هناك فأمرها أن تغتسل وتستثفر وتُحرِم. ثم صلّى في المسجد، وركب القصواء، فلما استوت به على البيداء أهلّ بالتوحيد: «لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» — ولم يزد على تلبية التوحيد وإن أهلّ الناس بزيادات فلم يردّ عليهم.
٤ ذو الحجةمكة
دخل مكة فبدأ بـالطواف: استلم الركن ورمَل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، ثم صلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم وقرأ ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى﴾، ثم رجع فاستلم الركن، ثم خرج إلى الصفا وقال: «أبدأ بما بدأ الله به»، فرقي عليه حتى رأى البيت فوحّد الله وكبّره ودعا، وسعى سبعًا.
٤ ذو الحجةأمرٌ صعب
أمر من لم يسق الهدي أن يفسخ حجّه إلى عمرة ويتحلّل، فكبُر ذلك عليهم، فقال: «لولا أني سقتُ الهدي لفعلتُ مثل الذي أمرتكم به». — يخالف عادةً راسخة عند العرب ويقدّم نفسه في التطبيق.
٨ ذو الحجةيوم التروية
توجّه إلى مِنى فصلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وبات بها.
٩ ذو الحجةعرفة
سار إلى عرفة وقد ضُربت له قبّة بنَمِرة، فلما زاغت الشمس خطب الناس خطبة الوداع على راحلته، ثم صلّى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا بأذانٍ وإقامتين، ثم وقف عند الصخرات مستقبل القبلة رافعًا يديه يدعو حتى غربت الشمس. وقال: «وقفتُ ههنا وعرفة كلها موقف».
ليلة العيدمزدلفة
دفع بعد الغروب وأردف أسامة، والسكينة تعلوه، يقول: «أيها الناس، السكينةَ السكينة»، وكلما أتى جبلًا أرخى لها قليلًا حتى تصعد. صلّى بمزدلفة المغرب والعشاء بأذانٍ وإقامتين ولم يسبّح بينهما، ثم اضطجع حتى الفجر. ثم وقف عند المشعر الحرام يدعو حتى أسفر جدًّا.
١٠ ذو الحجةيوم النحر
دفع قبل طلوع الشمس، فأتى جمرة العقبة فرماها بسبع حصياتٍ مثل حصى الخذف يكبّر مع كل حصاة. ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بدنةً بيده ثم أعطى عليًّا ما غبر، وأمر من كل بدنةٍ ببضعةٍ فطُبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها. ثم حلق رأسه فقسّم شعره على الناس. ثم أفاض إلى البيت فطاف طواف الإفاضة وصلّى الظهر بمكة.
١٠ ذو الحجة«افعل ولا حرج»
جاءه الناس يسألون: حلقتُ قبل أن أذبح؟ رميتُ بعد ما أمسيت؟ أفضتُ قبل أن أرمي؟ — فما سُئل يومئذٍ عن شيءٍ قُدّم ولا أُخّر إلا قال: «افعل ولا حرج». تيسيرٌ في أشقّ العبادات وأكثرها زحامًا.
١١ – ١٣أيام التشريق
بات بمِنى، ورمى الجمرات الثلاث كل يوم بعد الزوال: يرمي الأولى ويتقدّم فيقف مستقبل القبلة يدعو طويلًا، ثم الوسطى كذلك، ثم جمرة العقبة ولا يقف عندها. وخطب في أوسط أيام التشريق خطبةً أخرى ذكّر فيها بحرمة الدماء والأموال.
الوداع
نزل بـالمحصّب، ثم طاف طواف الوداع آخر عهده بالبيت. وقال: «لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت»، ورخّص للحائض. ثم رجع إلى المدينة، فتوفي بعد نحو ثمانين يومًا.
ملاحظة: اعتمر ﷺ أربع عُمَر كلهنّ في ذي القعدة إلا التي مع حجّته: عمرة الحديبية التي صُدّ عنها، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة بعد حنين، وعمرته المقرونة بحجّته. وحديث جابر في صفة الحج رواه مسلم بطوله وهو من أطول أحاديث الصحيح.
شهره ﷺ

رمضان في حياته ﷺ

فيه نزل عليه الوحي أول مرة، وفيه فُرض الصوم، وفيه كانت بدر وفتح مكة — وفيه كان أجود ما يكون. تسعة رمضانات صامها بعد الفرض.

◆ عبادته فيه

  • «كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلَهو أجود بالخير من الريح المرسلة».
  • يعارضه جبريل القرآن كل رمضان مرة، وعارضه في العام الذي توفي فيه مرتين.
  • يصلي بهم قيام رمضان ثلاث ليالٍ ثم تخلّف خشية أن تُفرض عليهم.
  • ما كان يزيد في قيامه على إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره، يطيلها ويحسنها.
  • يعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله، واعتكف عامًا عشرين يومًا.
  • إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وشدّ مئزره.

◆ صيامه وفطره

  • يعجّل الفطر: «لا يزال الناس بخيرٍ ما عجّلوا الفطر».
  • يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن فتمرات، فإن لم تكن حسا حسواتٍ من ماء.
  • يؤخّر السحور: «تسحّروا فإن في السحور بركة»، وكان بين سحوره والفجر قدر قراءة خمسين آية.
  • يقول عند الفطر: «ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله».
  • ورخّص للمسافر والمريض، وقال: «ليس من البرّ الصيام في السفر» لمن شقّ عليه.
  • ومن صيامه خارج رمضان: «أحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» (متفق عليه)، و«صومُ ثلاثة أيامٍ من كل شهر صومُ الدهر كله» (متفق عليه)، وما رُئي أكثر صيامًا منه في شعبان.

◆ أحداثٌ وقعت في رمضان

  • نزول الوحي في غار حراء: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
  • غزوة بدر الكبرى في ١٧ رمضان سنة ٢هـ — وهم صيام.
  • فتح مكة في رمضان سنة ٨هـ، وأفطر في الطريق وأمرهم بالفطر تقويةً للقتال.
  • سرايا هدم الأصنام بعد الفتح.
  • وموت خديجة على قول، ووفاة ابنته رقية أيام بدر.

◆ ليلة القدر

  • «تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، وفي رواية: «في الوتر منها».
  • خرج ليخبرهم بها فتلاحى رجلان فرُفعت، وقال: «وعسى أن يكون خيرًا لكم».
  • علّم عائشة دعاءها: «اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعفُ عني».
  • «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه».

◆ من تعليمه في رمضان

  • «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه».
  • «الصيام جُنّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحدٌ فليقل: إني صائم».
  • «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء».
  • «للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه».
  • «إذا دخل رمضان فُتّحت أبواب الجنة وغُلّقت أبواب النار وصُفّدت الشياطين».

◆ وبعد رمضان

  • يخرج إلى المصلّى في العيد ويأمر بإخراج النساء حتى الحُيّض.
  • يأكل تمراتٍ وترًا قبل خروجه لصلاة الفطر.
  • فرض زكاة الفطر طُهرةً للصائم وطُعمةً للمساكين، وأمر بإخراجها قبل الصلاة.
  • وقال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر».
أحبّ الناس إليه

مع الفقراء وأهل الصُّفّة

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ — أمرٌ من الله ألّا تتجاوز عيناه فقراء أصحابه إلى غيرهم.

ظُلّةٌ في مؤخّرة المسجد صنعت أعلامًا

كانت في مؤخّرة المسجد ظُلّة تُسمّى الصُّفّة، يأوي إليها فقراء المهاجرين ممن لا أهل له ولا مال ولا مسكن. بلغوا في بعض الأوقات سبعين رجلًا ينقصون ويزيدون؛ يتعلّمون القرآن، ويصومون، ويخرجون في السرايا.

وكان ﷺ إذا أُتي بـصدقة بعث بها إليهم ولم يأكل منها، وإذا أُتي بـهدية أرسل إليهم وأصاب منها معهم — يشاركهم في الهدية ويؤثرهم بالصدقة. وكان يدعو الرجل والرجلين منهم إلى بيته على قلّة ما فيه.

ومن خرّيجي هذه الظُّلّة: أبو هريرة أحفظ الأمة، وحذيفة صاحب السرّ، وسلمان الفارسي، وبلال، وعمّار، وأبو ذر — لم تكن مأوى عجزة، بل مدرسةً أنتجت رجال الأمة.

صحيح البخاري

«ما بي إلا الجوع»

قال أبو هريرة: لقد رأيتُني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشيًّا عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون، وما بي جنون، ما بي إلا الجوع.

وكان يعترض الرجل في الطريق فيسأله عن آيةٍ يعرفها، رجاء أن يفطن لجوعه فيطعمه — فما فطن إلا رسول الله ﷺ: مرّ به فعرف ما في وجهه فقال: «يا أبا هرّ»، قال: لبيك يا رسول الله. قال: «الحق»، فأدخله بيته فوجد لبنًا في قدح، فأمره أن يدعو أهل الصُّفّة، فشربوا كلهم حتى رووا، ثم قال: «بقيتُ أنا وأنت»، فشرب أبو هريرة حتى قال: لا أجد له مسلكًا، ثم شرب ﷺ الفضلة.

صحيح البخاري

◆ منزلة الفقراء عنده

  • «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» — أي متواضعًا لا فقيرًا مذلولًا (الترمذي وابن ماجه، وفي ثبوته خلاف).
  • «ابغوني الضعفاء؛ فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم».
  • «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم: خمسمئة عام».
  • «ربّ أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه».
  • وسأل عن امرأةٍ سوداء كانت تقُمّ المسجد فماتت، فصلّى على قبرها.

◆ ومعاملته لهم

  • يجالسهم ويأكل معهم، ويعود مرضاهم، ويشيّع جنائزهم.
  • يجيب دعوة المملوك، ويقبل هدية الفقير ولو كانت يسيرة.
  • ونزل فيه عتابٌ حين انشغل عن ابن أم مكتوم الأعمى الفقير: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾، وكان بعدها يكرمه ويستخلفه على المدينة.
  • ونهي عن طرد الضعفاء إرضاءً للأشراف: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.
  • وقال لسعد لمّا رأى لنفسه فضلًا على من دونه: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟»
بيته ومنبره

مسجده ﷺ: الروضة والمنبر والقبر

بناه بيده مع أصحابه من لبِنٍ وجريد، فكان أول مبنًى عامّ في الإسلام، ثم صار فيه قبره الشريف — وهو أعظم موضعٍ يقصده المسلمون بعد المسجد الحرام.

◆ بناؤه ووصفه

  • بُني على أرضٍ اشتراها من غلامين يتيمين وأبيا أن يأخذا ثمنها فأبى إلا أن يدفعه.
  • جدرانه لبِن، وسقفه جريد النخل، وعمده جذوع النخل، وأرضه الرمل والحصباء.
  • كان ﷺ ينقل اللَّبِن معهم وهم يرتجزون: «اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة».
  • لم يكن فيه محرابٌ ولا مئذنة ولا زخرفة؛ كان بلال يؤذّن على سطح بيتٍ مرتفع.
  • وُسّع في عهده مرّة بعد خيبر، ثم وسّعه عمر وعثمان من بعده.

◆ وظائفه

  • مكان صلاة وتعليم وحلقات علم.
  • دار قضاءٍ ومجلس شورى تُعقد فيه الرايات وتُستقبل الوفود.
  • مأوى لأهل الصُّفّة، ومستشفى ميداني: خيمة رُفيدة الأسلمية لتمريض الجرحى.
  • ساحة لعب الحبشة يوم العيد، وأنشد فيه حسّان على منبرٍ وضعه له ﷺ.
  • وفيه رُبط الأسير ثمامة ثلاثة أيام حتى أسلم.

◆ الروضة والمنبر

  • «ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة، ومنبري على حوضي».
  • كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما صُنع له المنبر وتركه حنّ الجذع حتى نزل فاحتضنه فسكن.
  • المنبر ثلاث درجات، صنعه له غلامٌ نجّار من أثل الغابة.
  • «صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام».
  • و«لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».

◆ قبره الشريف وآداب زيارته

  • دُفن في حجرة عائشة حيث قُبض، أخذًا بقول أبي بكر: «ما قُبض نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض».
  • ثم دُفن معه أبو بكر ثم عمر بإذن عائشة.
  • حذّر في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» — قالت عائشة: يحذّر ما صنعوا، ولولا ذلك لأُبرز قبره.
  • وقال: «لا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم».
  • فالأدب: أن يُسلَّم عليه بأدبٍ وخفض صوت، ويُصلّى عليه، ويُدعى الله وحده لا يُدعى هو ولا يُطلب منه شيء — فقد نُهي عن دعاء غير الله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
  • ولا يُطاف بالقبر ولا يُتمسّح به؛ والطواف عبادةٌ لا تكون إلا بالبيت الحرام.
وقد قال ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد» (مالك وأحمد)، و«لا تجعلوا قبري عيدًا» (أبو داود) — فمن تعظيمه امتثال ما نهى عنه، لا مخالفته باسم محبّته.
أيام الفرح

الأعياد والجمعة والمناسبات في عهده ﷺ

قدِم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما من أيام الجاهلية، فقال: «قد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» — فأبدل الفرح ولم يُلغه.

◆ صفة العيد عنده

  • يغتسل ويلبس أحسن ثيابه، وله بُردٌ أحمر يلبسه للعيدين والجمعة.
  • يأكل تمراتٍ وترًا قبل الخروج في الفطر، ولا يأكل في الأضحى حتى يرجع فيأكل من أضحيته.
  • يخرج إلى المصلّى في الصحراء لا في المسجد، ويأمر بإخراج النساء حتى الحُيّض يشهدن الخير ودعوة المسلمين.
  • يصلي ركعتين بلا أذانٍ ولا إقامة، ثم يخطب، ويخالف الطريق في رجوعه.
  • ويقول: «إن لكل قومٍ عيدًا وهذا عيدنا»، ويأذن باللعب والدفّ فيه.

◆ الجمعة

  • أول جمعة صلّاها في بني سالم في طريقه إلى المدينة.
  • «خير يومٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها».
  • يأمر بالغسل والتطيّب والسواك ولبس أحسن الثياب والتبكير.
  • «فيه ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه».
  • يقرأ في فجرها «الم تنزيل» و«هل أتى»، ويأمر بالإكثار من الصلاة عليه فيها.
  • خطبته قصدٌ وصلاته قصد: «إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئِنّةٌ من فقهه».

◆ الأضحية والعقيقة

  • ضحّى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمّى وكبّر ووضع رجله على صفاحهما.
  • قال عند الذبح: «باسم الله، اللهم تقبّل من محمدٍ وآل محمد ومن أمة محمد» (مسلم)، وفي رواية: «اللهم هذا عني وعمّن لم يُضحّ من أمتي» (أبو داود) — أشرك أمّته في أضحيته.
  • «كل غلامٍ مرتهنٌ بعقيقته تُذبح عنه يوم سابعه ويُحلق ويُسمّى».
  • وأمر بالتصدّق والإطعام والإهداء من الأضحية، ورخّص في الادّخار بعد أن نهى عنه لعلّة زالت.

◆ ما نهى عنه في المناسبات

  • لم يتّخذ يوم مولده عيدًا ولا فعله أصحابه، وإنما كان يصوم الاثنين ويقول: «ذاك يومٌ وُلدتُ فيه».
  • نهى عن التشبّه بأعياد غير المسلمين الدينية، مع بقاء البرّ والإحسان إليهم في التعامل.
  • نهى عن الغلوّ في الأفراح والإسراف في الولائم، وعن النياحة في الأتراح.
  • ونهى عن صيام يومي العيد: «هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما».
الاسم أثر

هديه ﷺ في الأسماء والكنى والألقاب

اعتنى ﷺ بالأسماء عنايةً لافتة: غيّر أسماء أشخاص وأماكن وقبائل، ونهى عن ألقاب السوء، وتفاءل بالأسماء الحسنة — لأن الاسم يصاحب صاحبه ويُشكّل نظرته إلى نفسه.

◆ أحبّ الأسماء

«إن أحبّ أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»، و«تسمّوا بأسماء الأنبياء». وسمّى ابنه إبراهيم وقال: «وُلد لي الليلة غلام فسمّيته باسم أبي إبراهيم».رواه مسلم، والثاني عند أبي داود

◆ أسماء غيّرها

غيّر عاصية فسمّاها جميلة، وحَزْن فقال: «أنت سهل» — فأبى الرجل وقال: لا أغيّر اسمًا سمّانيه أبي. قال ابن المسيّب: فما زالت فينا الحُزونة بعد. وغيّر بَرّة وقال: «لا تزكّوا أنفسكم»، وسمّاها زينب.صحيح البخاري ومسلم

◆ أسماء أماكن وقبائل

غيّر اسم يثرب إلى طَيْبة والمدينة. وغيّر أرضًا تُسمّى «عَفِرة» فسمّاها «خَضِرة»، وشِعبًا يُسمّى «الضلالة» فسمّاه «الهدى». — تغيير اللفظ خطوةٌ في تغيير المعنى.سنن أبي داود والموطأ

◆ الكنى

كان يُكنّى أبا القاسم، ونهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه وكنيته في حياته. وكنّى من لا ولد له: كنّى عائشة أم عبد الله بابن أختها، وكنّى الغلام الصغير أبا عُمير، وكنّى عليًّا أبا تراب فكان أحبّ أسمائه إليه.متفق عليه، وأبو داود

◆ ألقابٌ منحها

الصدّيق لأبي بكر، وسيف الله لخالد، وأمين الأمة لأبي عبيدة، وحواريّ للزبير، وذات النطاقين لأسماء، وذو الجناحين لجعفر — تحفيزٌ بالاسم يبقى مدى الدهر. أما «الفاروق» لعمر و«ذو النورين» لعثمان فألقابٌ أطلقها عليهما الناس.أحاديث الصحيحين والسنن

◆ ونهى عن ألقاب السوء

﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾. ونهى أن يقول المملوك «ربّي» أو السيّد «عبدي»، وقال: «ليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» — تهذيبٌ للّغة يحمي الكرامة.[الحجرات: 11]، ومتفق عليه

◆ التفاؤل بالاسم

كان يعجبه الفأل الحسن ويكره الطِّيَرة. وفي الحديبية جاءه سُهيل بن عمرو للصلح فقال: «سُهيل! قد سهل لكم من أمركم». وطلب من يحلب ناقةً فقام رجل، فقال: «ما اسمك؟» قال: مُرّة. قال: «اجلس». ثم آخر قال: حَرب. قال: «اجلس». ثم ثالث قال: يعيش. قال: «احلب».صحيح البخاري، والموطأ

◆ حقّ الولد على أبيه

من حقوق الولد: حُسن اسمه. ويُروى بإسنادٍ ضعيف: «إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» — والمعنى صحيح. وأمر بالتحنيك والعقيقة والحلق والتسمية في السابع.رواه أبو داود، والترمذي

«أول من…»

الأوائل في السيرة النبوية

بابٌ لطيف اعتنى به المؤرخون: من أول من فعل كذا؟ وأين وقع أول كذا؟ — وهو من أنفع ما يُحفظ لأنه يربط الحدث بصاحبه.

◆ أوائل في الإيمان

  • أول من آمن من النساء مطلقًا: خديجة بنت خويلد.
  • أول من آمن من الرجال: أبو بكر الصدّيق.
  • أول من آمن من الصبيان: عليّ بن أبي طالب.
  • أول من آمن من الموالي: زيد بن حارثة.
  • أول من آمن من العبيد: بلال بن رباح.
  • أول شهيدة في الإسلام: سُميّة بنت خيّاط.
  • أول من جهر بالقرآن في مكة: عبد الله بن مسعود.
  • أول من رمى بسهمٍ في سبيل الله: سعد بن أبي وقاص.
  • أول من سلّ سيفًا في الإسلام: الزبير بن العوّام.

◆ أوائل في الهجرة

  • أول هجرة في الإسلام: الهجرة إلى الحبشة سنة ٥ من النبوة.
  • أول من هاجر بأهله إلى الحبشة: عثمان ورقية.
  • أول من هاجر إلى المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد على المشهور.
  • أول من هاجر جهرًا: عمر بن الخطاب.
  • أول مولود للمهاجرين بالمدينة: عبد الله بن الزبير — ففرح المسلمون فرحًا شديدًا.
  • أول مولود للأنصار بعد الهجرة: النعمان بن بشير على قول.
  • أول من مات من المهاجرين بالمدينة: عثمان بن مظعون، وأول من دُفن بالبقيع.

◆ أوائل في العبادة

  • أول ما نزل من القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك﴾.
  • أول سورة نزلت بعد الفترة: المدثر.
  • أول مسجد أُسّس على التقوى: مسجد قباء.
  • أول جمعة صلاها ﷺ بنفسه: في بني سالم في طريقه إلى المدينة (وكان أسعد بن زرارة قد جمّع بالأنصار قبلها).
  • أول مؤذّن: بلال. وأول من رأى الأذان في المنام: عبد الله بن زيد.
  • أول قبلة: بيت المقدس نحو ١٦ شهرًا ثم حُوّلت إلى الكعبة.
  • أول رمضان فُرض: السنة الثانية للهجرة، وأول عيد فطر وأضحى فيها.
  • أول من صلّى صلاة الخوف: في غزوة ذات الرقاع.

◆ أوائل في الجهاد

  • أول سرية: سرية حمزة إلى سيف البحر سنة ١هـ.
  • أول لواءٍ عقده: لعمّه حمزة، وقيل لعبيدة بن الحارث.
  • أول غزوة قاتل فيها: بدر الكبرى رمضان ٢هـ.
  • أول قتيلٍ في بدر من المشركين على قول: الأسود بن عبد الأسد.
  • أول شهيدٍ من الأنصار في بدر: حارثة بن سراقة.
  • أول من سنّ ركعتين عند القتل: خُبيب بن عدي.
  • أول من قاتل الروم: في مؤتة ٨هـ.
  • أول من فُدي بالتعليم: أسرى بدر — يعلّم عشرةً من صبيان المدينة.

◆ أوائل في الدولة

  • أول دستور مكتوب لمجتمع متعدد: صحيفة المدينة.
  • أول سفير في الإسلام: مصعب بن عمير إلى يثرب.
  • أول من كتب الوحي بالمدينة: أُبيّ بن كعب على قول، وأكثرهم كتابةً زيد بن ثابت.
  • أول من اتُّخذ له خاتم للختم على الكتب: حين أراد مراسلة الملوك ٦هـ.
  • أول سوقٍ للمسلمين بالمدينة أنشأه، ويُروى أنه قال: «هذا سوقكم فلا يُنتقصنّ ولا يُضربنّ عليه خراج» (ابن ماجه، وفي إسناده ضعف).
  • أول من ولّاه على الصدقة وحاسبه: قصة ابن اللُّتبيّة.
  • أول عملةٍ إسلامية لم تكن في عهده؛ بل ضُربت بعده — فلم يغيّر ما لا يحتاج إلى تغيير.

◆ أوائل تخصّه ﷺ

  • اسم «محمد» كان نادرًا في العرب قبله؛ لم يُسمّ به إلا نفرٌ يسير رجاء أن يكون أحدهم النبيَّ المنتظر.
  • أول من أرضعته بعد أمه: ثويبة مولاة أبي لهب.
  • أول رحلةٍ خرج فيها: إلى الشام مع عمّه وهو ابن اثنتي عشرة.
  • أول من صدّقه من أهل الكتاب: ورقة بن نوفل.
  • أول بيتٍ نزل فيه بالمدينة: بيت أبي أيوب الأنصاري.
  • أول من دُفن معه: أبو بكر ثم عمر في حجرة عائشة.
  • وأول من لحق به من أهله بعد وفاته: ابنته فاطمة بعد ستة أشهر.
تنبيه: بعض هذه «الأوائل» فيها خلافٌ بين أهل السير — كأول من هاجر إلى المدينة وأول القتلى — وقد أثبتنا المشهور ونبّهنا على الخلاف بقولنا «على قول».
على المائدة

هديه ﷺ في الطعام والضيافة

لم يشبع من خبز شعيرٍ يومين متتابعين حتى قُبض، ومع ذلك وضع للمائدة أدبًا كاملًا، وجعل إكرام الضيف من الإيمان.

◆ آدابه في الأكل

  • يسمّي الله: «إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي فليقل: بسم الله أوله وآخره».
  • يأكل بيمينه وبثلاث أصابع، ويأكل مما يليه، ويلعق أصابعه قبل أن يمسحها.
  • ما عاب طعامًا قط؛ إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه.
  • لا يأكل متكئًا ويقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد».
  • ينهى عن الأكل والشرب قائمًا في الغالب، وعن النفخ في الإناء والتنفّس فيه.
  • يشرب على ثلاثة أنفاس ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ».
  • يحمد الله بعده: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه ربَّنا» — رواه البخاري.
  • ويأمر بالتقاط اللقمة الساقطة: «فليُمِط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان».

◆ ما كان يحبّ

  • الثريد — «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
  • الدُّبّاء (القرع) — قال أنس: فما زلت أحبّ الدباء منذ رأيت النبي ﷺ يتتبّعه.
  • التمر، و«بيتٌ لا تمر فيه جياعٌ أهله». و«من تصبّح بسبع تمراتٍ عجوة…».
  • العسل واللبن، وكان يحبّ الحلواء.
  • الخلّ: «نِعم الإدام الخلّ»، دخل بيته فلم يجد إلا خلًّا فجعل يأكل به ويقول ذلك.
  • والذراع من الشاة، وكان يعجبه لحمها.

◆ في الضيافة

  • «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» — قرنها بالإيمان.
  • «الضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحلّ له أن يثوي عنده حتى يُحرجه».
  • يأكل مع الضيف ولا يتركه يأكل وحده، ويقدّم أفضل ما عنده.
  • «طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة».
  • «شرّ الطعام طعام الوليمة يُدعى لها الأغنياء ويُترك الفقراء».
  • ويجيب الدعوة ولو إلى ذراعٍ أو كُراع، ويجيب دعوة المملوك.

◆ في الجوع والقناعة

  • «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن؛ بحسب ابن آدم لقيماتٌ يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنفسه».
  • ربط الحجر على بطنه في الخندق — ويُروى أنه ربط حجرين.
  • يمرّ الهلال والهلالان وما يُوقد في أبياته نار: الأسودان: التمر والماء.
  • «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».
  • وكان يقول إذا رأى الطعام الكثير: «لتُسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة».
كل ما في هذا القسم في الصحيحين والسنن. وهو وصفٌ لهديه في الطعام، لا نصيحةً طبية؛ فمن له حالٌ صحية خاصة فمرجعه الطبيب.
تفصيل ما أكل وشرب

مائدته ﷺ: كل ما ورد عن طعامه وشرابه

حُفظ عنه ﷺ حتى ما يأكله وكيف يأكله وما يتركه — بتفصيلٍ لا يُعرف عن أحدٍ في التاريخ. وهذا جردٌ لما ثبت، طعامًا طعامًا وشرابًا شرابًا.

البركة في آخر الصحن: «فإنكم لا تدرون في أيّ طعامكم البركة»

هذا بابٌ ثابتٌ في الصحيح، وفيه ثلاثة أحاديث:

◂ عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ «أمر بلعق الأصابع والصحفة» وقال: «إنكم لا تدرون في أيّه البركة» — رواه مسلم.

◂ وعنه أيضًا: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها فليُمِط ما كان بها من أذًى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أيّ طعامه البركة» — رواه مسلم.

◂ وعن أنس: «كان ﷺ إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث»، وعن ابن عباس قال ﷺ: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يُلعقها» — متفق عليه.

وفي رواية: أمَرنا أن نَسلُت الصحفة — أي نمسح ما بقي في جوانبها. قال أهل العلم: وفي هذا شكرُ النعمة، واحترامُ الطعام، ومنعُ الإسراف، وأدبٌ يمنع الكِبر على الرزق. — وهذا هو الذي تُسمّيه العامّة اليوم «الكحاتيت» أو «سلت الصحن»: سنّةٌ ثابتة لا مجرّد عادة.

صحيح مسلم، وصحيح البخاري

◆ الخبز والحبوب

  • خبز الشعير هو الغالب على طعامه، ولم يشبع منه يومين متتابعين حتى قُبض.
  • قال أنس: «ما أكل النبي ﷺ على خِوانٍ قط، ولا في سُكُرُّجة، ولا خُبز له مُرقَّق» — أي لم يأكل على مائدة مرتفعة ولا في أطباق التوابل الصغيرة ولا خبزًا رقيقًا مصفّى.
  • وسُئلت عائشة: هل كنتم تُنخّلون الشعير؟ قالت: لا، ولكن كنا ننفخه.
  • الثريد: خبزٌ يُفتّ ويُبلّ بالمرق — وهو أحبّ الطعام إليه، وقال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
  • التلبينة: حساءٌ من دقيق الشعير باللبن، وكان يأمر بها للمريض والمحزون ويقول: «التلبينة مَجَمّةٌ لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن».

◆ التمر والثمار

  • التمر قوتُه الأساس: «بيتٌ لا تمر فيه جياعٌ أهله»، وكان يفطر على رطبات.
  • العَجوة: «من تصبّح بسبع تمراتٍ عجوة لم يضرّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر» — وقيّده بعض الرواة بعجوة المدينة.
  • القِثّاء بالرُّطب: «كان يأكل القثّاء بالرطب» — البارد مع الحارّ.
  • البطيخ بالرطب: «كان يأكل البطيخ بالرطب».
  • العنب والرمان والكَباث (ثمر الأراك)، وكانوا يجتنونه معه في الأسفار.
  • الحَيس: تمرٌ وسمنٌ وأقِط يُخلط — أولم به على صفيّة.

◆ اللحوم

  • «سيّد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم» — على كلامٍ في إسناده.
  • كان يعجبه الذراع من الشاة: «وكان يعجبه الذراع» — قال أبو هريرة: أُتي رسول الله ﷺ بلحم «فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه».
  • أكل الدجاج، ولحم الأرنب أُهدي إليه فقبله وأكل أصحابه.
  • أكل من الحوت الذي ألقاه البحر لأصحاب سرية الخبط، والجراد غزَوا معه فأكلوه.
  • أُتي بـالضبّ فلم يأكله ولم يحرّمه وقال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» — وأكل خالد بحضرته.
  • وحرّم لحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر.

◆ الإدام والألبان

  • «نِعم الإدام الخلّ» — دخل بيته فسأل: «هل عندكم أُدُم؟» قالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به وجعل يأكل ويقول ذلك.
  • العسل: كان يحبّ الحلواء والعسل، وقال في الشفاء: «اسقه عسلًا».
  • الزيت: «كلوا الزيت وادّهنوا به؛ فإنه من شجرةٍ مباركة».
  • السمن والأقِط واللبن، وكان جيرانه من الأنصار يبعثون إليه من ألبان مَنائحهم.
  • والدُّبّاء (القرع): قال أنس: فرأيته يتتبّع الدُّبّاء من حوالي القصعة، فلم أزل أحبّ الدُّبّاء من يومئذٍ.

◆ ما كان يشرب

  • الماء: وكان يعجبه البارد الحلو، ويشرب من الآبار المعروفة كبئر السقيا.
  • اللبن: وإذا شربه قال: «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه» — ولم يقلها في غيره؛ وقال: «ليس شيءٌ يجزئ مكان الطعام والشراب غير اللبن».
  • النبيذ — وهو نقيع التمر أو الزبيب في الماء يُشرب قبل أن يشتدّ: يُنبذ له أول الليل فيشربه يومه وليلته والغد، فإن بقي أهراقه.
  • وشرب العسل بالماء، وشرب من ماء زمزم وحمله معه.
  • وشرب قائمًا مرة من زمزم، والغالب من هديه الشرب قاعدًا.

◆ آداب شربه

  • يشرب على ثلاثة أنفاس ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ».
  • يُبعد الإناء عن فيه عند التنفّس، ونهى أن يُتنفّس في الإناء أو يُنفخ فيه.
  • نهى عن الشرب من فم السقاء مباشرة، وعن اختناث الأسقية.
  • يبدأ بمن على يمينه: شرب لبنًا وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فاستأذن الغلام فأبى فأعطاه.
  • وساقي القوم آخرهم شربًا.

◆ هيئته على الطعام

  • يأكل بـثلاث أصابع، وباليمين، ومما يليه: «يا غلام، سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
  • لا يأكل متّكئًا: «لا آكل متّكئًا»، ويقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد».
  • يجلس مُقعيًا أحيانًا: «إني أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد».
  • ما عاب طعامًا قط: إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه.
  • «اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يُبارَك لكم فيه» — نهى عن الأكل متفرّقين.
  • وإذا فرغ قال: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه ربَّنا» — رواه البخاري.

◆ ما تركه وما نهى عنه

  • الثوم والبصل النيّئ قبل المسجد — ولم يحرّمه: «إني أُناجي من لا تناجون».
  • الشُّرب في آنية الذهب والفضة: «فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة».
  • الإسراف: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن… فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنفسه».
  • وما ذُبح على النُّصُب أو لغير الله، والميتة والدم ولحم الخنزير.
  • وكلّ ذي نابٍ من السباع ومخلبٍ من الطير.

◆ وحال مائدته عمومًا

  • قالت عائشة: «ما شبع آل محمد ﷺ من خبز شعيرٍ يومين متتابعين حتى قُبض».
  • وقالت: إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال — ثلاثة أهلّة في شهرين — وما أُوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار. قيل: فما كان يُعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء.
  • وربط الحجر على بطنه من الجوع يوم الخندق — ويُروى أنه ربط حجرين.
  • وخرج ذات ليلةٍ من الجوع فلقي أبا بكر وعمر وقد أخرجهما الجوع، فأكلوا عند أنصاريّ رطبًا ولحمًا، فقال: «لتُسألنّ عن هذا النعيم يوم القيامة».
  • ومات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعيرٍ أخذها لأهله.
تنبيه: ما في هذا القسم وصفٌ لهديه ﷺ في طعامه، لا وصفةً علاجية. وما ورد في العجوة والتلبينة والعسل يُؤخذ على أنه هديٌ نبوي مبارك، ولا يُترك به علاجُ الأطباء لمن به مرض. وقد أمر ﷺ بالتداوي وسؤال أهل الاختصاص.
«إن الله جميلٌ يحبّ الجمال»

هديه ﷺ في اللباس والزينة والطِّيب

جمعَ بين البساطة والجمال: لباسه من متاح بلده لا يتكلّف، ونظافته وطِيبه مضربُ مثل، ونهيه عن الخيلاء وعن الإسراف في آنٍ واحد.

◆ ما كان يلبس

  • أحبّ الثياب إليه القميص، وكان كُمّه إلى الرُّسغ.
  • يحبّ الحِبَرة — بُردٌ يماني مخطّط — ولبس البُرد الأحمر (المخطّط) في العيدين والجمعة.
  • «البسوا من ثيابكم البياض؛ فإنها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم».
  • لبس ما تيسّر: الصوف والقطن، ولبس جبّةً روميّة ضيّقة الكمّين، ولبس العمامة وأرخى طرفها.
  • وكان له نعلان لكل واحدةٍ قِبالان، ويأمر بالبدء باليمنى في الانتعال.
  • وله خاتم من فضة فصّه حبشي، نقشه «محمد رسول الله» ثلاثة أسطر — ونهى أن ينقش أحدٌ على نقشه.

◆ النظافة والطِّيب

  • «الطُّهور شطر الإيمان» — رواه مسلم.
  • السواك: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، وكان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك.
  • «حُبّب إليّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة».
  • «لا يردّ الطِّيب» إذا أُهدي إليه، وكان يُعرف بريحه إذا أقبل.
  • خصال الفطرة: قصّ الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاستنجاء.
  • وأمر بالغسل يوم الجمعة والتطيّب، وأنكر على من حضر بريحٍ كريهة.

◆ ما نهى عنه

  • الخيلاء: «من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» — والعلّة الخيلاء.
  • الحرير والذهب على الرجال، وأحلّهما للنساء، ورخّص في الحرير لعلّةٍ كالحكّة.
  • لبس الشهرة: «من لبس ثوب شهرةٍ في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلّةٍ يوم القيامة».
  • التشبّه: لعن المتشبّهين من الرجال بالنساء والمتشبّهات من النساء بالرجال.
  • الوشم والوصل والنمص وتفليج الأسنان للحسن — تغيير الخلقة.
  • وأمر بالاعتدال: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة».

◆ جماله وهيئته

  • كان يرجّل شعره ويحبّ التيمّن في تنعّله وترجّله وطهوره.
  • رأى رجلًا ثائر الرأس فقال: «أما كان يجد هذا ما يسكّن به شعره؟».
  • ورأى آخر في ثيابٍ وسخة فقال: «أما كان هذا يجد ماءً يغسل به ثوبه؟».
  • وسُئل عن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال: «إن الله جميلٌ يحبّ الجمال؛ الكِبر بَطَر الحقّ وغَمْط الناس».
  • وكان يتجمّل للوفود ويوم الجمعة، ويحبّ حسن الهيئة.
أثره في الرجال

قبل وبعد: كيف غيّر ﷺ من حوله؟

أصدق دليلٍ على المربّي ما صنعه في تلاميذه. وهؤلاء أناسٌ نعرف حالهم قبله وحالهم بعده — والفرق بينهما هو السيرة كلها في سطرين.

◆ عمر بن الخطاب

  • قبل: خرج متوشّحًا سيفه ليقتله، وكان يعذّب جاريةً لبني عدي أسلمت حتى يملّ.
  • بعد: فاروق الأمة وخليفتها، فُتحت في عهده فارس والشام ومصر — وطُعن وهو يصلي الفجر إمامًا بالناس، فمات شهيدًا بعدها بثلاث.
  • وكان يبكي حتى تسيل دموعه على خدّيه، ويقول: «ليتني كنت كبش أهلي».

◆ خالد بن الوليد

  • قبل: قائد خيل المشركين يوم أُحد، وهو الذي التفّ من الثغرة فقلب المعركة على المسلمين.
  • بعد: سيف الله المسلول، أنقذ الجيش يوم مؤتة، وفتح العراق والشام.
  • وقال عند موته: ما في جسدي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ بسيف أو طعنةٌ برمح، وها أنا أموت على فراشي.

◆ وحشي بن حرب

  • قبل: قتل حمزة عمّ النبي ﷺ بحربته طمعًا في العتق.
  • بعد: أسلم، ثم قتل مسيلمة الكذّاب بالحربة نفسها.
  • وقال: قتلتُ بها خير الناس بعد رسول الله ﷺ، وشرّ الناس.

◆ عكرمة بن أبي جهل

  • قبل: ابن ألدّ أعدائه، وقاتل معه في بدر وأُحد والفتح، وهرب إلى البحر مهدور الدم.
  • بعد: أسلم فرحّب به ﷺ — ويُروى أنه قال: «مرحبًا بالراكب المهاجر» (الترمذي، وفي إسناده ضعف) — ونهى عن سبّ أبيه.
  • واستُشهد في أجنادين أو اليرموك — على خلاف — وبه جراحٌ كثيرة. ويُروى أنه طلب الماء فآثر به جريحًا بجانبه فماتوا جميعًا ولم يشربوه، وهي قصة مشهورة لا يثبت إسنادها.

◆ بلال بن رباح

  • قبل: عبدٌ يُطرح في رمضاء مكة والصخرة على صدره، لا يملك من أمره شيئًا.
  • بعد: مؤذّن الإسلام، أذّن يوم الفتح فوق ظهر الكعبة على رؤوس سادة قريش.
  • وسمع ﷺ خشخشة نعليه بين يديه في الجنة.

◆ عمرو بن العاص

  • قبل: سفير قريش إلى النجاشي ليردّ المهاجرين، ومن أشدّ الناس على المسلمين.
  • بعد: أمير سرايا وفاتح مصر، وقال فيه ﷺ: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص».
  • وقال عند موته باكيًا: ما كنت أطيق أن أملأ عينيّ من رسول الله ﷺ إجلالًا له.

◆ أبو سفيان وهند

  • قبل: قاد جيش قريش في أُحد والخندق، وهي التي مثّلت بحمزة ولاكت كبده.
  • بعد: أسلما يوم الفتح، وجعل ﷺ لداره أمانًا: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
  • وذهب بصر أبي سفيان في اليرموك وهو يقاتل الروم تحت راية الإسلام.

◆ مجتمعٌ كامل

  • قبل: يئدون البنات، ويشربون الخمر، ويتقاتلون على ناقةٍ أربعين سنة، ويطوفون بالبيت عراة.
  • بعد: أمّةٌ تحمل العلم والعدل إلى ثلاث قارّات في جيلٍ واحد.
  • ووصفهم جعفر أمام النجاشي: كنا قومًا أهل جاهلية… فبعث الله إلينا رسولًا منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته.
  • وقال أحدهم: «كنا شرّ الناس فجعلنا الله خير الناس بالإسلام».
وهذا هو الجواب العملي لمن سأل: ما الدليل على صدقه؟ — رجلٌ حوّل قبائل الثأر إلى أمّةٍ في ثلاثٍ وعشرين سنة، وهذه ثمرةٌ لا تُصنع بالخديعة ولا تدوم بها.
على الأرض

رحلاته وأسفاره ﷺ

لم يكن رجل مكانٍ واحد؛ سافر تاجرًا وداعيًا ومهاجرًا وغازيًا وحاجًّا. وهذه أسفاره المعروفة مرتّبة.

٦ سنوات~577م
إلى المدينة (يثرب) مع أمّه آمنة لزيارة أخوالها وقبر أبيه — أول سفرٍ في حياته، ورجعت به فماتت في الأبواء.
١٢ سنة~583م
إلى الشام مع عمّه أبي طالب في قافلة تجارة، وفيها لقاء الراهب بحيرى ببُصرى.
٢٥ سنة~596م
إلى الشام ثانيةً تاجرًا في مال خديجة ومعه ميسرة، ثم كان الزواج.
١٠ نبوية619م
إلى الطائف ماشيًا مع زيد بن حارثة يلتمس النصرة — نحو ٨٠ كم ذهابًا ومثلها إيابًا في الجبال.
ليلًاالإسراء
إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلا — أعظم رحلةٍ في التاريخ، وليست من أسفار الأرض المعتادة.
١ هـ622م
الهجرة من مكة إلى المدينة عبر طريق الساحل: نحو ٤٥٠ كم في ثمانية أيام تقريبًا، مع ثلاث ليالٍ في غار ثور.
٢ – ٥ هـ
أسفار الغزوات حول المدينة: بدر (١٥٠ كم جنوبًا)، أُحد (شمال المدينة مباشرة)، دومة الجندل (نحو ٧٠٠ كم شمالًا)، بني المصطلق (المريسيع غربًا).
٦ هـ
إلى الحديبية غرب مكة معتمرًا في ١٤٠٠ من أصحابه — رحلةٌ انتهت بصلحٍ لا بقتال.
٧ هـ
إلى خيبر (نحو ١٦٠ كم شمال المدينة)، ثم وادي القرى، ثم عمرة القضاء إلى مكة.
٨ هـ
إلى مكة فاتحًا في عشرة آلاف، ثم حنين والطائف — وهي المدينة التي طُرد منها قبل نحو إحدى عشرة سنة، عاد إليها بجيش، ثم رفع الحصار ودعا لأهلها بالهداية.
٩ هـ
إلى تبوك في أقصى الشمال (نحو ٧٠٠ كم) في حرٍّ شديد وقلّة ماء — أبعد نقطةٍ بلغها بنفسه نحو الشام في غزوة، وأقام بها نحو عشرين ليلة.
١٠ هـ
حجة الوداع إلى مكة — آخر أسفاره، ورجع منها إلى المدينة فتوفي بعد نحو ثمانين يومًا.

◆ هديه في السفر

  • يحبّ الخروج يوم الخميس وأول النهار، ويكره السفر وحده.
  • «إذا كان ثلاثةٌ في سفر فليؤمّروا أحدهم».
  • يقصر الصلاة ويجمع عند الحاجة، ويفطر في السفر ويقول: «ليس من البرّ الصيام في السفر».
  • يسير في ساقة الجيش يزجي الضعيف ويُردف ويدعو لهم.
  • «السفر قطعةٌ من العذاب… فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجّل إلى أهله».
  • وإذا رجع بدأ بالمسجد فصلّى ركعتين، ونهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا.

◆ ملاحظة على المسافات

  • كل هذه الأسفار كانت على الإبل والخيل والأقدام في صحراء بلا طرق ولا ماء مضمون.
  • سفرة تبوك وحدها نحو ١٤٠٠ كم ذهابًا وإيابًا، في رجب — أشدّ الحرّ — مع ثلاثين ألفًا.
  • وخرج إلى الطائف ماشيًا ومعه رجلٌ واحد، ورجع مطرودًا مُدمى القدمين.
  • وقد جمع في حياته بين راعي غنمٍ في أجياد وقائد جيشٍ على تخوم الروم.
جغرافيا السيرة

أماكن السيرة ومعالمها

أحداث السيرة ليست في فراغ؛ لها مواضع معروفة إلى اليوم، ومعرفتها تجعل القصة أوضح في الذهن.

◆ غار حراء

في جبل النور شمال شرق مكة، على نحو ٤ كم من الحرم، يُصعد إليه في مشقة. فيه كان يتحنّث، وفيه نزل الوحي أول مرة.موضع ﴿اقرأ﴾

◆ غار ثور

في جبل ثور جنوب مكة — عكس طريق المدينة — مكث فيه مع أبي بكر ثلاث ليال أثناء الهجرة.﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾

◆ الكعبة والحِجْر

البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل. والحِجْر جزءٌ من البيت تركته قريش لقصور النفقة الطيّبة، ولذلك قال ﷺ: لولا حداثة قومك بالكفر لأدخلت الحِجْر في البيت.صحيح البخاري

◆ دار الأرقم

عند الصفا، أول مقرّ للدعوة السرية ثلاث سنين، فيها أسلم عمر. تُسمّى «دار الإسلام».مركز الدعوة الأول

◆ شِعب أبي طالب

شِعبٌ في مكة حُصر فيه بنو هاشم ثلاث سنين حتى أكلوا ورق الشجر، وفيه عُلّقت الصحيفة الظالمة حتى أكلتها الأرَضة.سنوات الحصار

◆ مسجد قباء

جنوب المدينة، أول مسجد أُسّس على التقوى، بناه ﷺ قبل دخوله المدينة وأقام فيه بضع عشرة ليلة كما في البخاري — وقيل: أربع ليالٍ. وكان يأتيه كل سبت.﴿لمسجدٌ أُسّس على التقوى﴾

◆ المسجد النبوي والروضة

بناه ﷺ بيده مع أصحابه من اللَّبِن والجريد. وفيه الروضة ما بين بيته ومنبره، قال: «ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة». وفي حجرة عائشة قبره الشريف وقبرا صاحبيه.متفق عليه

◆ مسجد القبلتين

في بني سلمة، يُروى أنه ﷺ صلّى فيه فتحوّل في أثناء الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة فسُمّي ذا القبلتين. والثابت في البخاري أن أول صلاةٍ صلّاها إلى الكعبة كانت في مسجده، وأن أهل قباء بلغهم الخبر وهم في الصلاة فاستداروا.السنة الثانية للهجرة — صحيح البخاري، والطبقات لابن سعد

◆ بدر

ماءٌ جنوب غرب المدينة على طريق الشام، وقعت عنده أول معركة فاصلة في ١٧ رمضان ٢هـ، وفيها قليب بدر الذي أُلقي فيه صناديد قريش.يوم الفرقان

◆ جبل أُحد والرماة

شمال المدينة، وقعت عنده غزوة أُحد. وعنده جبل الرماة الصغير الذي نزل منه الرماة فانقلبت المعركة، وفيه قبور الشهداء وعلى رأسهم حمزة. قال ﷺ: «أُحدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه».متفق عليه

◆ الخندق (سلع)

حُفر الخندق شمال المدينة عند جبل سلع، لأن باقي الجهات حرّاتٌ ونخيلٌ متشابك يمنع الخيل — دلالةٌ على دقّة التخطيط الميداني.٥ هـ

◆ الحديبية وخيبر وتبوك

الحديبية غرب مكة على حدود الحرم حيث الصلح والبيعة، وخيبر شمال المدينة بنحو ١٦٠ كم، وتبوك في أقصى الشمال على تخوم الشام — أبعد ما بلغه ﷺ بنفسه، أما سرية مؤتة فجاوزتها.٦ – ٩ هـ

الوحي على مدى ٢٣ سنة

القرآن في حياته ﷺ

لم ينزل القرآن جملةً واحدة، بل نزل مفرَّقًا على الأحداث ثلاثًا وعشرين سنة: يجيب عن سؤال، ويعالج خطأ، ويثبّت في شدّة، ويشرّع عند الحاجة. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾.

◆ الأوائل والأواخر

  • أول ما نزل مطلقًا: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ — صدر سورة العلق.
  • أول ما نزل بعد الفترة: ﴿يا أيها المدثر﴾ — وبها بدأ الإنذار.
  • أول سورة نزلت كاملة: قيل: الفاتحة، وقيل: المدثر.
  • آخر سورة نزلت كاملة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾.
  • آخر آية نزلت: قيل ﴿واتقوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله﴾، وقيل آية الدَّين، وقيل آية الكلالة — والمسألة خلافية عند المفسّرين.

◆ المكي والمدني

  • المكي — نحو ثلثي القرآن: التوحيد، والبعث، وقصص الأنبياء، ومجادلة المشركين. آياته قصار، وفواصله قوية، وخطابه: «يا أيها الناس».
  • المدني: التشريع والأحكام والجهاد والمعاملات وأحوال أهل الكتاب والمنافقين. آياته طوال، وخطابه غالبًا: «يا أيها الذين آمنوا».
  • ولذلك بُنيت العقيدة ثلاث عشرة سنة قبل أن تُفرض أكثر الأحكام — منهجٌ في التربية قبل التكليف.

◆ نزل في حادثة

  • سورة المسد — بعد كلمة أبي لهب على الصفا.
  • ﴿عبس وتولى﴾ — عتابًا له في ابن أم مكتوم.
  • ﴿إن الذين جاءوا بالإفك﴾ — تبرئة عائشة بعد شهر من الألم.
  • سورة الحشر — في إجلاء بني النضير، والأحزاب في الخندق، والفتح في الحديبية.
  • ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها﴾ — امرأةٌ اشتكت زوجها فسمع الله شكواها من فوق سبع سماوات.
  • ﴿يسألونك﴾ — تكرّرت مرارًا جوابًا لأسئلة الصحابة عن الأهلّة والخمر واليتامى والروح.

◆ كيف كان يتلقّاه؟

  • كان يحرّك لسانه بالوحي يعجل به مخافة أن ينساه، فنزل: ﴿لا تحرّك به لسانك لتعجل به ۝ إن علينا جمعه وقرآنه﴾ — ضمانٌ إلهي بالحفظ.
  • يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه، أو يتمثّل له الملك رجلًا.
  • ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيَفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقًا.
  • يأمر الكتّاب فور نزول الآية: «ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا» — فالترتيب توقيفي.
  • لم يمت حتى جُمع القرآن في الصدور والسطور، ثم جُمع في مصحف في عهد أبي بكر، ووُحّد في عهد عثمان.
تنظيم بلا بيروقراطية

من حوله: مؤذّنوه وكتّابه وأمراؤه

بنى ﷺ دولةً في عشر سنين بلا دواوين ورقية ولا رواتب ثابتة، لكن بتوزيعٍ دقيق للمهام: لكل عملٍ رجالٌ معروفون بأسمائهم.

◆ مؤذّنوه

  • بلال بن رباح — أول مؤذّن في الإسلام، ومؤذّنه في الحضر والسفر.
  • عبد الله بن أم مكتوم — الأعمى، كان يؤذّن للفجر بعد بلال أو قبله.
  • أبو محذورة — مؤذّنه بمكة بعد الفتح، وكان يستهزئ بالأذان فعلّمه ﷺ إياه ودعا له.
  • سعد القُرَظ — مؤذّن مسجد قباء.

◆ كتّابه ورسله

  • زيد بن ثابت وأُبيّ بن كعب — أكثر من كتب الوحي.
  • معاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد — من كتّاب رسائله وعهوده.
  • دِحية الكلبي إلى هرقل، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، وعمرو بن أمية إلى النجاشي.
  • وكان له خاتم من فضة نقشه «محمد رسول الله» يختم به الكتب.

◆ أمراؤه وولاته

  • معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري — على اليمن قاضيين ومعلّمين.
  • عليّ بن أبي طالب — قاضيًا على اليمن، وأميرًا على سرايا.
  • عتّاب بن أُسيد — على مكة بعد الفتح وهو ابن نحو عشرين سنة.
  • عثمان بن أبي العاص — على الطائف، أمّره لأنه رآه أحرصهم على تعلّم القرآن.
  • أسامة بن زيد — على جيشٍ فيه كبار المهاجرين وهو ابن ثماني عشرة.

◆ حرّاسه وخدمه

  • كان يُحرس في أول الأمر، فلما نزلت ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أخرج رأسه وقال: «يا أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله».
  • ممن حرسه: سعد بن أبي وقاص والزبير ومحمد بن مسلمة وذكوان.
  • من خدمه: أنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود صاحب النعلين والسواك والوسادة، وعقبة بن عامر يقود بغلته.
  • ومن مواليه: ثوبان، وأبو رافع، وسفينة، وأنجشة الحادي الذي قال له: «رويدك يا أنجشة، رفقًا بالقوارير».

◆ بيت المال والصدقات

  • لم يكن للمال خزانةٌ تُدّخر؛ كان يقسم ما يأتيه في يومه ولا يبيت عنده منه شيء.
  • بعث السعاة على الصدقات إلى القبائل، وحاسبهم — وقصة ابن اللُّتبيّة الذي قال: «هذا لكم وهذا أُهدي إليّ»، فخطب ﷺ وقال: «أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا؟».
  • حرّم الصدقة على نفسه وعلى آل بيته: «إنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد»، ورأى الحسن يأخذ تمرة من الصدقة فقال: «كخ كخ، ألقها».
  • وقال: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة» — فلا ملك ولا ميراث ولا امتياز.

◆ شؤون المدينة

  • جعل السوق حرًّا لا ضريبة فيه ولا مقاعد محجوزة، ونهى عن تلقّي الركبان والنجش.
  • حمى نقيع الخيل مرعًى لخيل المسلمين، وحرّم صيد المدينة وشجرها.
  • نظّم المياه والآبار، وأمر بشراء بئر رومة لتكون للناس.
  • استخلف على المدينة كلما خرج غازيًا — ابن أم مكتوم مرارًا، وعليًّا في تبوك.
الأحاديث في هذا القسم مخرَّجة في الصحيحين والسنن، وأسماء الكتّاب والأمراء في «الطبقات» لابن سعد و«زاد المعاد» لابن القيم.
ما ملكت يداه

متاعه وسلاحه ودوابّه ﷺ

حكم جزيرة العرب كلها ومات ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير، ولم يترك دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة، إلا بغلته وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة.

◆ دوابّه

  • القَصواء — ناقته التي هاجر عليها وخطب عليها في حجة الوداع.
  • دُلدُل — بغلته الشهباء التي أهداها المقوقس، وعاشت بعده. وثبت يوم حنين على بغلةٍ بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي — كما في صحيح مسلم.
  • السَّكْب واللِّزاز والظَّرِب — من خيله.
  • يَعفور وعُفَير — من حميره.
  • البُراق — الدابة التي أُسري به عليها، وليست من متاع الدنيا.

◆ سلاحه

  • ذو الفَقار — سيفه الذي أصابه يوم بدر.
  • ذات الفُضول — درعه التي رُهنت عند اليهودي.
  • قوسٌ اسمها الكَتوم، ومِغفر، وترسٌ، ورمح.
  • لبس يوم أُحد درعين، ولم يمنعه توكّله من الأخذ بالأسباب.

◆ بيته ومتاعه

  • حجرات صغيرة من لبِنٍ وجريد، يبلغها الرجل بيده إذا رفعها.
  • فراشه أَدَم حشوه ليف، وينام على حصيرٍ يؤثر في جنبه.
  • دخل عليه عمر فبكى لما رأى أثر الحصير في جنبه فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟»
  • قال ﷺ: «ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها».
  • قال: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة» — فلم يورّث ملكًا ولا مالًا، وإنما ورّث العلم.
تأييد السماء

من معجزاته ﷺ

أيّده الله بمعجزات باهرة تشهد لصدق نبوته، أعظمها معجزة باقية إلى يوم القيامة يقرؤها كل أحد.

۞ القرآن الكريم

المعجزة الخالدة: تحدّى الله به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة — فعجزوا وهم أهل الفصاحة. وتكفّل بحفظه فلم يتبدّل منه حرف في أربعة عشر قرنًا.﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: 88]

۞ الإسراء والمعراج

رحلة من المسجد الحرام إلى الأقصى ثم إلى السماوات العلا في جزءٍ من ليلة، ووصفَ لقريش بيتَ المقدس وصفًا مطابقًا وفيهم من رآه.[الإسراء: 1] — والحديث متفق عليه

۞ انشقاق القمر

سأله أهل مكة آية، فانشقّ القمر فِلقتين حتى رأوا حِراء بينهما، فقال: «اشهدوا».﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ — متفق عليه

۞ نبع الماء من بين أصابعه

عطش الناس يوم الحديبية وليس بين يديه إلا رَكوة يتوضأ منها، فوضع يده فيها فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فشرب الناس وتوضؤوا وهم نحو ألفٍ وخمسمئة. قال جابر: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة.متفق عليه

۞ تكثير الطعام

يوم الخندق أشبع الجيش — نحو ألف — من صاعِ شعير وعَناق، وقام الطعام كما هو. ودعا في تمرٍ قليل لجابر ففيه دَينه كله وبقي مثله.متفق عليه

۞ حنين الجذع

كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما صُنع له المنبر وتركه، سُمع للجذع صوتٌ كصوت العشار — وفي رواية: كأنين الصبي — حتى نزل ﷺ فاحتضنه فسكن. قال الحسن البصري: الخشبة تحنّ إليه شوقًا، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه.رواه البخاري

۞ تسليم الحجر والشجر

قال ﷺ: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن». وجاءته شجرة تخدّ الأرض حتى وقفت بين يديه ثم رجعت إلى مكانها بأمره.رواه مسلم؛ وحديث الشجرة عند الدارمي وأحمد بإسناد حسن، وفي صحيح مسلم أنه جمع بين شجرتين فانقادتا له ثم رجعتا

۞ شكوى البعير

دخل حائطًا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فمسح ذِفراه فسكن، فسأل عن صاحبه فقال: «أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنك تُجيعه وتُدئبه».رواه أبو داود وأحمد

۞ إخباره بالغيب

أخبر بما أطلعه الله عليه فوقع كما قال: فتح فارس والروم، وكنوز كسرى، وقتل الحسين، وأن عمّارًا تقتله الفئة الباغية، وأن ابنه الحسن يُصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين — وقد كان كل ذلك.أحاديث في الصحيحين، وخبرُ قتل الحسين عند أحمد والبيهقي بإسنادٍ فيه كلام

۞ بركة دعائه

دعا لأنس بكثرة المال والولد فصار من أكثر الأنصار مالًا وولدًا. ودعا لابن عباس بالفقه في الدين فصار حبر الأمة. ودعا على عتبة بن أبي لهب فأكله الأسد. ودعا لأم أبي هريرة بالهداية فأسلمت من ساعتها.متفق عليه، ومسلم؛ وقصة عتبة عند الحاكم والبيهقي بإسنادٍ فيه كلام

من جوامع كلمه

أحاديث خالدة من هديه ﷺ

أوتي ﷺ جوامع الكلم: كلماتٌ قليلة تحمل معاني عظيمة، صحّت بها الأسانيد إلينا.

«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى»

متفق عليه — أول حديث في صحيح البخاري

«إنما بُعثتُ لأتمّم صالح الأخلاق»

رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد — وصححه الألباني

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين»

متفق عليه

«المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»

متفق عليه

«لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه»

متفق عليه

«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»

رواه الترمذي وابن ماجه

«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

رواه أبو داود والترمذي

«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»

متفق عليه

«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة»

رواه مسلم

«اتقِ الله حيثما كنت، وأتبِع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخلقٍ حسن»

رواه الترمذي وحسّنه

«من صلّى عليّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا»

رواه مسلم

«الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»

رواه مسلم

وثائق السيرة

نصوص رسائله وعهوده ﷺ

لم تكن دعوته خطبًا فقط؛ كانت وثائق مكتوبة ومختومة. وهذه أشهر ما نُقل من نصوصها — بعضها في الصحيحين، وبعضها في كتب السير بأسانيد متفاوتة.

كتابه إلى هِرَقل عظيم الروم

روى البخاري نصّه في أول صحيحه:

«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمدٍ عبد الله ورسوله، إلى هِرَقل عظيم الروم. سلامٌ على من اتّبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلِم تسلَم، يؤتك الله أجرك مرتين؛ فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيّين. و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾»

وتأمّل دقّة الصياغة: «عبد الله ورسوله» — يبدأ بالعبودية قبل الرسالة. و«عظيم الروم» لا «ملك الروم» — لأن المُلك المطلق لله. وسلامٌ مشروط بمن اتّبع الهدى لا سلامٌ مطلق. و«أجرك مرتين» لأنه من أهل الكتاب فيؤجر بإيمانه بعيسى ثم بمحمد ﷺ. ثم يختم بآيةٍ تدعو إلى القدر المشترك بين الديانتين — خطابٌ في أربعة أسطر يجمع الحزم والأدب والدعوة.

صحيح البخاري — كتاب بدء الوحي

كتبه إلى بقية الملوك

◂ إلى كسرى: «من محمدٍ رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلامٌ على من اتّبع الهدى وآمن بالله ورسوله... أسلِم تسلَم، فإن أبيتَ فعليك إثم المجوس». فمزّقه كسرى واستكبر فقال ﷺ: «مزّق الله ملكه».

◂ إلى المقوقس عظيم القبط بمصر: بنحو ذلك، وزاد: «فإن توليت فإن عليك إثم القبط». فردّ ردًّا حسنًا وأهدى ولم يُسلم، ويُروى أنه ﷺ قال: «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه» — ولا يثبت إسناده.

◂ إلى النجاشي: وفيه ذكر عيسى ابن مريم: «وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة» — فأسلم النجاشي.

◂ إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وهَوذة صاحب اليمامة، وجيفر وعبد ملكَي عُمان، والحارث الغساني — وقد أسلم بعضهم وأبى بعضهم.

وقد عُثر في العصر الحديث على وثائق يقال إنها أصول بعض هذه الكتب، وفي ثبوت نسبتها خلافٌ بين الباحثين — والمعوَّل عليه النصوص المروية في كتب الحديث والسير لا القطع بأصولٍ مادية.

صحيح البخاري ومسلم، وسيرة ابن هشام، والطبقات

صحيفة المدينة: أهم بنودها

كتب ﷺ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه يهود المدينة. ومن أشهر بنوده:

◂ «إنهم أمّةٌ واحدة من دون الناس» — تأسيس كيانٍ سياسي جامع.

◂ «وإن المؤمنين لا يتركون مُفرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداءٍ أو عقل» — التكافل في الفداء والديات.

◂ «وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين» — مشاركة في نفقة الدفاع.

◂ «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم» — حرية الاعتقاد صراحةً في وثيقةٍ مكتوبة.

◂ «وإن بينهم النصر على من دَهَم يثرب» — الدفاع المشترك عن المدينة.

◂ «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدثٍ أو اشتجارٍ يُخاف فساده فإن مردّه إلى الله وإلى محمد رسول الله» — مرجعية واحدة للتحاكم.

◂ «وإن الجار كالنفس غير مُضارٍّ ولا آثم»، و«وإن يثرب حرامٌ جوفها لأهل هذه الصحيفة».

◂ «وإنه لا يأثم امرؤٌ بحليفه» — لا مسؤولية جماعية على جريمة فرد.

سيرة ابن هشام بنصّها الكامل

عهوده لأهل الكتاب وغيرهم

◂ عهد نجران: صالح نصارى نجران على الجزية، وكتب لهم أمانًا على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وبيَعهم، وألّا يُغيَّر أسقفٌ عن أسقفيته ولا راهبٌ عن رهبانيته.

◂ وثيقة صلح الحديبية: وضع الحرب عشر سنين، وأمن الناس بعضهم بعضًا، ومن أحبّ أن يدخل في عقد محمد دخل ومن أحبّ عقد قريش دخل. ومحا ﷺ بيده «محمد رسول الله» وكتب «محمد بن عبد الله» وفاءً بالاتفاق — حرصًا على السلم لا تنازلًا عن الحق.

◂ ووصيّته في العهود عامة: «من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة». وقال: «من قتل معاهدًا لم يَرَح رائحة الجنة».

سنن أبي داود، وصحيح البخاري، وكتب الخراج والسير
إخوته من الرسل

الأنبياء في حديثه ﷺ

قال ﷺ: «الأنبياء إخوةٌ لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» — أي أصل الدين واحد والشرائع مختلفة. ولم يكن يذكر نبيًّا قبله إلا بالتعظيم، ونهى عن التفضيل الذي يُنقص أحدًا منهم.

◆ إبراهيم عليه السلام

أبوه في النسب وفي الملّة: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال ﷺ لما رآه ليلة المعراج: «لم أرَ رجلًا أشبه بصاحبكم» — أي بنفسه. وأمر أن تكون الصلاة عليه مقرونةً بالصلاة على إبراهيم وآله في كل صلاة.متفق عليه

◆ موسى عليه السلام

ذكره كثيرًا وأثنى عليه، وقال حين أُوذي في قسمة: «رحم الله موسى، لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر». وهو الذي أشار عليه ليلة المعراج بمراجعة ربّه في تخفيف الصلاة رحمةً بأمته. وصام عاشوراء وقال: «نحن أحقّ بموسى منكم».متفق عليه

◆ عيسى عليه السلام

قال: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، وليس بيني وبينه نبي». ونهى عن الغلوّ فيه وفي نفسه: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم». وأخبر بنزوله في آخر الزمان حَكَمًا عدلًا.متفق عليه

◆ يوسف عليه السلام

قال: «ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبتُ الداعي» — تواضعًا وثناءً على صبره. واقتبس قوله يوم الفتح مع قريش: «لا تثريب عليكم اليوم». وقالته عائشة يوم الإفك: «فصبرٌ جميل».متفق عليه

◆ نوح ويونس وأيوب

ذكر نوحًا أول رسولٍ يأتيه الناس يوم القيامة للشفاعة. وقال: «ما ينبغي لعبدٍ أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن متّى». وأثنى على صبر أيوب. وقال لعدّاس النصراني في الطائف عن يونس: «ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبي».متفق عليه، والسير

◆ داود وسليمان

«أحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا». وذكر دعوة سليمان: «ربّ هبْ لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي» فترك بسببها ربط العفريت في المسجد. وقصّ قصة سليمان والمرأتين واللتين تنازعتا الولد.متفق عليه

◆ النهي عن المفاضلة المذمومة

لطم رجلٌ مسلم يهوديًّا لمّا قال: «والذي اصطفى موسى على البشر»، فقال ﷺ: «لا تخيّروني على موسى»، وقال: «لا تفضّلوا بين أنبياء الله» — أي على وجه الانتقاص، وإلا فقد ثبت أن له خصائص ليست لغيره.متفق عليه

◆ موقفه من أهل الكتاب

«إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنّا بالله وما أُنزل إلينا». عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه فعرض عليه الإسلام فأسلم، وقام لجنازة يهودي، وأكل من طعامهم، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي — تعاملٌ إنساني كامل مع خلافٍ عقدي واضح.صحيح البخاري

شهادة السماء

القرآن يتحدّث عنه ﷺ

أعظم ما قيل فيه ليس شعرًا ولا نثرًا؛ بل كلام الله عنه. وقد تناوله القرآن في أبوابٍ ستّة: وصفَه، وناداه، وعاتبه، وثبّته، ودافع عنه، ورفع ذكره.

◆ أولًا: كيف وصفه الله؟

  • ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ — لا لقومه ولا لعصره وحده.
  • ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ — أثنى على خُلقه هو من خلقه.
  • ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ — واسمان من أسماء الله وُصف بهما.
  • ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾.
  • ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ — يشقّ عليه ما يشقّ عليكم.
  • ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، و﴿كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾، و﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

◆ ثانيًا: كيف ناداه؟

  • لم يناده باسمه مجرّدًا قطّ — بخلاف سائر الأنبياء: ﴿يَا آدَمُ﴾، ﴿يَا نُوحُ﴾، ﴿يَا مُوسَىٰ﴾، ﴿يَا عِيسَى﴾.
  • بل ناداه بالوصف تكريمًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾.
  • وفي ساعات الشدّة ناداه بألطف ما يكون: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ — خاطبه بحاله لا باسمه وهو يرتجف.
  • وإذا ذُكر اسمه فبالرسالة: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾.

◆ ثالثًا: أين عاتبه؟

  • ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ — في ابن أم مكتوم.
  • ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ — في إذنه للمتخلّفين عن تبوك؛ بدأ بالعفو قبل العتاب.
  • ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ — في فداء أسرى بدر.
  • ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾.
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.
  • وهذا من أقوى أدلّة صدقه: من يختلق كتابًا لا يضع فيه عتاب نفسه، ثم يأمر أتباعه بتلاوته إلى يوم القيامة.

◆ رابعًا: كيف ثبّته؟

  • ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ۝ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾.
  • ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ۝ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ ۝ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ — نزلت بعد فترة الوحي حين قال المشركون: ودّعه ربه.
  • ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ — في الغار.
  • ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
  • ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ — يخفّف عنه حرصه على هدايتهم.
  • ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ — فصرف الحرس عنه.

◆ خامسًا: كيف دافع عنه؟

  • قالوا: ضالّ. فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾.
  • قالوا: مجنون. فقال: ﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾.
  • قالوا: شاعر. فقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾، و﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾.
  • قالوا: يفتريه. فقال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾.
  • عيّروه بموت أبنائه فقالوا: أبتر. فنزلت سورة كاملة: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ — فانقطع ذكرهم وبقي ذكره.
  • واستهزؤوا به فقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.

◆ سادسًا: كيف رفع ذكره؟

  • ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ — فلا يُذكر الله في أذانٍ ولا شهادةٍ ولا تشهّد إلا ذُكر معه.
  • ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
  • ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.
  • وأخذ عليه ميثاق النبيين جميعًا: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾.
  • وربط طاعته بطاعته سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ومحبتَه بمحبته: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

◆ وأدبٌ فرضه معه

  • ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ — لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضًا.
  • ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ — فكان أبو بكر بعدها لا يكلّمه إلا كأخي السرار.
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
  • ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ — حرمة بيته.
  • ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ — التحاكم إليه شرطُ إيمان.

◆ ووظيفته كما حدّدها القرآن

  • ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ — تلاوة، وتزكية، وتعليم.
  • ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
  • ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ — جاء ليخفّف لا ليثقل.
  • ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ — فالسنة بيانٌ للقرآن لا تستغني عنها.
  • ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ — أما الهداية فبيد الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
ذوقه وميوله

ما كان يحبّ ﷺ وما كان يكره

حُفظ لنا حتى ما كان يميل إليه وما ينفر منه — في العبادة والطعام واللباس والأسماء والناس. وهذه صورةٌ قريبة جدًّا لشخصه.

◆ أحبّ الأعمال إليه

  • «أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ».
  • «حُبّب إليّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعلت قرّة عيني في الصلاة».
  • أحبّ الصيام إليه صيام داود: يصوم يومًا ويفطر يومًا.
  • أحبّ الشهور إليه للتطوّع: شعبان، وأحبّ الأيام: الاثنين والخميس.
  • وأحبّ الكلام إليه أربع: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر».
  • و«أحبّ البلاد إلى الله مساجدها».

◆ أحبّ الناس إليه

  • سُئل: أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة». قيل: من الرجال؟ قال: «أبوها».
  • وقال في خديجة: «إني رُزقت حبّها»، وكان يذكرها بعد موتها بسنين.
  • و«أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس».
  • وأحبّهم إليه مجلسًا يوم القيامة: «أحاسنكم أخلاقًا».
  • وقال لمعاذ: «يا معاذ، والله إني لأحبك». وقال للحسن: «اللهم إني أحبّه فأحبّه».
  • وقال في الأنصار: «آية الإيمان حبّ الأنصار».

◆ ما كان يحبّ من التفاصيل

  • التيمّن: في تنعّله وترجّله وطهوره وشأنه كله.
  • الفأل الحسن ويكره الطِّيَرة، ويعجبه الاسم الحسن.
  • العسل والحلواء والتمر والدُّبّاء والثريد، ويحبّ الذراع من الشاة.
  • البياض من الثياب، والحِبَرة، والقميص أحبّ الثياب إليه.
  • الطِّيب ولا يردّه، والسواك حتى عند الاستيقاظ.
  • ويحبّ أن يبدأ باليمين، وأن يخرج يوم الخميس في سفره، وأن تُبعث السرايا أول النهار.

◆ ما كان يكره

  • الكذب: «كان أبغض الخُلق إليه الكذب»، وما كان خُلقٌ أبغض إليه منه.
  • الإلحاح في المسألة، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وقيل وقال.
  • أن يُمدح في وجهه: «احثوا في وجوه المدّاحين التراب»، ونهى عن الإطراء.
  • أن يقوم له الناس: كانوا لا يقومون له لِما يعلمون من كراهيته لذلك.
  • النوم قبل العشاء والحديث بعدها إلا لمصلحة.
  • الثوم والبصل النيّئ قبل المسجد، والرائحة الكريهة أذًى للناس.
  • التكلّف: قال عمر رضي الله عنه: «نُهينا عن التكلّف» — رواه البخاري. ويُروى مرفوعًا «أنا وأتقياء أمتي بُرآء من التكلّف» ولا يثبت.
  • الظلم والغدر والخيانة وأكل الحرام، وسؤال الناس أموالهم.

◆ وما لم يفعله قط

  • ما ضرب بيده شيئًا قط: لا امرأة ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله.
  • ما انتقم لنفسه من أحدٍ قط.
  • ما عاب طعامًا قط.
  • ما سُئل شيئًا قط فقال: لا.
  • ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
  • ولا كان فاحشًا ولا متفحّشًا ولا صخّابًا في الأسواق.

◆ ما كان يستعيذ منه

  • «الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدَّين وغلبة الرجال».
  • «زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك».
  • «علمٍ لا ينفع، وقلبٍ لا يخشع، ونفسٍ لا تشبع، ودعوةٍ لا يُستجاب لها».
  • «جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء».
  • «الفقر والقلّة والذلّة، وأن أظلم أو أُظلَم».
أحكامٌ له وحده

ما اختصّ به ﷺ من الأحكام دون أمّته

بابٌ يعتني به الفقهاء: أحكامٌ خُصّ بها النبي ﷺ فلا تُقاس عليه فيها أمّته — بعضها تشديدٌ عليه وبعضها توسعةٌ له لمقتضى الرسالة.

◆ ما شُدّد عليه فيه

  • حُرّمت عليه الصدقة وعلى آل بيته: «إنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد» — أوساخ الناس.
  • قيام الليل كان واجبًا عليه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾.
  • لا يُورَث: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة» — فلا مال يورّثه لأبنائه.
  • حُرّم عليه أن يتزوّج على نسائه أو يستبدل بهن بعد أن اخترنه — على أحد القولين في الآية: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾، وأزواجه أمهات المؤمنين لا يُنكحن بعده أبدًا.
  • ومؤاخذته على خلاف الأولى أشدّ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ — والعتاب لمن قربت منزلته.

◆ ما وُسّع له فيه

  • الزيادة على أربع نسوة — لحكمٍ تشريعية واجتماعية بيّنّاها في موضعها.
  • الوصال في الصوم: نهى عنه أصحابه وقال: «إني لست كهيئتكم؛ إني أُطعَم وأُسقى».
  • الزواج بلا مهر فيمن وهبت نفسها له: ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
  • دخول مكة بلا إحرام يوم الفتح، وحلّ القتال فيها له ساعةً من نهار: «فإنها لم تحلّ لأحدٍ قبلي ولا تحلّ لأحدٍ بعدي».
  • والصفيّ من الغنيمة وخُمس الخمس، وقد كان ينفقه كله في سبيل الله.

◆ خصائص في ذاته

  • تنام عيناه ولا ينام قلبه — فلا ينتقض وضوؤه بالنوم.
  • يرى من خلفه كما يرى من أمامه: «إني لأراكم من وراء ظهري».
  • لا يجوز نداؤه باسمه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾.
  • الصلاة عليه واجبة في التشهد، ولا تُشرع مثلها لغيره استقلالًا.
  • ولا يُنكح على بناته — لما استأذن عليٌّ في خطبة بنت أبي جهل منع وقال: «فاطمة بضعةٌ مني».
  • والأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وحياته في قبره حياةٌ برزخية خاصة.

◆ لماذا يهمّ هذا الباب؟

  • لئلّا يُستدلّ بفعلٍ خاصٍّ به على حكمٍ عامّ للناس.
  • ولئلّا يُطعن في الشريعة بما هو خاصٌّ به لعلّةٍ بيّنها الشرع.
  • ولبيان أن القاعدة: أفعاله ﷺ للتأسّي إلا ما دلّ الدليل على اختصاصه به.
  • وقد صنّف العلماء فيه كتبًا مستقلّة، وأفرده ابن القيم في «زاد المعاد» والسيوطي في «الخصائص الكبرى».
مقياس الصدق

ما رفضه ﷺ وهو قادرٌ عليه

يُعرف الرجل بما يقبله، ويُعرف أصدق منه بما يرفضه وهو يستطيع. وهذه مواضع كان بيده فيها أن يأخذ فترك.

◆ المال والمُلك والشرف

عرضت عليه قريش — على لسان عتبة — المال حتى يكون أكثرهم مالًا، والسيادة حتى لا يُقطع أمرٌ دونه، والمُلك حتى يملّكوه عليهم؛ على أن يترك ما هو فيه. فما زاد على أن قرأ عليه سورة فصّلت. ويُروى أنه قال لعمّه: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته» — بإسنادٍ لا يثبت، لكن معناه ثابتٌ من حاله ﷺ.سيرة ابن هشام مرسلًا

◆ إهلاك قومه

عرض عليه ملك الجبال أن يُطبق على أهل مكة الأخشبين بعد أن أدموا قدميه في الطائف، فقال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا». وقد كان.متفق عليه

◆ أن يكون ملِكًا

عُرض عليه أن يكون نبيًّا ملِكًا أو نبيًّا عبدًا، فأشار إليه جبريل أن تواضع، فقال: «بل نبيًّا عبدًا». ولذلك كان يقول: «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد».مسند أحمد، وصححه جماعة

◆ أن تكون له جبال الذهب

عُرض عليه أن تكون له بطحاء مكة ذهبًا، فقال: «لا يا ربّ، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا؛ فإذا جعتُ تضرّعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك».رواه الترمذي وحسّنه، وضعّف إسناده آخرون

◆ المساومة على الدين

ساومه بنو عامر على النصرة مقابل أن يكون لهم الأمر من بعده، فقال: «الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء» — فرفضوا ورجع بلا نصرة. وطلب هَوذة صاحب اليمامة أن يُشركه في الأمر مقابل إسلامه فأبى.سيرة ابن هشام

◆ أن يُعبَد أو يُعظَّم

أراد أصحابه أن يسجدوا له فمنعهم، وقاموا له فكرهه، ومدحه رجل في وجهه فزجره (وقصة طلب السجود له عند أبي داود وأحمد). وقال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله». ولمّا كسفت الشمس يوم مات ابنه ونسبها الناس إليه صعد المنبر يردّ ذلك.صحيح البخاري

◆ الانتقام يوم قدر

دخل مكة في عشرة آلاف على من عذّبوه وأخرجوه وقتلوا أصحابه ومثّلوا بعمّه، فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وعفا عن قاتل عمّه ومن مثّلت به.سيرة ابن هشام

◆ قتل من يستحقّ عنده

استأذنه عمر في قتل ابن أُبيّ رأس المنافقين فقال: «لا، لا يتحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». واستأذنه في قتل حاطب فقال: «وما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم».متفق عليه

◆ التسعير على الناس

غلت الأسعار فقالوا: سعّر لنا! فقال: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدٌ يطالبني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مال» — امتنع عن سلطةٍ يملكها حفظًا لحقوق الناس.رواه أبو داود والترمذي

◆ أن يورّث أهله

لم يورّث أحدًا من ولده ولا زوجاته مالًا ولا مُلكًا: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة». وجاءته فاطمة تسأله خادمًا فلم يعطها وعلّمها التسبيح، ومنع الحسن من تمرة الصدقة.متفق عليه

◆ الشفاعة في حدٍّ

شُفع عنده في المخزومية التي سرقت فتلوّن وجهه وقال: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟… وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».متفق عليه

◆ أن يُخصّ بالراحة

حفر الخندق مع أصحابه وربط الحجر على بطنه، ونقل اللَّبِن في بناء المسجد، وسار في ساقة الجيش يزجي الضعيف. وتذكر كتب السيرة أنهم قسموا العمل في سفرٍ فقال: «وعليّ جمعُ الحطب»، فقالوا: نكفيك، فقال: «أكره أن أتميّز عليكم» — وهذه الرواية لا يثبت إسنادها، والثابت فعلُه في الخندق وبناء المسجد.الخندق وبناء المسجد في صحيح البخاري

يوم لا ظلّ إلا ظلّه

مقامه ﷺ يوم القيامة

ما أخبر به عن نفسه في ذلك اليوم — كما ثبت في الصحيحين والسنن — من الشفاعة والحوض واللواء وأوّليات تخصّه.

◆ أوّليات في ذلك اليوم

  • «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر».
  • «وأنا أول من ينشقّ عنه القبر».
  • «وأنا أول شافعٍ وأول مشفَّع».
  • «وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي».
  • «آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أُمرت لا أفتح لأحدٍ قبلك».
  • و«نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» — آخر الأمم زمنًا وأولها دخولًا.

◆ الشفاعة العظمى

  • يقف الناس في هول الموقف فيذهبون إلى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، وكلٌّ يقول: نفسي نفسي.
  • ثم يأتونه فيقول: «أنا لها، أنا لها».
  • فيسجد تحت العرش ويفتح الله عليه من المحامد ما لم يفتحه على أحدٍ قبله، ثم يُقال: «ارفع رأسك، وسل تُعطَه، واشفع تُشفَّع».
  • فيشفع في فصل القضاء بين الخلق — وهذا هو المقام المحمود: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.

◆ شفاعاتٌ أخرى ثابتة

  • شفاعته في دخول أهل الجنة الجنة.
  • شفاعته في أهل الكبائر من أمّته: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
  • شفاعته في رفع درجات أقوامٍ في الجنة.
  • وشفاعته في عمّه أبي طالب: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيُجعل في ضَحضاحٍ من نار» — تخفيفٌ لا إخراج.
  • والدعوة المدّخرة التي ادّخرها شفاعةً لأمّته.

◆ الحوض

  • «حوضي مسيرة شهر: ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء».
  • «من شرب منها لم يظمأ أبدًا».
  • «إني فَرَطكم على الحوض» — أي سابقكم إليه مهيّئًا.
  • ويُذاد عن الحوض أقوامٌ بدّلوا بعده فيقول: «سُحقًا سُحقًا لمن بدّل بعدي».
  • و«أُعطيت الكوثر»: نهرٌ في الجنة حافّتاه قباب اللؤلؤ، طينه مسكٌ أذفر.

◆ أمّته يوم القيامة

  • «إن أمتي يأتون يوم القيامة غُرًّا محجّلين من أثر الوضوء».
  • يعرفهم بذلك، ويقول: «أنتم ثلث أهل الجنة» ثم «شطر أهل الجنة».
  • وقال: «ما من نبيٍّ إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».
  • ويُروى: «تُعرض عليّ أعمالكم: فإن وجدتُ خيرًا حمدتُ الله، وإن وجدتُ غير ذلك استغفرتُ لكم» — رواه البزار، وفي إسناده ضعف، وبعض أهل العلم يحسّنه بالمرسل.

◆ ضابطٌ لازم

  • الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
  • ولا تُنال بـدعائه من دون الله؛ فقد نُهي أن يُدعى غير الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
  • وطريقها: التوحيد — «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه».
  • ومنها ما يُطلب بالسبب المشروع: من قال بعد الأذان «اللهم ربّ هذه الدعوة التامّة… وابعثه مقامًا محمودًا» حلّت له الشفاعة.
ما اختصّه الله به

خصائصه ﷺ بين الأنبياء

قال ﷺ: «فُضّلتُ على الأنبياء بستّ» — وذكر جملةً مما خصّه الله به دون سائر الرسل، في الدنيا والآخرة.

۞ عموم الرسالة

«كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس كافة». فرسالته ليست لقبيلة ولا لجيل، بل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾.متفق عليه

۞ خاتم النبيين

﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وقال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لَبِنة... فأنا اللَّبِنة، وأنا خاتم النبيين».[الأحزاب: 40]، ومتفق عليه

۞ جوامع الكلم

«أُعطيت جوامع الكلم» — كلماتٌ يسيرة تجمع معاني واسعة: «الدين النصيحة»، «لا ضرر ولا ضرار»، «إنما الأعمال بالنيات»، «لا تغضب».متفق عليه، و«لا ضرر ولا ضرار» عند ابن ماجه وأحمد

۞ الأرض مسجدًا وطهورًا

«وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، فأيّما رجلٍ من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ». فلا تحتاج أمته إلى معابد مخصوصة ولا كهنة.متفق عليه

۞ حِلّ الغنائم

«وأُحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحدٍ قبلي» — وكان من قبله يجمعونها فتنزل نارٌ من السماء فتأكلها.متفق عليه

۞ النصر بالرعب

«ونُصرت بالرعب مسيرة شهر» — يُلقى في قلوب أعدائه المهابة قبل اللقاء، وهي نصرةٌ معنوية أعانته وهو قليل العدد.متفق عليه

۞ الشفاعة العظمى

«وأُعطيت الشفاعة» — يوم يقف الناس في هول الموقف فيذهبون إلى آدم فنوح فإبراهيم فموسى فعيسى، وكلٌّ يقول: نفسي نفسي، حتى يأتوه فيقول: «أنا لها» فيسجد تحت العرش ويشفع في فصل القضاء. وهي المقام المحمود في قوله ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.متفق عليه

۞ الحوض والكوثر

«حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدًا». وهو صاحب لواء الحمد يوم القيامة.متفق عليه

۞ حفظ شريعته

ما من نبيٍّ قبله إلا بُدِّلت شريعته أو حُرّف كتابه؛ وتكفّل الله بحفظ القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وحُفظت سنته بالأسانيد وعلم الرجال — وهو علمٌ لم تعرفه أمةٌ سواها.[الحجر: 9]

۞ الدعوة المدّخرة

«لكل نبيٍّ دعوةٌ مستجابة، فتعجّل كل نبيٍّ دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة» — آثر أمّته على نفسه حتى في دعوةٍ لا تُردّ.متفق عليه

۞ الصلاة عليه بعد موته

«إن لله ملائكةً سيّاحين يبلّغوني عن أمتي السلام»، و«ما من أحدٍ يسلّم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام».رواه النسائي وأبو داود

۞ أول من يدخل الجنة

«آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أُمرت لا أفتح لأحدٍ قبلك». وأمّته أول من يدخلها من الأمم وهي آخر الأمم في الزمن.رواه مسلم

قبل أن يُبعث

البشارات به ﷺ ومن آمن قبل أن يراه

لم يظهر ﷺ فجأة؛ كان أهل الكتاب في الجزيرة يتحدّثون عن نبيٍّ قد أظلّ زمانه، وكان في العرب حنفاء ينتظرونه.

◆ في القرآن

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾، وقول عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.[الأعراف: 157]، [الصف: 6]

◆ صفته في التوراة

سُئل عبد الله بن عمرو عن صفته ﷺ في التوراة فقال: إنه موصوفٌ فيها ببعض صفته في القرآن: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحِرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتُك المتوكّل؛ ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخّابٍ في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر».رواه البخاري

◆ عبد الله بن سلام

كان من أحبار يهود المدينة، فلما قدم النبي ﷺ ذهب لينظر إليه، فلما تبيّن وجهه قال: «عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب». ثم سأله عن ثلاثٍ لا يعلمهنّ إلا نبي فأجابه، فأسلم.رواه البخاري والترمذي

◆ سلمان الفارسي

وصف له الراهب النبيَّ المنتظر بثلاث علامات فتحقّق منها بنفسه: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ومهاجَره أرضٌ بين حَرّتين بها نخل — فلما رآها انكبّ يقبّله ويبكي.مسند أحمد

◆ ورقة بن نوفل

شيخٌ تنصّر وقرأ الكتب، فلما سمع خبر الوحي قال: «هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى»، وأخبره أن قومه سيخرجونه، وتمنّى أن يكون شابًّا لينصره.متفق عليه

◆ زيد بن عمرو بن نُفيل

حنيفيٌّ مات قبل البعثة، رفض الأصنام والذبح على النُّصُب، وكان يقول: اللهم لو أعلم أحبّ الوجوه إليك لعبدتك به. قال ﷺ: «يُبعث يوم القيامة أمةً وحده».قصته في البخاري، والحديث عند النسائي في الكبرى وابن حبان

ملاحظة منهجية: الاستدلال بنصوصٍ بعينها من نسخ التوراة والإنجيل الحالية مسألةٌ اجتهادية طويلة بين العلماء والمخالفين، ولا يُبنى عليها أصل. أما ما ثبت في القرآن والسنة من أن أهل الكتاب في زمنه كانوا يعرفون خبر نبيٍّ يُبعث ويترقّبونه فهذا هو المقطوع به، وقد شهد به منهم من أسلم ومن لم يُسلم.
من منبره

من خُطبه ﷺ

كانت خطبته قصدًا وصلاته قصدًا، يقصّر الخطبة ويطيل الصلاة، ويقول: «إن طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مَئِنّةٌ من فقهه».

◆ أول خطبة في المدينة

  • «أيها الناس، قدّموا لأنفسكم؛ تعلمنّ والله ليُصعقنّ أحدكم ثم ليَدعنّ غنمه ليس لها راعٍ».
  • «ثم ليقولنّ له ربه — وليس له تَرجُمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلّغك؟».
  • «فلينظر يمينه فلا يرى شيئًا، ثم لينظر شماله فلا يرى شيئًا، ثم لينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا جهنم».
  • «فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشِقّ تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمةٍ طيبة».

◆ خطبة الحاجة

  • كان يعلّمها أصحابه كما يعلّمهم السورة من القرآن، ويفتتح بها كل أمرٍ ذي بال.
  • «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا».
  • «من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له».
  • «وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» — ثم ثلاث آيات في التقوى.

◆ صفة خطبته

  • إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش.
  • يقول: «أما بعد» ويكثر منها، ويقصّر الخطبة.
  • «خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها».
  • يخطب قائمًا ويجلس بين الخطبتين، ويتوكّأ على قوسٍ أو عصا.

◆ خطبة الوداع — أهم بنودها

  • حرمة الدماء والأموال والأعراض كحرمة يوم عرفة في شهره وبلده.
  • وضع ربا الجاهلية ودمائها — وبدأ بربا عمّه العباس ودم ابن ربيعة بن الحارث من أهل بيته.
  • الوصية بالنساء، وبيان حقوقهنّ وحقوق الأزواج.
  • لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
  • «تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله».
  • «ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد» — وأمر الشاهد أن يبلّغ الغائب.
خطبة المدينة الأولى عند ابن هشام بلاغًا بلا إسناد متصل وأوردها البيهقي، وخطبة الحاجة عند أبي داود والترمذي والنسائي، وصفة خطبته في صحيح مسلم، وخطبة الوداع في مسلم وأحمد.
مختارات مصنّفة

من كلامه ﷺ: مختاراتٌ بحسب الموضوع

أوتي جوامع الكلم: كلماتٌ قليلة تحمل معاني عظيمة. وهذه مختاراتٌ صحيحة مرتّبة على أبواب الحياة، تصلح للحفظ والمراجعة والتعليم.

◆ في الإيمان والقلب

  • «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى».
  • «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب».
  • «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة: أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان».
  • «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما…».
  • «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه».
  • «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».

◆ في الأخلاق

  • «إنما بُعثتُ لأتمّم صالح الأخلاق».
  • «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا».
  • «ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلقٍ حسن».
  • «ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء».
  • «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبِع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخلقٍ حسن».
  • «إن الله رفيقٌ يحبّ الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف».
  • «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

◆ في اللسان

  • «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
  • «المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده».
  • «وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم؟».
  • «إن العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات».
  • «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع».
  • «أتدرون ما الغيبة؟ ذكرك أخاك بما يكره».

◆ في العلم

  • «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة».
  • «من يُرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين».
  • «بلّغوا عني ولو آية».
  • «نضّر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلّغه غيره».
  • «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له».
  • «العلماء ورثة الأنبياء».

◆ في المعاملة والحقوق

  • «لا ضرر ولا ضرار».
  • «من غشّنا فليس منا».
  • «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه».
  • «كفى بالمرء إثمًا أن يُضيّع من يقوت».
  • «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورّثه».
  • «المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يُسلمه… بحسب امرئٍ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم».
  • «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة».

◆ في الأسرة والرحمة

  • «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
  • «الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
  • «من لا يَرحم لا يُرحم».
  • «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا».
  • «رِضا الرب في رِضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد».
  • «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو» — وضمّ أصابعه.

◆ في الصبر والابتلاء

  • «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له».
  • «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه».
  • «إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم».
  • «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا».
  • «لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرٍّ نزل به».
  • «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز».

◆ في الزهد والدنيا

  • «كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيل».
  • «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».
  • «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألّا تزدروا نعمة الله».
  • «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».
  • «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطن».
  • «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى».

◆ في الذكر والدعاء

  • «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
  • «الدعاء هو العبادة».
  • «ما من مسلمٍ يدعو ليس بإثمٍ ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث…».
  • «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
  • «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحيّ والميّت».
  • «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير — في يومٍ مئة مرة…».

◆ في الآخرة

  • «أكثروا ذكر هاذم اللذات» يعني الموت.
  • «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه».
  • «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلّمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان».
  • «المرء مع من أحبّ».
  • «لا يدخل الجنة أحدٌ بعمله» قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمة».

◆ وصايا جامعة

  • «لا تغضب» — ثلاثًا.
  • «قل: آمنتُ بالله، ثم استقم».
  • «دعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك».
  • «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
  • «ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما عند الناس يحبّك الناس».
  • «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك».

◆ في الأمة والمجتمع

  • «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد».
  • «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا».
  • «لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلا بالتقوى».
  • «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه — وذلك أضعف الإيمان».
  • «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته».
  • «أحبّ الناس إلى الله أنفعهم للناس» — رواه الطبراني وحسّنه الألباني.
المختارات أعلاه في الصحيحين وما اتّفق أهل العلم على تصحيحه أو تحسينه من السنن والمسانيد، وبعضها مذكورٌ مختصرًا، فمن أراد اللفظ التامّ فليرجع إلى مصدره. ومن أراد الأسانيد فليرجع إلى «الأربعين النووية» و«رياض الصالحين» للنووي، و«صحيح الجامع» للألباني.
تنقية السيرة

قصصٌ مشهورة عنه ﷺ لا تصحّ

من تعظيمه ﷺ ألّا يُنسب إليه إلا ما ثبت. وهذه قصصٌ وأحاديث تنتشر على المنابر والمواقع، نبّه أهل العلم على ضعفها أو وضعها — وسيرته الثابتة أغنى وأجمل من كل ما نُسج حولها.

◆ قصصٌ لا أصل لها

  • المرأة التي كانت تُلقي القمامة في طريقه فافتقدها فزارها مريضةً فأسلمت — قصةٌ مشهورة جدًّا لا توجد في كتب الحديث ولا السير المعتمدة. والثابت أعظم منها: عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه في مرضه فعرض عليه الإسلام فأسلم (البخاري). أما قصة «الجار اليهودي» فلا تثبت.
  • الجمل الذي شكا إليه ثم سجد له — أصل شكوى البعير ثابت عند أبي داود وأحمد، أما زيادة السجود له فلا تصحّ، وقد نهى ﷺ أن يسجد أحدٌ لأحد.
  • قصة الشابّ الذي مات فتكلّم، وقصة ثعبان الغار بتفاصيلها الشائعة — لا تثبت.
  • أن أبا بكر لُدغ في الغار فسقطت دموعه على وجهه ﷺ — تُروى في بعض كتب السير، وإسنادها ضعيف عند المحققين؛ والثابت في الصحيحين قوله: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟».

◆ ألفاظٌ تُنسب إليه وليست حديثًا

  • «حبّ الوطن من الإيمان» — ليس حديثًا، بل حكم عليه العلماء بأنه موضوع أو لا أصل له. ومعنى محبة الوطن صحيح في نفسه.
  • «اطلبوا العلم ولو في الصين» — ضعيفٌ جدًّا باتفاق المحدّثين، والثابت: «طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم» وفيه كلام، وأصحّ منه: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا…».
  • «من عرف نفسه فقد عرف ربه» — ليس بحديث.
  • «كنتُ كنزًا مخفيًّا فأحببتُ أن أُعرَف» — ليس بحديث، وهو من كلام بعض المتصوّفة.
  • «اختلاف أمّتي رحمة» — لا يثبت مرفوعًا.
  • «أنا العرب بلا عين»، و«الجنة تحت أقدام الأمهات» بهذا اللفظ — لا يصحّان، والثابت: «فالزمها فإن الجنة تحت رجليها» عند النسائي، وعند ابن ماجه: «الزم رجلها فثمّ الجنة» — ومعناه صحيح.

◆ غلوٌّ نُسب إليه

  • «لولاك ما خلقتُ الأفلاك» — موضوع باتفاق أهل الحديث، وهو من الغلوّ الذي نهى عنه بنفسه.
  • حديث «أول ما خلق الله نور نبيّك يا جابر» — لا يثبت، ولا أصل له في كتب الحديث المعتمدة. وقد ثبت أنه ﷺ بشرٌ خُلق كما يُخلق الناس، وأمّه آمنة وأبوه عبد الله.
  • روايات أنه لا ظلّ له، أو أن الأرض تنطق باسمه، ونحوها — لا تصحّ.
  • تفاصيل ليلة مولده من ارتجاج الإيوان وخمود النيران — أخبارٌ مشتهرة في كتب المتأخرين ولا تثبت أسانيدها.
  • وقد قال ﷺ محذّرًا: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده».

◆ ضوابط تحفظك

  • اسأل: أين هذا؟ — كل خبرٍ عنه ﷺ له مصدر؛ فإن لم يُذكر مصدرٌ فتوقّف.
  • الصحيحان أولًا، ثم السنن، ثم كتب السير بحذرٍ لأن فيها المراسيل.
  • القصة المؤثرة ليست دليلًا على صحّتها؛ بل كثيرٌ من الموضوعات صيغ ليؤثّر.
  • وقال ﷺ: «من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار» — وهو حديثٌ متواتر.
  • وضعف الإسناد لا يعني بالضرورة بطلان المعنى؛ قد يكون المعنى صحيحًا بدليلٍ آخر، لكن لا يُنسب اللفظ إليه ﷺ.
  • وللتحقّق: «سلسلة الأحاديث الضعيفة» للألباني، و«المقاصد الحسنة» للسخاوي، و«كشف الخفاء» للعجلوني.
لماذا هذا القسم مهمّ؟ لأن نشر الضعيف يفتح بابين: بابَ الطعن حين يكتشف الخصم أن ما تُحدّث به لا أصل له، وبابَ الغلوّ حين تتراكم روايات تُخرجه عن بشريّته التي أكّدها القرآن: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾.
اتّباعٌ عملي

سننٌ يسيرة من هديه ﷺ يمكن إحياؤها اليوم

أصدق المحبّة الاتّباع: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾. وهذه سننٌ ثابتة يسيرة، لا تكلّف مالًا ولا وقتًا، وأكثرها منسيّ.

◆ في يومك

  • السواك عند كل صلاة وعند الاستيقاظ ودخول البيت.
  • التسمية قبل الطعام، والأكل باليمين ومما يليك، وحمد الله بعده.
  • القيلولة اليسيرة: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل».
  • النوم على الشقّ الأيمن، واليد تحت الخدّ، وقراءة المعوّذات والنفث في الكفّين.
  • التيمّن: البدء باليمين في اللبس والانتعال والطهور.
  • أذكار الصباح والمساء، والاستغفار مئة مرة، والصلاة عليه ﷺ.

◆ مع الناس

  • إفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف، والسلام على الصبيان.
  • التبسّم: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة».
  • الإقبال على محدّثك بكلّك، وألّا تنزع يدك حتى ينزع.
  • الاستئذان ثلاثًا وعدم الوقوف تجاه الباب.
  • تشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وإجابة الدعوة.
  • إماطة الأذى عن الطريق، وحُسن الجوار، وإكرام الضيف.

◆ في الصلاة والمسجد

  • الدعاء بعد الأذان: «اللهم ربّ هذه الدعوة التامّة… وابعثه مقامًا محمودًا» — حلّت له الشفاعة.
  • ركعتا تحية المسجد قبل الجلوس، والرواتب الاثنتا عشرة.
  • ركعتا الضحى ولو ركعتين، والوتر قبل النوم لمن خاف ألّا يقوم.
  • أذكار ما بعد الصلاة: الاستغفار ثلاثًا، والتسبيح والتحميد والتكبير.
  • التبكير إلى الجمعة والغسل والطيب، والإكثار من الصلاة عليه فيها.

◆ في الشهر والسنة

  • صيام الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر (الأيام البيض).
  • صيام عاشوراء ويومٍ قبله، وعرفة لغير الحاجّ.
  • ستّ من شوال بعد رمضان، والإكثار من صيام شعبان.
  • الاعتكاف ولو ليالي يسيرة في العشر الأواخر.
  • الأضحية لمن قدر، والعقيقة عن المولود.

◆ في بيتك

  • المشاركة في عمل البيت: «كان في مهنة أهله».
  • الملاطفة والمزاح مع الأهل والولد، واللعب مع الصغار.
  • الصلاة في البيت نافلةً: «لا تتخذوا بيوتكم قبورًا».
  • ذكر الله عند الدخول والخروج، وإغلاق الأبواب وتغطية الآنية ليلًا.
  • العدل بين الأولاد في العطية، وحُسن أسمائهم.

◆ قاعدة الاتّباع

  • «أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ» — سنّة واحدة تُداوم عليها خيرٌ من عشرٍ تنقطع.
  • ابدأ بواحدة كل أسبوع حتى تصير عادة.
  • ولا تُنكر على من تركها إنكار الواجب؛ فالسنن مراتب.
  • و«مَن سنّ في الإسلام سنّةً حسنةً، فله أجرُها، وأجرُ مَن عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء» — رواه مسلم.
رحمةٌ في التشريع

«لولا أن أشقّ على أمّتي»: ما تركه رحمةً بهم

من أعجب أبواب السيرة: أشياء أحبّها وقدر عليها فتركها — لا لعجزٍ ولا لكراهة، بل خوفًا أن تُفرض على أمّته فتشقّ عليهم. رحمةٌ سابقةٌ بأناسٍ لم يولدوا بعد.

◆ في العبادة

  • السواك: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» — فتركه أمرًا وأبقاه سنّة.
  • قيام رمضان جماعةً: صلّى بهم ثلاث ليالٍ ثم تخلّف وقال: «خشيتُ أن تُفرض عليكم».
  • تأخير العشاء: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم أن يؤخّروا العشاء إلى ثلث الليل».
  • الخروج في كل سرية: «والذي نفسي بيده لوددتُ أني أُقتل في سبيل الله ثم أُحيا… ولولا أن أشقّ على أمتي ما تخلّفتُ عن سريّة».
  • ونهى عن الوصال في الصوم رحمةً بهم مع أنه يواصل ويقول: «إني لست كهيئتكم».

◆ في الأحكام

  • الكعبة: «لولا أن قومك حديثو عهدٍ بكفر لنقضتُ الكعبة ولأدخلتُ فيها ما أُخرج منها ولجعلتُ لها بابين» — ترك الأفضل خشية الفتنة.
  • الحدود: كان يُعرض عن المقرّ بالذنب ويلقّنه ما يدرأ عنه، ويقول: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» — على الخلاف في لفظه.
  • الفتوى: «إن أعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شيءٍ لم يُحرَّم فحُرّم من أجل مسألته».
  • وقال في الحج: «ذروني ما تركتكم؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم».

◆ في التخفيف

  • ليلة الإسراء: راجع ربه في الصلوات حتى صارت خمسًا بأجر خمسين، وقال: «قد سألتُ ربي حتى استحييت منه، ولكني أرضى وأُسلّم».
  • «ما خُيّر بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا».
  • «إن هذا الدين يُسر، ولن يشادّ الدين أحدٌ إلا غلبه؛ فسدّدوا وقاربوا وأبشروا».
  • «إن الله يحبّ أن تُؤتى رخصه كما يكره أن تُؤتى معصيته».
  • وأنكر على الثلاثة الذين تقالّوا عبادته وأرادوا ترك النوم والفطر والنساء: «فمن رغب عن سنّتي فليس مني».

◆ في الناس

  • يخفّف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي رحمةً بأمّه.
  • «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوّز».
  • غضب على معاذ لمّا أطال: «أفتّانٌ أنت يا معاذ؟».
  • «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا».
  • وكان يتخوّلهم بالموعظة ولا يعظهم كل يوم كراهية السآمة عليهم.
وهذه كلها ثابتة في الصحيحين والسنن. وتأمّل: رجلٌ يترك ما يحبّه من العبادة لئلّا يشقّ على أناسٍ يأتون بعده بقرون — وهذا معنى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
«إني لكم نذير»

ما حذّر منه ﷺ أمّته

قال: «إنه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلّ أمّته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم» — وهذه أبرز ما حذّر منه.

◆ في العقيدة

  • الشرك وأبوابه: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما هو؟ قال: «الرياء».
  • الغلوّ فيه: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم».
  • اتخاذ القبور مساجد: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».
  • الكهانة والتنجيم: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاةٌ أربعين ليلة».
  • التمائم: «من تعلّق تميمةً فقد أشرك» (أحمد).
  • والحلف بغير الله: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك».

◆ في الأخلاق

  • الكذب: «إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور».
  • الغيبة والنميمة: «لا يدخل الجنة نمّام»، و«أتدرون ما الغيبة؟».
  • الظلم: «اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة».
  • الكِبر: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من كبر».
  • الحسد: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا» (متفق عليه). ويُروى: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» وفي إسناده ضعف.
  • وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وسوء الجوار.

◆ في المال

  • الربا: «درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشدّ من ستٍّ وثلاثين زنية».
  • أكل مال اليتيم، والغش: «من غشّنا فليس منا».
  • الاحتكار: «لا يحتكر إلا خاطئ».
  • الرشوة: «لعن الله الراشي والمرتشي».
  • والمسألة بلا حاجة: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزعة لحم».

◆ في الأمة

  • التنازع: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، و«لا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
  • العصبية: «دعوها فإنها منتنة»، و«من قاتل تحت رايةٍ عِمِّيّة يغضب لعَصَبة أو يدعو إلى عَصَبة أو ينصر عَصَبة فقُتل فقِتلةٌ جاهلية» (مسلم).
  • التنافس في الدنيا: «فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم».
  • اتّباع سنن من قبلنا: «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر… حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لتبعتموهم».
  • والمحدثات: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة».
  • والأئمة المضلّين: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلّين».

◆ في النفس

  • اللسان: «وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟».
  • الغضب: «لا تغضب» ثلاثًا.
  • طول الأمل والغفلة عن الموت: «أكثروا ذكر هاذم اللذات».
  • الشح: «واتقوا الشحّ؛ فإن الشحّ أهلك من كان قبلكم».
  • ومحقّرات الذنوب: «فإن لها من الله طالبًا».

◆ فتنٌ أخبر بها

  • فتنة الدجّال: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمرٌ أكبر من الدجال»، وأمر بالتعوّذ منه في كل صلاة.
  • وأمر بحفظ أول سورة الكهف عصمةً منه.
  • القتل: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهَرْج» قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل».
  • رفع العلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء».
  • والغربة: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء».
«وبشّروا ولا تنفّروا»

ما بشّر به ﷺ أمّته

كان النذير وكان البشير، وكانت البشارة أغلب على خطابه. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ — وهذه بشاراته.

◆ في المغفرة

  • «والذي نفسي بيده، لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم».
  • «الإسلام يَهدم ما كان قبله، والهجرة تهدم ما كان قبلها».
  • «التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
  • «لله أفرح بتوبة عبده من رجلٍ فقد راحلته عليها طعامه وشرابه في أرضٍ فلاة ثم وجدها».
  • «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل».
  • و«لا تقنطوا من رحمة الله»: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقُرابها مغفرة» (الترمذي).

◆ في مضاعفة الأجر

  • «من همّ بحسنةٍ فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له عشرًا إلى سبعمئة ضعف».
  • «ومن همّ بسيئةٍ فلم يعملها كُتبت له حسنة».
  • «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان».
  • «من قال: سبحان الله وبحمده مئة مرة حُطّت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر».
  • «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا».

◆ في البلاء

  • «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه».
  • «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير».
  • «ما من مسلمٍ يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم».
  • «إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء».
  • «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب».

◆ لأمّته خاصة

  • «أُمّتي أمّةٌ مرحومة، ليس عليها عذابٌ في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل».
  • «إن الله تجاوز عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه».
  • «أُعطيت خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي» — وذكر منها: «وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا».
  • «يدخل الجنة من أمّتي سبعون ألفًا بغير حساب».
  • «شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي»، و«اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي».
  • و«إن الله زوى لي الأرض فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمّتي سيبلغ مُلكها ما زُوي لي منها».

◆ للغرباء ومن جاء بعده

  • «ووددتُ أني قد رأيتُ إخواني» قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد».
  • «طوبى للغرباء» قيل: ومن الغرباء؟ قال: «الذين يُصلحون إذا فسد الناس».
  • «للعامل منهم أجر خمسين» قالوا: منّا أم منهم؟ قال: «بل منكم» — أي أجر العامل في زمن الفتور.
  • «لا تزال طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خذلهم».
  • و«من صلّى عليّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا» — بابٌ مفتوحٌ لمن لم يره.

◆ بشاراتٌ في اليسير

  • «ومن سقى مسلمًا شربةً من ماءٍ على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم» — رواه أبو داود والترمذي، ورجّح الترمذي وقفه.
  • «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر» — قالها في سقي كلب.
  • «تبسّمك في وجه أخيك صدقة».
  • «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة».
  • «من غرس غرسًا فأكل منه إنسانٌ أو طيرٌ أو بهيمة كان له به صدقة».
  • «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة».
ماذا بعد؟

حقوقه ﷺ على أمته

لا تكتمل قراءة السيرة بمعرفةٍ باردة؛ فلها ثمرةٌ عملية هي حقوقه ﷺ علينا.

◆ الإيمان به وتصديقه

الإيمان بأنه رسول الله إلى الناس كافة، وأن ما جاء به حقٌّ من عند الله، وأن لا نبيّ بعده. قال ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار».رواه مسلم

◆ محبته فوق النفس والولد

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». وقال عمر: يا رسول الله، لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال: «لا، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك». فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي. فقال: «الآن يا عمر».متفق عليه، والبخاري

◆ طاعته واتباع سنته

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ — فالمحبة تُقاس بالاتباع لا بالدعوى. وقال ﷺ: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».[آل عمران: 31]، ورواه البخاري

◆ الصلاة والسلام عليه

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾. وقال ﷺ: «من صلّى عليّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا». وقال: «البخيل من ذُكرتُ عنده فلم يصلّ عليّ». وخصّ يوم الجمعة بالإكثار.[الأحزاب: 56]، ورواه مسلم والترمذي

◆ توقيره ونصرته

﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ — بالدفاع عن عرضه، وردّ الشبهات بالعلم والحكمة لا بالتشنّج، والاقتداء به في الردّ: فقد كان يُشتم ويُكذّب فيقابل ذلك بالحلم والحجة والدعاء للجاهل.[الفتح: 9]

◆ ألّا نغلو فيه

قال ﷺ محذّرًا: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله». فالمحبة الصادقة اتّباعٌ لا غلوّ، وتوقيرٌ لا عبادة، وتعظيمٌ للسنة لا ابتداعٌ باسم المحبة.رواه البخاري

◆ تبليغ سنّته

«بلّغوا عني ولو آية». وقال: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلّغه غيره». وهذه أمانة كل من قرأ سيرته أن ينقلها لمن بعده.رواه البخاري والترمذي

◆ محبة أهل بيته وأصحابه

«أذكّركم الله في أهل بيتي». وقال: «لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه». فمحبته تستلزم محبة من أحبّهم.رواه مسلم والبخاري

أثره في الأرض

ماذا غيّر ﷺ في ثلاثٍ وعشرين سنة؟

لم يكن التغيير شعارات؛ بل تحوّلاتٍ عملية يمكن قياسها في الاعتقاد والأخلاق والاجتماع والاقتصاد والحرب.

◆ في الاعتقاد

  • من ٣٦٠ صنمًا حول الكعبة إلى توحيدٍ خالص لا وسائط فيه.
  • إلغاء الكهانة والتَّطيّر والاستقسام بالأزلام والعدوى الجاهلية.
  • ربط النفع والضر بالله وحده: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك».
  • حتى كسوف الشمس يوم موت ابنه صحّح فيه العقيدة بدل أن يستثمره لنفسه.

◆ في المرأة

  • تحريم وأد البنات: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.
  • جعل لها ميراثًا مستقلًّا وذمّةً مالية بعد أن كانت تُورَث.
  • اشتراط رضاها في النكاح، وردّ نكاح من زُوّجت كارهة.
  • «استوصوا بالنساء خيرًا» في أعظم مجمع، و«خيركم خيركم لأهله».
  • وجعل برّ الأم مقدَّمًا ثلاث مرات على الأب.

◆ في الرقّ

  • لم يوجد مجتمعٌ في ذلك العصر بلا رقّ، فسدّ منابعه ووسّع مصارف عتقه.
  • جعل العتق كفارة للقتل الخطأ والظهار واليمين وإفطار رمضان.
  • شرّع المكاتبة: يشتري العبد نفسه، وأمر بإعانته من مال الزكاة.
  • «أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون»، ومن لطم مملوكه فكفارته عتقه.
  • ورفع الأرقّاء إلى القيادة: بلال مؤذّنه، وزيد أميرًا، وأسامة على جيشٍ فيه كبار قريش.

◆ في الاقتصاد

  • تحريم الربا والغرر والاحتكار والغش: «من غشّنا فليس منا».
  • فرض الزكاة نظامًا دوريًّا لا تبرعًا موسميًّا.
  • تحريم أكل مال اليتيم، وإيجاب الوفاء بالعقود والكيل والميزان.
  • احترام العمل بيده: «ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده».
  • «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه».

◆ في الحرب

  • منع قتل النساء والصبيان والشيوخ والرهبان والعُسفاء (الأجراء).
  • منع الغدر والمُثلة وقتل الرسل ونقض العهد ولو مع عدو.
  • ونهى عن الفساد في الأرض، وجاءت وصايا خلفائه بعده — كوصية أبي بكر لجيش الشام — بمنع قطع الشجر المثمر وعقر الماشية إلا لمأكلة، امتدادًا لهديه.
  • «لا تتمنّوا لقاء العدو وسلوا الله العافية» — الحرب ضرورة لا غاية.
  • الوفاء بالعهد ولو كان مُرًّا: ردّ أبا جندل يوم الحديبية وفاءً بالشرط.

◆ في الحكم والاجتماع

  • ألغى العصبية القبلية: «دعوها فإنها منتنة»، و«من قاتل تحت رايةٍ عِمِّيّة يغضب لعَصَبة أو يدعو إلى عَصَبة أو ينصر عَصَبة فقُتل فقِتلةٌ جاهلية» (مسلم).
  • ساوى في القضاء: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
  • أرسى الشورى: نزل على رأي أصحابه في أُحد، وأخذ برأي الحُباب وسلمان وأم سلمة.
  • أول وثيقة تنظّم مجتمعًا متعدد الأديان: صحيفة المدينة.
  • حقوق الجار ولو كان مخالفًا، وحقوق المعاهد: «فأنا حجيجه يوم القيامة».
يُسأل عنها كثيرًا

أسئلة متكرّرة حول سيرته ﷺ

أسئلة تتردّد كثيرًا، أجبنا عنها بإيجازٍ وإنصاف، مع الإشارة إلى مواضع الخلاف بدل ادّعاء الاتفاق.

سؤال لماذا تعدّدت زوجاته وقد عاش ٢٥ سنة بزوجةٍ واحدة؟

الحقيقة التاريخية أولًا: تزوّج ﷺ وهو ابن ٢٥ امرأةً أكبر منه، ولم يتزوج عليها حتى ماتت — أي أن سنوات شبابه كلها كانت بزوجة واحدة. وأكثر زيجاته وقعت بعد الخمسين، وفي المدينة، في سنوات الدولة والحرب.

والتعدد لم يكن أمرًا مستنكرًا في ذلك العصر ولا في الشرائع قبله — وأنبياء بني إسرائيل تزوّجوا أكثر من ذلك. لكنّ زيجاته اتّسمت بأمور ظاهرة: أكثرهنّ أرامل وذوات أولاد، ومنهنّ من فقدت زوجها في الجهاد، ومنهنّ من كان الزواج بها تحالفًا يوقف حربًا (جويرية فأُعتق مئة أهل بيت)، أو جبرًا لغريبة (أم حبيبة في الحبشة)، أو إبطالًا لعادة جاهلية (زينب وأمر التبنّي). ومنهنّ من صارت من أكبر رواة الشريعة: عائشة روت أكثر من ألفي حديث في أدق شؤون البيت النبوي التي لا يمكن أن ينقلها رجل.

ومع ذلك كان بيته أفقر البيوت: تمرٌ وماء، وفراشٌ من ليف. ومن أراد أن يقيس فليقارن بحال ملوك عصره وأباطرته.

سؤال ألم يُقاتل؟ فكيف يكون رحمةً للعالمين؟

صبر ﷺ ثلاث عشرة سنة على الأذى والتعذيب والحصار ولم يرفع سيفًا، بل أمر أصحابه بالهجرة مرتين فرارًا لا قتالًا. ولم يؤذن له في القتال إلا بعد الهجرة، وبنصٍّ يعلّل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾.

ثم إن حصيلة القتال في العشر سنين كلها — بالإحصاء التاريخي في المصادر — نحو ألف قتيل من الطرفين مجتمعين؛ رقمٌ لا يقارن بحروب أي دولةٍ نشأت في التاريخ. وقواعد حربه: لا تُقتل امرأة ولا صبي، ولا يُغدر، ولا يُغَلّ، ولا يُمثَّل بجثة — وزاد خلفاؤه على نهجه: ولا شيخ ولا راهب ولا يُقطع شجر مثمر.

والحاسم: ماذا فعل يوم قدر؟ يوم الفتح دخل مكة في عشرة آلاف على من عذّبوه وقتلوا أصحابه ومثّلوا بعمّه، فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». من كان القتالُ غايته لا يفعل هذا في ساعة النصر.

سؤال ما القول في سنّ عائشة رضي الله عنها؟

الرواية المشهورة في الصحيحين تذكر عقد النكاح مبكرًا والبناء بعده بسنوات. وقد ناقش عددٌ من الباحثين هذا الرقم واستدلّوا بقرائن تاريخية — منها المقارنة بعمر أختها أسماء وتواريخ الهجرة — على أنها كانت أكبر من ذلك، فيما تمسّك آخرون بظاهر الرواية. فالمسألة محلّ بحثٍ ونظر، لا محلّ إجماع.

ومن جهة السياق: سنّ الزواج في كل المجتمعات قبل العصر الحديث — عربية وفارسية ورومية وأوروبية — كان مرتبطًا بالبلوغ والقدرة لا برقمٍ قانوني، ولم يُنكر أحدٌ من خصوم النبي ﷺ في زمنه هذا الزواج ولا اتخذه مطعنًا، مع حرصهم على كل مطعن، بل خطبها قبله غيرُه.

ومن جهة الحكم اليوم: عامّة الفقهاء المعاصرين على أن العبرة بالأهلية والنضج والقدرة على تحمّل الحقوق، وأن لوليّ الأمر تحديد سنٍّ أدنى للزواج منعًا للضرر — وهو ما عليه قوانين الدول الإسلامية اليوم. فالمرجع في زماننا إلى هذه القوانين والضوابط، لا إلى إسقاط أعراف قرنٍ على قرن.

سؤال كيف نثق بنقل السيرة بعد كل هذه القرون؟

تميّزت هذه السيرة بأمرٍ لم يتوفّر لغيرها: الإسناد — أن يُذكر مع كل خبرٍ سلسلةُ من نقله رجلًا رجلًا. ثم نشأ حول ذلك علم الجرح والتعديل: تراجم لعشرات الآلاف من الرواة، تُدرس فيها ذاكرة الرجل وصدقه وتاريخ ميلاده ووفاته ومن لقي ومن لم يلقَ — حتى قال أحد المستشرقين: لم تعرف أمةٌ من الأمم مثل هذا الجهد في توثيق الأخبار.

ولذلك يفرّق أهل العلم بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، ويردّون على الرواة المشاهير إن أخطؤوا. وما في الصحيحين هو أوثق طبقة، ثم السنن، ثم كتب السير التي فيها مراسيل وأخبار لا تُبنى عليها الأحكام.

ومع ذلك فمن الإنصاف القول: ليست كل تفصيلة في كتب السيرة صحيحة، وفي المشهور على الألسنة قصصٌ لا أصل لها. والمنهج العلمي أن يُقال في الثابت: ثبت، وفي غيره: هذا يُروى ولا يصح.

سؤال كيف نعرف أنه صادق وليس بمُصلحٍ ذكيّ فقط؟

هذه أدلةٌ يعرضها أهل العلم للنظر لا للإلزام:

◂ سيرته قبل الدعوة: أربعون سنة بين قومٍ لم يُعرف عنه فيها كذبة واحدة حتى لقّبوه «الأمين»، ولم يُنقل عنه شعرٌ ولا كهانة ولا اشتغال بعلمٍ يُبنى عليه ما جاء به.

◂ ما في القرآن من عتابٍ له: ﴿عبس وتولى﴾، ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ — من يختلق كتابًا لا يضع فيه عتاب نفسه ثم يأمر أتباعه بتلاوته.

◂ تأخّر الوحي في مواضع حرجة: كحادثة الإفك التي مكث فيها شهرًا يتألّم ولا يجد جوابًا — ولو كان بيده لأجاب في يومه.

◂ ما رفضه من العروض: عُرض عليه المال والمُلك والزعامة، وطلب منه بنو عامر أن يكون لهم الأمر بعده مقابل النصرة، فرفض وهو في أضعف حال.

◂ حاله عند التمكين: ملك جزيرة العرب ومات ودرعه مرهونة، ولم يورّث دينارًا. ولم يجعل النبوة في نسله ولا الملك.

◂ ثمرته في أتباعه: جيلٌ حوّله من قبائل ثأر إلى أمةٍ حملت العلم والعدل، وهذه ثمرةٌ لا تُصنع بالخديعة.

سؤال ما الفرق بين الغزوة والسرية؟ ومصطلحات السيرة

◂ الغزوة: ما خرج فيها النبي ﷺ بنفسه (نحو ٢٧). والسرية: ما بعث فيها جماعةً ولم يخرج معهم (نحو ٦٠).

◂ البعثة: ابتداء نزول الوحي. والهجرة: الانتقال من مكة إلى المدينة، وبها يبدأ التقويم.

◂ السيرة: مجموع أخباره ﷺ. والمغازي: ما يخصّ حروبه. والشمائل: ما يخصّ صفته وخُلقه.

◂ الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك. والتابعي: من لقي صحابيًّا.

◂ المهاجرون: من هاجر من مكة. والأنصار: أهل المدينة من الأوس والخزرج. والطلقاء: من أسلم يوم فتح مكة.

◂ الحديث القدسي: ما رواه ﷺ عن ربه بلفظه هو، بخلاف القرآن المتعبَّد بتلاوته.

ماذا نأخذ منها؟

دروسٌ عملية من السيرة

السيرة ليست تاريخًا يُحفظ فحسب؛ فيها منهجٌ يُطبَّق في الدعوة والقيادة والبيت والنفس.

◆ في الدعوة

  • ابدأ بالأقرب: بدأ بزوجته وصاحبه وابن عمه قبل أن يصعد الصفا.
  • تدرّج: عقيدة ثلاث عشرة سنة قبل أكثر الأحكام.
  • الرفق قبل الإنكار: «دعوه وأريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء».
  • خاطب الناس بما يفهمون ولا تُنفّر: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا».
  • الصبر على الردّ: الطائف قابلها بالدعاء لا باللعن.

◆ في القيادة

  • استشر ولو كنت أعلمهم: أخذ برأي الحُباب وسلمان وأم سلمة.
  • انزل على رأي الأكثرية إذا لم يكن وحي: خرج إلى أُحد وهو يرى غيره.
  • ضع الرجل المناسب: خالد للحرب، وزيد للكتابة، ومعاذ للفقه، وأسامة الشاب على جيش.
  • اعمل مع الناس: نقل اللَّبِن وحفر الخندق وربط الحجر على بطنه معهم.
  • لا تعاقب على مخالفة الرأي بعد سماع العذر: «أصبت» لجابر.

◆ في البيت

  • الوفاء يمتدّ بعد الموت: صديقات خديجة بعد سنين.
  • المشاركة في المهنة: يخصف نعله ويرقع ثوبه.
  • المزاح والملاطفة: سابق عائشة، ومازح الأطفال والعجائز.
  • العدل بين الأولاد: ردّ الرجل الذي نحل ابنًا دون إخوته.
  • الحزن مباح والاعتراض ممنوع: «العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».

◆ في الشدائد

  • خذ بالأسباب ثم توكّل: طريق الجنوب، والدليل، وتموين ثلاثة أيام، ثم «إن الله معنا».
  • البلاء يُفتح بعده باب: بعد الطائف كان الإسراء، وبعد الحديبية كان الفتح.
  • لا تُصدّر عجزك لأتباعك: قال لآل ياسر «موعدكم الجنة» وهو لا يملك دفعًا.
  • حوّل الهزيمة إلى درس: أُحد نزل فيها ستون آية تشرح السبب ولا تجمّله.
  • الدعاء في أضيق لحظة: يوم الطائف لم يدعُ على أهله بل قال لملك الجبال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده» (متفق عليه)، ويُروى عنه دعاءٌ مشهور: «إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي» وإسناده ضعيف.
من دلائل النبوة

ما أخبر به ﷺ فوقع

أخبار الغيب لا يعلمها إلا الله، وإنما يُطلع رسله على ما شاء: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ﴾. وهذه أخبارٌ ثابتة أكثرها في الصحيحين، وقعت كما قال.

۞ مصارع بدر

قبل المعركة بيوم جعل يشير إلى الأرض ويقول: «هذا مصرع فلان غدًا، وهذا مصرع فلان». قال أنس: فوالله ما ماط أحدُهم عن موضع يد رسول الله ﷺ. ثم وقف على القليب ينادي القتلى بأسمائهم.رواه مسلم

۞ سواري كسرى

قال لسراقة وهو مطارَدٌ في الهجرة لا يملك شيئًا: «كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟» — فألبسهما عمر لسراقة بعد فتح فارس.البيهقي وابن عبد البر

۞ فتح الشام وفارس واليمن

وهو يضرب الصخرة في الخندق وهم في جوعٍ وحصار، برقت برقة فقال: «أُعطيت مفاتيح الشام... مفاتيح فارس... مفاتيح اليمن» — والمنافقون يقولون: يَعِدنا أن نفتح كنوز كسرى وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط!مسند أحمد والنسائي

۞ «مزّق الله ملكه»

لما مزّق كسرى كتابه دعا عليهم أن يُمزَّقوا كل ممزَّق (البخاري)، وفي السير بلفظ: «مزّق الله ملكه» — فقُتل كسرى على يد ابنه، ثم زالت دولة فارس كلها.رواه البخاري، ولفظ «مزّق الله ملكه» عند ابن إسحاق والبيهقي

۞ مقتل عمّار

قال لعمّار وهم يبنون المسجد: «ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية» — فقُتل بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة في صفّين.متفق عليه

۞ صلح الحسن

قال والحسن على المنبر معه: «إن ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» — فوقع في «عام الجماعة» سنة ٤١هـ.رواه البخاري

۞ أول جيش يغزو البحر

قال لأم حرام: «أول جيشٍ من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا»، فقالت: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: «أنتِ من الأولين». فركبت البحر في غزوة قبرص سنة ٢٨هـ في خلافة عثمان تحت إمرة معاوية، فماتت هناك.متفق عليه

۞ الأمن في الجزيرة

قال لعديّ بن حاتم: «ليوشكنّ أن تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله». قال عدي بعد سنين: فرأيتها بعيني.رواه البخاري

۞ فتنة الدنيا

«فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم».متفق عليه

۞ ظهور البنيان والتطاول

في حديث جبريل لما سأله عن أمارات الساعة: «أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان» — وقد صار في جزيرة العرب ما صار.متفق عليه

۞ الخلافة ثم المُلك

«الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم مُلكٌ بعد ذلك» — فكانت خلافة الراشدين إلى تنازل الحسن ثلاثين سنة بالضبط.رواه أبو داود والترمذي وحسّنه

۞ فتح القسطنطينية

«لتُفتحنّ القسطنطينية، فلَنِعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش» — وفُتحت سنة ٨٥٧هـ بعد نحو ثمانية قرون.مسند أحمد والحاكم وصحّحه، وضعّفه الألباني

۞ أويس القرني

وصف ﷺ رجلًا لم يره قط: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به بَرَص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بَرّ... فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل». فكان عمر يتحرّى أمداد اليمن حتى وجده بهذه الصفات فسأله أن يستغفر له.رواه مسلم

۞ «تقاتلكم اليهود» و«الترك»

أخبر بملاحم آخر الزمان بأوصافٍ محدّدة، ومنها قوله: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك: صغار الأعين، حُمر الوجوه، ذُلف الأنوف، كأن وجوههم المجانّ المطرقة».متفق عليه

۞ فتح مصر والوصية بأهلها

«إنكم ستفتحون مصر، وهي أرضٌ يُسمّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمّةً ورحمًا» — الرَّحِم لأن هاجر أم إسماعيل ومارية أم إبراهيم منها. وفُتحت في خلافة عمر.رواه مسلم

۞ مقتل أميّة وأُبيّ

قال لسعد بن معاذ حين هدّده أميّة بن خلف: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه قاتلك». فوجل أميّة وقال: بمكة؟ قال: لا أدري. فقُتل في بدر. وقال في أُبيّ بن خلف: «بل أنا أقتلك إن شاء الله»، فخدشه يوم أُحد خدشًا يسيرًا فمات منه في الطريق.صحيح البخاري، والسير

۞ «ستكون خلافة نبوّة ثم مُلك»

«تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة، ثم يرفعها، ثم يكون مُلكًا عاضًّا، ثم مُلكًا جبريًّا، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة» — وقد وقع أوّله على ما هو معلوم من التاريخ.مسند أحمد — وحسّنه جماعة

۞ اتّساع الرزق وبناء البنيان

«لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهمّ ربّ المال من يقبله منه صدقة». وفي حديث جبريل: «وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». — وصفٌ دقيق لتحوّل جزيرة العرب.متفق عليه

۞ نساء كاسيات عاريات

«صنفان من أهل النار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عاريات مائلاتٌ مميلات، رؤوسهنّ كأسنمة البُخت المائلة». — أخبر بصنفين لم يكونا موجودين في زمانه.رواه مسلم

۞ افتراق الأمة

«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين». وقال محذّرًا: «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لتبعتموهم».أبو داود والترمذي، ومتفق عليه

۞ عودة الجزيرة مروجًا

«لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض... وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا» — وهو مما يُشاهد اليوم من إحياء الزراعة في مواضع كانت صحراء، مع التنبيه أن هذا مما لا يُقطع بتمام وقوعه بعد.رواه مسلم

۞ «فما عليك إلا نبيٌّ أو صدّيق أو شهيد»

كان ﷺ على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحرّكت الصخرة، فقال: «اهدأ، فما عليك إلا نبيٌّ أو صدّيق أو شهيد» — فاستُشهد عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير كلهم. وقال مثله على أُحد: «اثبت أُحد، فإنما عليك نبيٌّ وصدّيق وشهيدان».رواه مسلم، والثاني في البخاري

۞ نار الحجاز

«لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببُصرى» — وخرجت سنة ٦٥٤هـ شرقي المدينة، ذكرها المؤرخون المعاصرون لها كالنووي وأبي شامة، وقالوا إنها رُئيت من بُصرى بالشام.متفق عليه

۞ ضابط مهم

ليس كل ما يُنسب إليه في الفتن والملاحم ثابتًا؛ في هذا الباب أحاديث ضعيفة وموضوعة كثيرة، وأكثر ما يُروَّج اليوم من «نبوءات» تفصيلية لا يصحّ. والثابت في الصحيحين كافٍ، والاشتغال بتنزيله على الوقائع بالتخمين ليس من العلم.قاعدة منهجية

وصفٌ تاريخي

صحّته ﷺ وموقفه من التداوي

هذا القسم وصفٌ لما ورد في السيرة عن صحته وتداويه في زمانه، وليس إرشادًا علاجيًّا. والمرجع في الطب اليوم إلى الأطباء المختصين — وهذا نفسه هدي النبي ﷺ: أمر بالتداوي وسؤال أهل الخبرة.

◆ أمره بالتداوي

  • «تداووا عباد الله؛ فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً، غير داءٍ واحد: الهرم».
  • «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله».
  • لم يجعل التوكّل مانعًا من الأسباب: «اعقلها وتوكّل».
  • أرسل إلى أُبيّ طبيبًا فقطع منه عِرقًا وكواه — أي عرض المريض على أهل الصنعة.

◆ الوقاية والعدوى

  • «إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» — أصل الحجر الصحي.
  • «لا يُورِدنّ مُمرضٌ على مُصحّ» — عزل المريض عن السليم.
  • «فِرّ من المجذوم فرارك من الأسد».
  • وأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، وبالنظافة والسواك والغسل يوم الجمعة.

◆ ما ورد أنه تداوى به

  • الحجامة — احتجم وأعطى الحاجم أجره، ولم يبخس أجرة صاحب صنعة.
  • العسل — ﴿فيه شفاءٌ للناس﴾، وقال للذي اشتكى أخوه بطنه: «اسقه عسلًا».
  • الحبة السوداء والتلبينة (حساءٌ من دقيق الشعير) للحزين والمريض.
  • الرقية بالقرآن — بالفاتحة والمعوّذات، مع الأخذ بالأسباب لا بديلًا عنها.
  • ونهى عن التداوي بالمحرّم: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليها».

◆ صحته وما أصابه

  • كان قويّ البِنية؛ عمل في حفر الخندق ونقل اللَّبِن مع أصحابه، ويُروى أنه صرع رُكانة المشهور بالقوة.
  • أصابته الحمّى فقال أصحابه: إنك توعك وعكًا شديدًا! فقال: «أجل، إني أُوعك كما يُوعك رجلان منكم».
  • جُرح يوم أُحد: شُجّ وجهه وكُسرت رَباعيته ودخلت حلقتان من المِغفر في وجنته.
  • أصابته الشاة المسمومة في خيبر فلفظها، وكان يقول في مرض موته: «ما زالت أُكلة خيبر تعاودني».
  • وفي مرض موته اشتدّ به الصداع والحمّى حتى كان يُغمى عليه، ويقول: «إن للموت سكرات».
تنبيه: ما ذُكر هنا سردٌ لما ورد في الأحاديث في سياقها التاريخي. أما علاج مرضٍ بعينه اليوم فمرجعه الطبيب المختص، ولا يصحّ ترك العلاج الطبي اعتمادًا على ما يُنشر باسم «الطب النبوي». وقد أمر ﷺ نفسه بالتداوي وسؤال أهل العلم بالصنعة.
ماذا بعد الوفاة؟

ما بعده ﷺ: كيف حُفظ الأثر؟

مات ﷺ ولم يورّث ملكًا ولا مالًا، فماذا جرى لأمّته في السنوات التي تلت؟ هذه خاتمة السيرة وبداية ما بعدها.

١١ هـ
بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة ثم في المسجد، وإنفاذ جيش أسامة الذي جهّزه النبي ﷺ رغم اضطراب الأحوال.
١١ – ١٢ هـ
حروب الردّة ومانعي الزكاة، وموقف أبي بكر الحاسم: «والله لو منعوني عِقالًا كانوا يؤدّونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه».
١٢ هـ
استشهاد كثيرٍ من حفظة القرآن في اليمامة، فأشار عمر بجمع القرآن، فتردّد أبو بكر ثم شرح الله صدره، فجُمع في مصحف بيد زيد بن ثابت.
١٣ – ٢٣ هـ
خلافة عمر: فتح الشام والعراق ومصر وفارس، وتأسيس الدواوين والتقويم الهجري، والعدل الذي صار مثلًا.
٢٣ – ٣٥ هـ
خلافة عثمان: توحيد المصاحف على حرفٍ واحد ونسخها وإرسالها إلى الأمصار — وهو المصحف الذي بين أيدينا اليوم. ثم الفتنة واستشهاده.
٣٥ – ٤٠ هـ
خلافة عليّ، وما وقع بين الصحابة من فتنةٍ اجتهدوا فيها. والموقف الشرعي: الكفّ عمّا شجر بينهم، والترضّي عن الجميع.
٤١ هـ
عام الجماعة: تنازل الحسن بن علي حقنًا للدماء — تصديقًا لقول جدّه ﷺ: «ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين».
القرن الأول
بدء تدوين السنة رسميًّا بأمر عمر بن عبد العزيز، ونشوء علم الإسناد بعد الفتنة: «سمّوا لنا رجالكم».
القرنان ٢ و٣
تدوين المغازي والسير (ابن إسحاق، الواقدي، ابن سعد)، ثم الصحاح والسنن (البخاري ومسلم وأصحاب السنن) — فصار للأمة سجلٌّ موثّق لسيرة نبيّها.
إلى اليوم
القرآن محفوظٌ بحروفه، والسنة مدوّنة بأسانيدها، والصلاة تُقام كما رآها الصحابة، والحج يُؤدّى كما علّمهم — وهذا أعظم أثرٍ ترك.
وقال ﷺ: «تركتُ فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله» (مسلم) — ويُروى: «كتاب الله وسنّة نبيّه» (الموطأ والحاكم) — وفي رواية مسلم: «وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي» — فالتمسّك بالوحيَين ومحبة آل البيت طريقٌ واحد لا طريقان.
من الفجر إلى النوم

يومٌ في حياته ﷺ

جُمعت هذه الصورة من أحاديث متفرّقة صحيحة تصف عادته الغالبة — لا جدولًا صارمًا، فقد كان يومه يتغيّر بالسفر والغزو والوفود.

قبل الفجرآخر الليل
يستيقظ فيمسح النوم عن وجهه ويقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا»، ويقرأ خواتيم آل عمران، ويستاك، ويتوضّأ، ثم يصلي إحدى عشرة ركعة يطيلها.
الفجر
يصلي ركعتي الفجر خفيفتين ثم يضطجع على شقّه الأيمن، ثم يخرج إلى المسجد فيصلي بالناس ويقرأ بطوال المفصّل.
بعد الفجر
يجلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يلتفت إلى أصحابه فيتحدّثون في أمر جاهليتهم فيضحكون ويتبسّم، وربما سألهم: «هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟».
الضحى
يعود إلى بيته فيسأل: «هل عندكم شيء؟» فإن لم يجد قال: «فإني صائم». ثم يخرج لحوائج الناس: يقضي بينهم، ويستقبل الوفود، ويعود المرضى، ويشيّع الجنائز، ويمشي مع الأرملة والمسكين.
الظهر
يصلي بالناس، ثم يقيل قيلولةً يسيرة — وكان يقول: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل». وربما قال في سفره: «من يحرسنا الليلة؟».
العصر
يصلي ثم يدور على بيوت نسائه واحدةً واحدة يسلّم ويسأل عن حالهن، ثم يستقرّ عند صاحبة النوبة.
المغرب
يصلي بالناس، ثم يفطر إن كان صائمًا على رطبات أو تمرات أو حسواتٍ من ماء، ويقول عند الفطر: «ذهب الظمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله».
العشاء
كان يستحب تأخيرها لولا المشقّة، ويكره النوم قبلها والحديث بعدها، إلا لمصلحة: كان يسمر مع أبي بكر في أمر المسلمين وعمر معهما.
قبل النوم
يجمع كفّيه فينفث فيهما ويقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوّذتين ثم يمسح ما استطاع من جسده، ثلاث مرات. ثم ينام على شقّه الأيمن ويده تحت خدّه ويقول: «باسمك اللهم أموت وأحيا».
جمعة
يغتسل ويتطيّب ويلبس أحسن ثيابه، ويخطب قائمًا خطبتين قصيرتين يجلس بينهما، ويقرأ في الصلاة الجمعة والمنافقين أو الأعلى والغاشية.
كل يوم
أعمالٌ لم يتركها: ذكر الصباح والمساء، والاستغفار سبعين مرة فأكثر، والصلاة على من مات، وقضاء حوائج الناس، وزيارة أهله، وإصلاح ما تعطّل من متاعه بيده.
مجموعةٌ من أحاديث الصحيحين والسنن، وقد رتّبها ابن القيم في «زاد المعاد» في فصول هديه في يومه وليلته.
السيرة في أرقام

حصيلةٌ مرقّمة للمراجعة

أرقامٌ تقريبية على المشهور عند أهل السير، تُغني عن استحضار التفاصيل عند المراجعة. وبعضها مختلَفٌ فيه بين أهل المغازي.

◆ العمر والمراحل

  • عمره ﷺ: ٦٣ سنة على المشهور.
  • قبل النبوة: ٤٠ سنة — منها ٢٥ سنة زواجًا بخديجة وحدها.
  • الدعوة في مكة: ١٣ سنة — ثلاث سرًّا وعشر جهرًا.
  • الدولة في المدينة: ١٠ سنوات.
  • مدة نزول القرآن: ٢٣ سنة.

◆ الجهاد

  • الغزوات التي خرج فيها بنفسه: نحو ٢٧.
  • ما قاتل فيها فعليًّا منها: نحو ٩ فقط.
  • السرايا والبعوث: نحو ٦٠.
  • أكبر جيش قاده: ٣٠ ألفًا في تبوك.
  • أصغر جيش: ٣١٣ في بدر.
  • شهداء أُحد: ٧٠ — وهي أكثر خسائره في يوم.

◆ الأسرة

  • أزواجه: ١١ عقد بهنّ ودخل، توفي عن ٩.
  • أولاده: ٧ — ثلاثة بنين وأربع بنات.
  • كلهم من خديجة إلا إبراهيم من مارية.
  • مات في حياته منهم ٦، وبقيت فاطمة ستة أشهر بعده.
  • أعمامه: ١١ أو نحوها، أسلم منهم حمزة والعباس.

◆ العبادة والحج

  • حجّ بعد الهجرة: حجة واحدة.
  • اعتمر: ٤ عُمَر، كلهنّ في ذي القعدة إلا التي مع حجّته.
  • قيامه بالليل: ١١ ركعة لا يزيد في رمضان ولا غيره.
  • اعتكافه: العشر الأواخر كل رمضان.
  • استغفاره: أكثر من ٧٠ مرة في اليوم، وقيل ١٠٠.

◆ الدعوة والرسائل

  • رسائله إلى الملوك: نحو ٦ – ٩ رسائل.
  • الوفود التي قدمت عليه: نحو ٧٠ وفدًا.
  • كتّاب الوحي: أكثر من ٤٠ كاتبًا.
  • من شهد حجة الوداع: نحو ١٠٠ ألف.
  • من شهد بيعة العقبة الكبرى: ٧٣ رجلًا وامرأتان.

◆ ما تركه

  • من المال عند وفاته: لا شيء — «لا نُورَث، ما تركنا صدقة».
  • درعه: مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.
  • بيوته: حجرات من لبِن وجريد يبلغها الرجل بيده.
  • وتركَ: القرآن، وسنّةً محفوظة، وأمّةً امتدّت في الأرض.
بعيون غير المسلمين

كيف قرأه غير المسلمين؟

كُتب عنه ﷺ في الغرب والشرق كثيرًا: بين طاعنٍ منذ العصور الوسطى، ومنصفٍ في العصر الحديث نظر إلى الأثر التاريخي. وهذه إشاراتٌ موثّقة لا مبالغات.

◆ ترتيب مايكل هارت

وضعه المؤرخ الأمريكي مايكل هارت في كتابه «المئة: ترتيب أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ» (١٩٧٨) في المرتبة الأولى، وعلّل ذلك بأنه الوحيد الذي نجح نجاحًا فائقًا على المستويين الديني والدنيوي معًا. وهي واقعةٌ تُذكر كما هي: ترتيبُ باحثٍ في كتابه، لا شهادةَ إيمان.Michael H. Hart, The 100

◆ المستشرقون والإسناد

أُعجب عددٌ من الباحثين الغربيين بعلم الإسناد والجرح والتعديل، وعدّوه منهجًا في توثيق الأخبار لم تعرف الأمم مثله في زمنه — وقد بنى عليه المحدّثون تراجم عشرات الآلاف من الرواة.من أدبيات الدراسات الحديثية

◆ شهادة أعدائه في زمنه

أصدق الشهادات ما جاء من خصمٍ في وقت الخصومة: أبو سفيان — وهو يومئذٍ على شركه — يُسأل أمام هرقل: هل جرّبتم عليه كذبًا؟ فيقول: لا. أيغدر؟ فيقول: لا. ثم يقول لنفسه: لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عليه.صحيح البخاري

◆ تنبيه على المنقول

تنتشر على الإنترنت اقتباسات منسوبة إلى أعلام غربيين في مدحه ﷺ، كثيرٌ منها غير موثّق أو محرّف أو مبتور من سياقه — ومنها ما يُنسب إلى برنارد شو ولا يُعرف له مصدر. والأولى ألّا يُحتجّ بما لا يثبت؛ فسيرته الثابتة أغنى من أن تُدعم بمنحولٍ.قاعدة: لا يُنسب قولٌ بلا مصدر

◆ النقد الاستشراقي

وفي المقابل كتب مستشرقون نقدًا شديدًا لسيرته ولمصادرها، وردّ عليهم باحثون مسلمون وغربيون بالحجة. والموقف العلمي أن تُعرض الشبهة وتُناقش، لا أن تُخفى — وهذا ما فعله علماء الإسلام مع الشبهات منذ القرن الأول.أدبيات الرد على الاستشراق

◆ ما الذي يُقرّ به مؤرّخو الغرب؟

يتّفق أكثر المؤرخين — مسلمين وغير مسلمين — على وقائع لا يُنكرها باحثٌ جادّ: أنه ﷺ شخصية تاريخية موثّقة لا أسطورية، وأنه غيّر بنية الجزيرة العربية في جيلٍ واحد، وأنه أسّس دينًا ودولةً ومنظومة تشريع في آنٍ معًا — وهو اجتماعٌ نادر في التاريخ. والخلاف بينهم وبين المسلمين ليس في هذه الوقائع، بل في تفسير مصدرها: أهي وحيٌ من الله أم عبقريةٌ بشرية؟خلاصة موقف الدراسات التاريخية

◆ الاعتراف بأثر التشريع

يُشير باحثون في تاريخ القانون إلى أن ما جاء به من قواعد — حرمة الدم والمال والعِرض، وحقّ المرأة في الميراث والذمّة المالية المستقلة، ورفض المسؤولية الجماعية عن جريمة الفرد، وقواعد التعامل مع الأسرى وغير المقاتلين — سبقت ما استقرّت عليه المواثيق الحديثة بقرون. وهذه ملاحظةٌ تاريخية قابلة للفحص، لا دعوى.مقارنة تاريخية

◆ الوثائق المعاصرة له

ممّا يستشهد به الباحثون: وجود إشارات في مصادر غير إسلامية مبكّرة تعود إلى القرن السابع الميلادي تذكر ظهور نبيٍّ في العرب وحركةً جديدة قادمة من الجزيرة — وهي وإن اختلفت في تفاصيلها ونبرتها، فإنها تنفي دعوى من زعم أن الشخصية «صُنعت» متأخرًا.دراسات المصادر المبكرة

◆ لماذا يُنصَف أحيانًا ويُظلم كثيرًا؟

تشكّلت في أوروبا العصور الوسطى صورةٌ نمطية شديدة السلبية عنه ﷺ نشأت في سياق الحروب والصراع السياسي لا في سياق البحث، ثم بدأ التعديل عليها في القرون الأخيرة مع اتّساع الاطلاع على المصادر العربية. ففي التاريخ الغربي عنه تيّاران لا تيّار واحد، والإنصاف أن يُذكرا معًا.تاريخ الاستشراق

◆ كيف نتعامل مع النقد؟

الطريقة النبوية في مواجهة الشبهة: الحجّة لا الغضب. جادله وفد نجران في مسجده فأنزلهم وحاوَرهم، وسأله المشركون واليهود أسئلة تعجيزية فأجاب ونزل القرآن بالجواب. فالردّ العلمي الهادئ أنفع للحق من الانفعال، وأقرب إلى هديه ﷺ.سيرة ابن هشام، وأسباب النزول

◆ ما لا يصحّ الاستدلال به

لا يُستدلّ بـاقتباسٍ بلا مصدر ولو كان في مدحه، ولا بـإحصاءات مُخترعة عن أعداد المسلمين أو ترتيب الأسماء، ولا بـقصصٍ عن إسلام مشاهير لم تثبت. وقد ابتُليت مواقع كثيرة بذلك فأضعفت قضيّتها. الحق لا يحتاج إلى كذبةٍ تُسنده.قاعدة

◆ الميزان الصحيح

لا يُقاس صدق النبوة بثناء الناس ولا بذمّهم؛ يُقاس بالدليل: صدق المخبر، وسلامة ما جاء به، وأثره في الواقع. وثناء المنصفين يفيد في كسر الصورة النمطية لا في إثبات الدين.قاعدة منهجية

١٣ سنة سنةً سنة

السنوات المكية: ماذا جرى في كل سنة؟

من البعثة إلى الهجرة. والتواريخ هنا تقريبية؛ فأهل السير يختلفون في تحديد بعض السنوات، والمقصود ترتيب الأحداث لا القطع باليوم.

السنة ١رمضان
نزول الوحي في غار حراء ﴿اقرأ﴾، ورجوعه يرجف فؤاده، وتثبيت خديجة، وشهادة ورقة. ثم فترة الوحي، ثم ﴿يا أيها المدثر﴾. إسلام خديجة وعليّ وزيد وأبي بكر.
السنة ٢ – ٣
الدعوة السرّية: إسلام السابقين على يد أبي بكر (عثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف)، واتخاذ دار الأرقم مركزًا. فُرضت الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.
السنة ٤
الجهر بالدعوة: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ و﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. نداؤه عشيرته بطنًا بطنًا: «لا أغني عنكم من الله شيئًا» (متفق عليه)، ثم خطبة الصفا ورد أبي لهب ونزول سورة المسد (وما يُروى من وليمة العشيرة ومقالة عليّ فيها فضعيف الإسناد). بداية الاستهزاء والأذى بالكلام.
السنة ٥رجب
اشتداد التعذيب على المستضعفين: بلال، وآل ياسر، وخبّاب، وصهيب، وزنّيرة. الهجرة الأولى إلى الحبشة (نحو ١١ رجلًا و٤ نسوة) فيهم عثمان ورقية. ثم رجع بعضهم لشائعة إسلام قريش.
السنة ٥ – ٦
الهجرة الثانية إلى الحبشة (نحو ٨٣ رجلًا) برئاسة جعفر، وسعي عمرو بن العاص عند النجاشي، وخطبة جعفر وتلاوة سورة مريم. ومساومات قريش للنبي ﷺ على المال والمُلك، وعرض الوليد وعتبة.
السنة ٦
إسلام حمزة غضبًا له بعد أذى أبي جهل، ثم إسلام عمر استجابةً لدعائه ﷺ: «اللهم أعزّ الإسلام بأحب الرجلين إليك» (الترمذي) — وقصة سماعه سورة طه عند أخته مشهورة لكن في إسنادها ضعف — فصلّى المسلمون عند الكعبة ظاهرين لأول مرة، وعُرف عمر بعدُ بـ«الفاروق».
السنة ٧ – ١٠
حصار الشِّعب ثلاث سنين: مقاطعةٌ شاملة في البيع والنكاح والكلام لبني هاشم والمطلب، وتعليق الصحيفة في الكعبة. جوعٌ شديد حتى سُمع تضاغي الصبيان، ثم إخباره ﷺ بأن الأرَضة أكلت الصحيفة فنُقضت.
السنة ١٠عام الحزن
وفاة أبي طالب ثم خديجة بينهما أيام. اجتراء قريش عليه بعد فقد ناصره. ثم رحلة الطائف وردّ ثقيف ورميه بالحجارة، ودعاؤه المشهور، وقصة عدّاس، ورجوعه في جوار المطعم بن عدي. وزواجه من سودة، وعقده على عائشة.
السنة ١٠ – ١٢على خلاف
الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس، وتصديق أبي بكر فسُمّي الصدّيق. واستماع الجن في طريق الطائف ونزول آيات الأحقاف فيهم. وبدأ يعرض نفسه على القبائل في المواسم: كِندة وكلب وبني حنيفة وبني عامر.
السنة ١١
لقاء ستة نفر من الخزرج عند العقبة في موسم الحج، فأسلموا ورجعوا يدعون في يثرب — فما بقيت دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ لرسول الله ﷺ.
السنة ١٢
بيعة العقبة الأولى (١٢ رجلًا) على ألّا يشركوا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم — وسُمّيت «بيعة النساء». وإرسال مصعب بن عمير معلّمًا إلى المدينة، وإسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وقومهما.
السنة ١٣ذو الحجة
بيعة العقبة الكبرى: ٧٣ رجلًا وامرأتان على المنع والنصرة، واختيار اثني عشر نقيبًا. ثم الإذن بالهجرة إلى المدينة، فخرج المسلمون أرسالًا؛ وهاجر عمر مع عياش بن أبي ربيعة، وترك صهيب ماله كله (وقصة تحدّي عمر لقريش عند الكعبة لا يثبت إسنادها).
السنة ١٣صفر/ربيع
مؤامرة دار الندوة وقرار قتله، ثم الهجرة: نوم عليّ في فراشه، وغار ثور ثلاث ليال، وسراقة، وأم معبد، وقباء، ودخول المدينة يوم الجمعة.
خلاصة المرحلة المكية: ثلاث عشرة سنة لم يُشرَّع فيها حدٌّ ولا زكاة ولا جهاد؛ كلها بناءُ عقيدةٍ وصناعةُ رجال وصبرٌ على الأذى. ولذلك كان أكثر ما نزل فيها عن التوحيد والبعث والأخلاق وقصص الأنبياء.
١٠ سنوات سنةً سنة

السنوات المدنية: ماذا جرى في كل سنة؟

من الهجرة إلى الوفاة. عشر سنوات قامت فيها دولة، ونزل فيها أكثر التشريع، وتغيّرت فيها خريطة الجزيرة.

١ هـ
بناء المسجد النبوي ومسجد قباء، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وصحيفة المدينة ومُوادَعة اليهود. تشريع الأذان برؤيا عبد الله بن زيد. بدء السرايا الاستطلاعية. أول مولود للمهاجرين: عبد الله بن الزبير.
٢ هـ
تحويل القبلة إلى الكعبة (رجب)، وفرض صيام رمضان وزكاة الفطر، وأول عيد فطر وأضحى. غزوة بدر الكبرى في ١٧ رمضان ونصر المسلمين. زواج عليّ بفاطمة، ووفاة رقية. إجلاء بني قينقاع.
٣ هـ
غزوة أُحد في شوال: استشهاد ٧٠ فيهم حمزة ومصعب، وجرح النبي ﷺ، ثم حمراء الأسد. تحريم الخمر على قول. زواجه من حفصة وزينب بنت خزيمة. سرية القَرَدة.
٤ هـ
مأساتا الرجيع وبئر معونة ومقتل سبعين من القرّاء، وقنوته شهرًا. إجلاء بني النضير ونزول سورة الحشر. غزوة ذات الرقاع وتشريع صلاة الخوف. نزول آيات الحجاب على قول، وزواجه من أم سلمة.
٥ هـ
غزوة الخندق وحصار الأحزاب شهرًا ثم انصرافهم بالريح، ثم بنو قريظة وحكم سعد بن معاذ ووفاته. غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك ونزول براءة عائشة في سورة النور، وفتنة ابن أُبيّ ونزول سورة المنافقون. تشريع التيمم في آية الوضوء.
٦ هـ
صلح الحديبية في ذي القعدة وبيعة الرضوان ونزول سورة الفتح. ثم الرسائل إلى الملوك: هرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي وغيرهم. سرايا عديدة لتأمين الأطراف.
٧ هـ
فتح خيبر في محرم وراية عليّ، وقدوم جعفر ومهاجرة الحبشة، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، وقصة الشاة المسمومة. عمرة القضاء في ذي القعدة وزواجه من ميمونة.
٨ هـ
إسلام خالد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة (صفر)، ثم غزوة مؤتة (جمادى) واستشهاد زيد وجعفر وابن رواحة، ثم فتح مكة (رمضان) والعفو العام وتحطيم الأصنام، ثم حنين وحصار الطائف (شوال) وقسمة الغنائم وعتاب الأنصار. ولادة إبراهيم من مارية. وفاة زينب بنت رسول الله ﷺ.
٩ هـعام الوفود
غزوة تبوك (رجب) وجيش العسرة وقصة كعب بن مالك، وهدم مسجد الضرار. وفاة عبد الله بن أُبيّ ونزول النهي عن الصلاة على المنافقين. حج أبي بكر ونداء عليّ ببراءة. تقاطر الوفود من كل الجزيرة. وفاة أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ.
١٠ هـ
حجة الوداع في ذي الحجة وخطبة عرفة ونزول ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن وعليّ قاضيًا. وفاة ابنه إبراهيم وكسوف الشمس وتصحيحه للعقيدة. ظهور مسيلمة والأسود العنسي مدّعيَي النبوة.
١١ هـربيع الأول
تجهيز جيش أسامة، ثم مرضه ﷺ في بيت عائشة، وأمرُه أبا بكر أن يصلي بالناس، وخطبة الاستقادة، ووصيته بالصلاة وما ملكت الأيمان. ثم الوفاة ضحى الاثنين ١٢ ربيع الأول، وخطبة أبي بكر، ودفنه في حجرة عائشة.
خلاصة المرحلة المدنية: عشر سنوات نزل فيها أكثر التشريع — الجمعة وتفاصيل الصلاة، والزكاة والصيام والحج والحدود والمواريث والمعاملات — وقامت فيها دولة، ودخلت الجزيرة في الإسلام، وكل ذلك في عمرٍ يعادل مدة دراسةٍ جامعية واحدة.
مراجعة سريعة

الجدول الزمني الشامل

كل أحداث السيرة الكبرى في جدولٍ واحد للمراجعة والحفظ. التواريخ على المشهور عند أهل السير.

عام الفيل~571م
المولد في مكة يوم الاثنين من ربيع الأول، بعد وفاة أبيه عبد الله.
٦ سنوات577م
وفاة أمه آمنة بالأبواء، فكفله جدّه عبد المطلب.
٨ سنوات579م
وفاة جده عبد المطلب، وانتقال كفالته إلى عمه أبي طالب.
١٢ سنة583م
رحلة الشام الأولى مع عمه، ولقاء بحيرى الراهب.
٢٥ سنة596م
التجارة في مال خديجة ثم الزواج بها.
٣٥ سنة606م
تحكيمه في وضع الحجر الأسود عند تجديد بناء الكعبة.
٤٠ سنةرمضان 610م
نزول الوحي في غار حراء: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، ثم فترة الوحي، ثم ﴿يا أيها المدثر﴾.
١ – ٣ نبوية
الدعوة السرية ودار الأرقم؛ إسلام خديجة وأبي بكر وعلي وزيد.
٤ نبوية
الجهر بالدعوة: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾، وخطبة الصفا، ووليمة العشيرة.
٥ نبوية615م
الهجرة إلى الحبشة (الأولى ثم الثانية)، وموقف النجاشي.
٦ نبوية
إسلام حمزة ثم عمر بن الخطاب، فعزّ به الإسلام.
٧ – ١٠ نبوية
حصار الشِّعب ثلاث سنين، ثم نقض الصحيفة بعد أكل الأرَضة لها.
١٠ نبوية619م
عام الحزن: وفاة أبي طالب ثم خديجة، ثم رحلة الطائف.
١٠ – ١٢ نبوية
الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس، وتصديق أبي بكر.
١٢ – ١٣ نبوية
بيعتا العقبة الأولى والكبرى، وإرسال مصعب بن عمير إلى يثرب.
١ هـ622م
الهجرة: مؤامرة دار الندوة، غار ثور، سراقة، قباء، ودخول المدينة. بناء المسجد والمؤاخاة ووثيقة المدينة.
٢ هـ624م
تحويل القبلة، وفرض صيام رمضان، وغزوة بدر الكبرى في ١٧ رمضان، ثم إجلاء بني قينقاع.
٣ هـ625م
غزوة أُحد واستشهاد حمزة وسبعين من الصحابة، ثم حمراء الأسد.
٤ هـ625م
إجلاء بني النضير، ومأساتا الرجيع وبئر معونة، وغزوة ذات الرقاع.
٥ هـ627م
غزوة الخندق وحصار الأحزاب، ثم بنو قريظة، وغزوة بني المصطلق وحادثة الإفك.
٦ هـ628م
صلح الحديبية وبيعة الرضوان، ونزول ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، ثم الرسائل إلى الملوك.
٧ هـ628–629م
فتح خيبر وقدوم جعفر من الحبشة، ثم عمرة القضاء.
٨ هـ629–630م
غزوة مؤتة واستشهاد الأمراء الثلاثة، ثم فتح مكة في رمضان والعفو العام، ثم حنين والطائف.
٩ هـ630–631م
غزوة تبوك (جيش العسرة) وقصة كعب بن مالك، وعام الوفود، وحج أبي بكر ونداء براءة.
١٠ هـ632م
حجة الوداع وخطبة عرفة، ونزول ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾.
١١ هـ632م
الوفاة يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول في بيت عائشة، ودفنه فيه، وخطبة أبي بكر.
للاستزادة

مصادر السيرة النبوية

من أراد التوسّع فهذه أشهر الكتب ومراتبها، مرتّبة من الأوثق إلى ما يُقرأ بحذر.

صحيحا البخاري ومسلمأوثق ما وصلنا؛ في البخاري كتاب المغازي، وفي مسلم كتاب الجهاد والسير، وفيهما أبواب الفضائل والشمائل. الدرجة الأولى
السيرة النبوية — ابن هشامتهذيب سيرة ابن إسحاق، وهي أقدم سيرة مطوّلة وصلتنا؛ فيها مراسيل وأخبار تحتاج تمحيصًا. أصل السير
زاد المعاد — ابن القيمسيرةٌ وفقه؛ يستخرج من كل حدث حكمه ودرسه بأسلوب بديع. الأنفع للفهم
البداية والنهاية — ابن كثيرتاريخٌ شامل، وقسم السيرة فيه محقَّق ينقد الروايات ويرجّح. محقَّق
الشمائل المحمدية — الترمذيخاصٌّ بصفته وأخلاقه ولباسه وطعامه ونومه وضحكه. للشمائل
الرحيق المختوم — المباركفوريأشهر كتاب معاصر وأيسره للمبتدئ، فاز بالجائزة العالمية للسيرة. الأنسب للبداية
فقه السيرة — الغزالي / البوطيقراءة تحليلية تستنبط الدروس التربوية والدعوية من الأحداث. تحليلي
الطبقات الكبرى — ابن سعدموسوعة تراجم الصحابة، مرجع لمن أراد تفاصيل الأشخاص. للتراجم
دلائل النبوة — البيهقيجمع أخبار المعجزات وعلامات النبوة بالأسانيد. للمعجزات
السيرة النبوية الصحيحة — أكرم العمريدراسة نقدية تُخضع روايات السيرة لمنهج المحدّثين. نقدي
قاعدة عملية: ما جاء في الصحيحين فهو الأصل، وما جاء في كتب السير من أخبارٍ لا تُعارض ثابتًا ولا تُبنى عليها عقيدةٌ ولا حكم فأمرها أوسع، وما خالف ثابتًا أو صادم العقل الصريح فيُردّ. وأكثرُ ما يُروَّج على المنابر من قصص «المولد» والخوارق التفصيلية لا أصل له، وسيرته الثابتة أعظم وأغنى من كل ما نُسج حولها.
من هو؟ وما هي؟

معجم أعلام السيرة وقبائلها

أسماءٌ تتكرّر في السيرة، من عرفها استقامت له القصة. مرتّبةٌ بحسب الموضوع لا بحسب الحروف.

◆ قبائل ومجموعات

  • قريش — قبيلته ﷺ، سكان مكة وسدنة البيت، وبطونها: هاشم، أمية، مخزوم، تيم، عدي، زهرة، سهم.
  • الأوس والخزرج — قبيلتا المدينة، بينهما حرب بُعاث، فألّف الإسلام بينهما وسُمّوا الأنصار.
  • المهاجرون — من هاجر من مكة. والطلقاء — من أسلم يوم الفتح.
  • ثقيف — أهل الطائف. وهوازن — أصحاب حنين. وخزاعة — حلفاؤه في الحديبية.
  • غطفان — من الأحزاب. وغِفار — قبيلة أبي ذر. ودَوس — قبيلة أبي هريرة.
  • بنو قينقاع والنضير وقريظة — يهود المدينة الثلاثة، نقضوا العهد فأُجلي اثنان وحوكم الثالث.

◆ أعلام حوله

  • ورقة بن نوفل — ابن عم خديجة، صدّق الوحي أول يوم ثم مات.
  • حليمة السعدية — مرضعته. وأم أيمن — حاضنته. وثويبة — أول من أرضعته.
  • عامر بن فُهيرة — مولى أبي بكر، راعي الغنم في رحلة الهجرة.
  • عبد الله بن أُريقط — دليل الهجرة، وكان مشركًا أمينًا.
  • مصعب بن عمير — أول سفير إلى المدينة. وحذيفة — صاحب سرّ النبي ﷺ.
  • الحُباب بن المنذر — صاحب الرأي في منازل بدر. وسلمان — صاحب فكرة الخندق عند أهل المغازي.

◆ خصومٌ ومنافقون

  • أبو جهل (عمرو بن هشام) — فرعون هذه الأمة، قُتل في بدر.
  • أبو لهب — عمّه وأشدّ أعدائه، نزلت فيه سورة.
  • أمية بن خلف — معذّب بلال. وعقبة بن أبي معيط — من آذاه في الحرم.
  • عبد الله بن أُبيّ — رأس المنافقين بالمدينة.
  • حُيَيّ بن أخطب — محرّض الأحزاب وناقض عهد قريظة.
  • مسيلمة الكذّاب والأسود العنسي — ادّعيا النبوة، وهما «السواران» في رؤياه.

◆ ملوك وزعماء

  • النجاشي (أصحمة) — ملك الحبشة، أسلم وصلّى عليه ﷺ صلاة الغائب.
  • هرقل — عظيم الروم، عرف صدقه وخاف على ملكه فأمسك.
  • كسرى أبرويز — ملك فارس، مزّق الكتاب فدُعي عليه.
  • المقوقس — عظيم القبط بمصر، أهدى مارية والبغلة.
  • أبرهة — صاحب الفيل، أهلكه الله عام مولده ﷺ.
  • مالك بن عوف — قائد هوازن في حنين، ثم أسلم.

◆ مصطلحات تتكرّر

  • الحَنيفية — دين إبراهيم على التوحيد. والحنفاء — من بقي عليه قبل البعثة.
  • الصُّفّة — ظُلّة في المسجد يأوي إليها فقراء المهاجرين.
  • المؤاخاة — عقد الأخوّة بين مهاجرٍ وأنصاري.
  • المؤلَّفة قلوبهم — من يُعطَون من الزكاة تأليفًا لقلوبهم.
  • الجزية — ما يؤدّيه أهل الذمّة مقابل الحماية وإعفائهم من الجهاد.
  • الفيء والغنيمة — ما أُخذ بلا قتال، وما أُخذ بقتال.
  • الظِّهار والإيلاء — عادتان جاهليتان في الطلاق عالجهما القرآن.
  • الرَّجيع وبئر معونة — سريّتان غُدر فيهما بالقرّاء.

◆ أيامٌ لها أسماء

  • عام الفيل — عام مولده. وعام الحزن — وفاة أبي طالب وخديجة.
  • يوم الفرقان — بدر. ويوم الأحزاب — الخندق.
  • الفتح الأعظم — فتح مكة. والفتح المبين — صلح الحديبية.
  • غزوة العُسرة — تبوك. وعام الوفود — السنة التاسعة.
  • حجة الوداع — حجّته الوحيدة بعد الهجرة. وعام الجماعة — تنازل الحسن.
خطة عملية

كيف تقرأ السيرة وتُتقنها؟

قراءة السيرة مرةً واحدة تُنسى؛ والمنهج أن تُقرأ على مراحل، من الإجمال إلى التفصيل، مع ربط كل حدث بدرسه.

◆ المرحلة الأولى — الخريطة

  • احفظ الهيكل الزمني أولًا: ٤٠ قبل النبوة، ١٣ في مكة، ١٠ في المدينة.
  • ثبّت اثنتي عشرة محطة: المولد، البعثة، الجهر، الحبشة، الحصار، عام الحزن، الهجرة، بدر، الحديبية، الفتح، حجة الوداع، الوفاة.
  • اقرأ كتابًا ميسّرًا واحدًا كاملًا: الرحيق المختوم — دون توقّف عند التفاصيل.
  • راجع الجدول الزمني في هذا الموقع حتى يستقرّ الترتيب في ذهنك.

◆ المرحلة الثانية — التفصيل

  • ارجع إلى زاد المعاد لابن القيم؛ فهو يربط الحدث بالفقه والدرس.
  • اقرأ الشمائل للترمذي لتعرفه ﷺ إنسانًا لا حدثًا.
  • اقرأ سيرة ابن هشام للتفاصيل، مع الانتباه إلى المراسيل.
  • وثّق ما تقرأ: اسأل دائمًا: أين هذا في الصحيحين؟

◆ المرحلة الثالثة — الربط

  • اقرأ القرآن بسبب نزوله: الأنفال مع بدر، وآل عمران مع أُحد، والأحزاب مع الخندق، والفتح مع الحديبية، والتوبة مع تبوك.
  • ستجد القرآن يتحوّل من نصٍّ مجرّد إلى خطابٍ حيّ يعالج حدثًا تعرفه.
  • ثم اقرأ تراجم الصحابة لترى أثر التربية النبوية في الأفراد.

◆ أخطاء شائعة في القراءة

  • الاكتفاء بالقصص العجيبة وترك الهدي العملي.
  • تصديق كل ما يُروى دون سؤال عن ثبوته.
  • قراءتها كتاريخٍ منتهٍ لا كمنهجٍ يُطبَّق.
  • إسقاطها على الخصومات المعاصرة واقتطاع النصوص من سياقها.
  • الغلوّ باسم المحبة، وقد نهى عنه بنفسه: «لا تُطروني».

◆ للأطفال والناشئة

  • ابدأ بالقصص المصوّرة والحوادث الحسّية: الغار، الفيل، شقّ الصدر، البُراق.
  • ركّز على أخلاقه مع الأطفال: «يا أبا عمير»، والسجود الطويل، ورفعه للحسنين.
  • اربطه بقدوةٍ من سنّهم: عليّ وهو ابن عشر، وعمرو بن سلمة إمامًا وهو ابن سبع.
  • ولا تبدأ بالمعارك والتفاصيل الدموية؛ ابدأ بالرحمة.

◆ سؤالٌ بعد كل حدث

  • ماذا فعل ﷺ؟ ولماذا فعله في ذلك الوقت بالذات؟
  • ما البديل الذي كان ممكنًا ولم يفعله؟ وهذا يكشف الحكمة.
  • ما الذي يمكن أن أنقله إلى حياتي اليوم؟
  • وهل الذي أقرؤه ثابت، أم مشهورٌ على الألسنة فقط؟
فهرس شامل

خريطة الموقع

كل أقسام الموقع مرتّبةً بحسب موضوعها، للانتقال السريع إلى ما تريد.

◆ ثانيًا: شخصه وهديه

◆ منهج هذا الموقع

  • الأصل ما ثبت في الصحيحين، ثم السنن، ثم كتب السير بحذر.
  • كل حديثٍ وقصة معزوّة إلى مصدرها في آخرها.
  • ما اختُلف فيه يُنبَّه عليه ولا يُقدَّم كأنه إجماع.
  • ما اشتهر ولا أصل له تُرك ولو كان جميلًا.
  • والغلوّ ممنوع؛ فقد نهى عنه صاحب السيرة نفسه ﷺ.

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

[الأحزاب: 56]

هذه لمحاتٌ من سيرةٍ لا يحيط بها موقعٌ ولا كتاب. فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب السيرة المعتمدة: السيرة النبوية لابن هشام، وزاد المعاد لابن القيم، والبداية والنهاية لابن كثير، والرحيق المختوم للمباركفوري، والشمائل المحمدية للترمذي، وقبل ذلك كله صحيحا البخاري ومسلم.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ

تابع القراءة من—